"إيلاف" من القدس: عندما توالت أخبار اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة جنين يوم أمس الثلاثاء ومحاصرتها منزل يتحصن به مطلوبون من كتائب شهداء الأقصى، قفز اسم زكريا الزبيدي، في أذهان كثيرين، مثلما يحدث في كل عملية اقتحام.
ولكن العملية استهدفت هذه المرة خالد الحاوي (24 عاما) وهو من مسؤولي كتائب شهداء الأقصى في جنين الذي قتل خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال.
ولم يمض وقت طويل حتى ظهر الزبيدي وسط رجاله يتوعد بالرد على مقتل رفيقه الحاوي، مثلما فعل قبل أيام بالرد على اغتيال نايف أبو شرخ قائد كتائب شهداء الأقصى في نابلس بقتل مستوطن واصابة آخر على شارع التفافي استيطاني قرب بلدة يعبد في جنبن.
وقال الزبيدي "الحرب مع الإسرائيليين مفتوحة، وسيعرفون كيف يكون انتقامنا لاستشهاد خالد الحاوي"
ويعتبر الزبيدي أحد قلائل من الكوادر الفلسطينية التي برزت مع انتفاضة الأقصى ولم يعتقل أو يقتل مثلما حدث لمئات من أمثاله من القادة الميدانيين في المدن والبلدات الفلسطينية.
ونجا الزبيدي من محاولات عدة لاغتياله، وشكل عدم اعتقاله أو اغتياله فشلا لقوات الأمن الإسرائيلية التي ذكر افي ديتخر مسؤول الشاباك في تقرير سلمه لحكومته مؤخرا أن قوات الاحتلال اعتقلت منذ عملية السور الواقي (ابريل 2002 ) حتى الان 4800 من عناصر الفصائل الفلسطينية وقتلت 880 ، ولم يكن بين القتلى أو المعتقلين زكريا الزبيدي الذي يوصف ألان بأنه قائد كتائب شهداء الأقصى في جنين وهو في الواقع واحد من ابرز كوادر كتائب الأقصى الذي بقي حرا طليقا، حيث حققت قوات الاحتلال نجاحا في نشاطها ضد كتائب الأقصى في المدن والمحافظات الفلسطينية الأخرى.
ويثير صموده وإفلاته من القبضة الاحتلالية حتى ألان التساؤلات والإعجاب خصوصا من بين أنصاره الذين اصبح بالنسبة لهم رمزا خصوصا وانه كان خلال الأشهر الماضية وسع من قائمة أعدائه عندما خطف مسلحون تابعون له نائب محافظ جنين واتهامه بالفساد وتسليم مطلوبين، وانتهت عملية الخطف بتدخل من ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، ولكنها أعطت الزبيدي مكانة معنوية إضافية كحامل لمطالب كثير من أبناء جيله من مناضلي وكوادر حركة فنح العسكريين الذي طالما أشاروا إلى معاناتهم وعدم أنصافهم.
ومن مؤيدي الزبيدي فتاة يهودية اعتقلتها سلطات الاحتلال ثم أفرجت عنها ووضعتها تحت الإقامة الجبرية لعلاقتها معه وحظرت عليها الاتصال أو الذهاب إلى صديقها الزبيدي.
واصبح أي حديث عن أي وقف لإطلاق نار يستوجب مفاوضات يجريها وزراء في السلطة الفلسطينية مع الزبيدي لأخذ موافقته، لان بدونها لا يمكن لأي نوع من وقف إطلاق النار أن يصمد، مثلما حدث باستهداف سيارة للمستوطنين على شارع التفافي يعبد رغم الهدنة التي أعلنها عرفات واسماها الهدنة الأولمبية مع انطلاق شعلة تلك الألعاب في اليونان.
وقبل اشهر تسبب الزبيدي في أزمة دبلوماسية مع الأردن، سرعان ما تداركها الجانبان الرسميان في البلدين، عندما طرد رجاله ما اعتبروهم مسؤولين أمن أردنيين يجوبون جنين، بينما قالت الناطق بلسان الحكومة الأردنية أسمى خضر بأنهم من الإعلاميين والمدنيين.
وعزز ذلك مزاعم يرددها رجاله بأنهم رقم صعب في المعادلة الإقليمية، وذلك لقدرتهم، من خلال ممارسات معينة، أن ينجحوا أو يفشلوا أي مبادرات يطرحها هذا الطرف أو ذاك.
ولم يتوقع أحد عندما ظهر الزبيدي كأحد ناشطي فتح في مخيم جنين في بداية انتفاضة الأقصى أن يكون له كل هذا التأثير. فهو واحد من مئات من عناصر حركة فتح في المخيمات الفلسطينية الذين وجدوا أنفسهم مع اتفاقيات أوسلو مع واقع جديد لم يألفوه ولكنهم سرعان ما انخرطوا في هذا الواقع الجديد، وبنى الزبيدي علاقات قوية مع نشطاء في حركات السلام الإسرائيلية وكان منزله في مخيم جنين مكانا لعقد لقاءات بين نشطاء سلام من الجانبين، يبحثون فيه نقاط الالتقاء المشتركة من اجل ما كان يعتبره الجانبان مستقبلا يعيش فيه الشعبان بسلام.
ولكن اندلاع انتفاضة الأقصى غير كل المعادلات، ووجد الزبيدي نفسه ضمن صفوف كتائب شهداء الأقصى، وخلال عملية السور الواقي وارتكاب شارون لمجزرة جنين استشهدت والدته واحد أشقائه.
وكان ذلك حافزا إضافيا له لمواصلة مسيرته التي من الصعب التراجع عنها، ومنذ ذلك التاريخ تمكن جيش الاحتلال من اعتقال أو اغتيال العديد من قادة الفصائل في مخيم جنين والذين يفوقون زكريا الزبيدي معرفة وتجربة، ولكن هذا الجيش لم يستطع الوصول إلى الزبيدي الذي خرج أمس واقسم بالانتقام لدماء رفيقه الحاوي كما فعل كثيرا خلال السنوات الثلاثة الماضية، ما دام حرا طليقا يواجه دولة بجيشها ومخابراتها وطائراتها.