قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن أن تُفسرَ تصريحات السيد عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس، وحسب ما نقلته إذاعة ( سوا )، بالتقية حسب، فمن مثله في قمة السلطة لا نظنه بمقام ( تقوى أو تقية ) الآن بعد أن تشرعنتْ ( الطبخة ) الطائفية وتعززتْ وصار لها اظافر وأنياب ( ديموقراطية ) عبر الإنتخابات والدستور والوزارات المدججة بالسلاح والميليشيات، لا بل وتنامت ( في اجواء تلك الديموقراطية المشوهة النشاز )، تناميا سرطانيا، ثقافة اللطم والبكاء والعمائم والحسينيات واللون الأسود والبيارق السوداء والندب ليل نهار، وعبرت الحدود ايضا ( كحال اي ثقافة منتصرة وإن كانت بائسة ) ووصلت إلى الفضاءات المجاورة حيث لحق الأخوة السوريون والأردنيون ( وآخرون كُثر ) بمن سبقهم من عراقيين ولبنانيين بارتياد الحسينيات الوليدة الناشئة حديثا، للبكاء على الفقيد الغالي الذي مات قبل الف وخمسمائة عام ( في حرب إختارها هو ذاته كما يختار كل الأبطال موتهم وقدرهم بإرادتهم الذاتية )، وصار النواح ولبس السواد بديلا عن الكتاب والمقهى والنقاش السياسي أو الأدبي و( شفط الأرجيلة) والتمتع بملاحقة الحسناوات من شرفات المقاهي الأنيقة.

إنه عصر الحزن والخراب والثأر بلا منازع، فلمَ يصرح اليوم، السيد عادل عبد المهدي وغيره بهذا الذي يصرحون به من اعلى المنابر من أن الغزو الأمريكي للعراق كان خطأً وأن المحاصصة الطائفية كانت خطيئة.


وهي كذلك إذ هي باطل لبسَ ثوب مظلومية شوٌهت حقيقتها بشكل فج من قبل اشياخ جهلة مشبوهين مشكوك بولائهم للوطن العراقي وللإنسان العراقي ( السني أو الشيعي ).


او ليست تلك هي ذات المظلومية التي كانوا هم اول المنتفعين من ثمارها الشهية؟
نعني مئات الملايين من الدولارات التي نُهبت من ثروة الشعب العراقي الذي خرج لإنتخابهم فكان مصيره القتل على الهوية، بينما هم يكنزون الملايين حتى طفحت جيوبهم وزكمت الأنوف روائح فضائحهم وسرقاتهم؟


ما الذي جدّ حتى يتنكرون اليوم للأمريكان وللمحاصصة؟
اما كان بمقدورهم أن يرفضوا التحاصص وينبهوا الأمريكان سلفا إلى أن تفريق الناس إلى طوائف، يُعد كارثةٌ سيظل الشعب العراقي يعاني منها ليس سنين بل قرون عديدة؟
أما كان بمقدورهم أن ينبهوا الأمريكان ( إن كان هؤلاء غافلين ) إلى أن مظلومية هذه الطائفة أو تلك ( أغلبية الطائفة على الأقل ) ليست مظلومية دينية في المقام الأول بل هو صراع سياسي وإجتماعي وثقافي بين أغلبية عراقية من مختلف الأعراق وأقلية دكتاتورية إنتهازية منافقة مدعومة من الأمريكان والعرب ( والإيرانيين في بعض الأحايين ).


وإذا كانت هذه الطائفة أو تلك تعرضت للظلم فليس هذا الظلم من طائفة أو عرقية أخرى منافسة، بل من النظام السياسي الدكتاتوري الذي كان لديه أتباع وأنصار من مختلف الأعراق والطوائف والملل ( بما في ذلك ناس من ذات الطائفة وهم الذين كانوا على تماس مباشر مع طائفتهم وكانوا يوجهون سياط الظلم لطائفتهم بشكل مباشر ومقابل الإمتيازات المادية الرخيصة أو السلطة، تماما كما قُتل علي والحسين والكثيرون من آل البيت المحمدي من قبل افراد من ذات طائفتهم وأنصارهم مقابل المال والسلطة والمُلك )..!


أما كان بمقدور الأخوة من زعماء السنّة والشيعة ( المنتفعين اليوم من الطبخة الطائفية والصراع الطائفي لجذب الملايين من الدولارت من خارج العراق مضافا للدولارات التي يسرقونها من الداخل العراقي ) أما كان بمقدورهم أن ينبهوا الأمريكان إلى أن فتنة الطائفية إن اشتعلت فليس من السهل إطفاءها، لأنها ستخرج من كونها شأنا عراقيا وطنيا، لتتحول إلى قضية جهادية يشترك بها الفرس والعرب والأفارقة والآسيويين ووو، بكل ما يعنيه هذا من إمدادات طائفية ووقود طائفي يأتي من اقصى بقاع الأرض ليدعم هذا العراقي ضد أخيه العراقي على خلفية التكفير الديني القائم بين اهل الإسلام من كلتا الطائفتين؟


وإن اول الخاسرون من هذه الحرب هم الأمريكان الذين لا يمكن أن يحتملوا خسائر بعشرات الآلاف بينما هم اسقطوا النظام بأكمله بدون خسائر؟
أهو تأنيب الضمير لما يفوق النصف مليون عراقي قُتلوا على يد عصابات الطوائف والغرباء ( العرب والفرس والأفغان والباكستانيين والهنود )، مضافا للبعثيين العراقيين والقومجيين العرب الذين يربطون العروبة بالتسنن بالخوف التاريخي من الفرس والغزو الفارسي...؟
أهو الخوف من الخذلان الأمريكي الوشيك للأخوة ممثلي الإسلام السياسي ( بشقيه المتحاربين الكارهين لبعضهما )، بعد ان بادروا ( هم ذواتهم ) حلفائهم الأمريكان بالخذلان المبين إذ باعوا دماء جنوده وأسراره للإيرانيين ( والقاعدة ) بلا مقابل واقعي عملي معقول، وأوصلوا السيد بوش إلى هذا الوضع البائس الذي لا يُحسد عليه؟


لا نشك أن هناك اكثر من سبب، بل ربما كل هذه الأسباب مجتمعة وأبرزها إحساسهم أن العالم جاد في مقاومة ميولهم التقسيمية الخطرة وبالذات دول المنطقة، وأن أمريكا جادة الآن في محاربة إيران وليس عليهم إلا أن يهربوا من المركب قبل غرقه.


على اية حال... يبدو أن ما قلناه وقاله الكثير من العلمانيين منذ سنين، يتأكد الآن على ألسِنة الزعماء العراقيين الطيبين ممن تصدوا لمهمة الحكم على اساس طوائفهم.
لقد ادركوا ويدركون كل يوم أن الوطنية العراقية هي وحدها السبيل للخروج من عنق الزجاجة الذي أختنقوا وخنقوا جمهور طوائفهم الكريمة فيه.


لا مناص من العودة لتلك الوطنية إذا اراد الأخوة الحاكمون اليوم أن يحكموا العراق ويوفروا العدل والسلم والأمان لطوائفهم الطيبة.

كامل السعدون

النرويج

كانون الثاني - 2007