من حق المواطن العربي أن يتساءل عن مدى جدية الولايات المتحدة الامريكية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعن تصريحات ايهود اولمرت رئيس الحكومة الاسرائيلية بأن quot; اسرائيل ترى جوانب ايجابية في مبادرة العاهل السعودي quot; الذي طرحها على قمة بيروت عام 2002 حينما كان ولياً للعهد آنذاك، وعن مدى مصداقية كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بأن أمريكا لم تطلب تعديل المبادرة العربية في قمة الرياض التي ستعقد في 28 آذار الحالي. وان الادارة الأمريكية تعمل جاهدةً لتحقيقquot; رؤية الرئيس بوش quot;في اقامة الدولة الفلسطينية هذا العام 2007. مع ان وزير خارجية مصر لمّح الى امكانية اجراء تعديلات على المبادرة اذا قامت اسرائيل بالخطوة الأولى.


لكن التجارب خلال أربعين عاماً من الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية، وتسعة عشر عاماً سبقته منذ اعلان قيام الدولة العبرية في 15 أيار 1948 أثبتت أن قادة اسرائيل المتعاقبين وبدعمٍ لامحدود من أصدقائهم في الادارات الأمريكية المتعاقبة أيضاً أنهم يجيدون فن ادارة الصراع دون أن يتقدموا خطوةً واحدة باتجاه تحقيق السلام العادل والدائم، بل انهم يزدادون عدوانية ضد الشعوب العربية وضد الوطن العربي من محيطه الى خليجه، ومع الأسف أنهم كلما ازدادوا عدوانية ازدادت الأنظمة العربية ولاءاً واستسلاماً لأمريكا، ورضوخاً لاسرائيل، وواضح أن النتائج غير المتوقعة لحرب اسرائيل على لبنان في تموز الماضي، والتي جاءت عكس ما خطط له الاسرائيليون والامريكيون، يُضاف اليها الخسائر الأمريكية في العراق أمام ضربات المقاومة العربية، قد دفع أمريكا واسرائيل الى المناورة السياسية لامتصاص الغضب العربي،من خلال ايجاد حوافز للقادة العرب بعدم اتخاذ قرارات معادية أو حتى مناقضة للمواقف الأمريكية الاسرائيلية.


ومن اللافت للانتباه هو ما صرحته وزيرة الخارجية الأمريكية في زيارتها الحالية للمنطقة بأنها جاءت من أجل quot; الحث على تنشيط المبادرة العربية quot; فهل كان تجميد المباردة منذ العام 2002 بانتظار إذنٍ أمريكي حتى ينشط العرب في تنشيطها؟ وهل التجميد كان ناتجاً عن عدم وجود إذن أمريكي؟ وهل ستتعاون أمريكا من اجل اخراج هذه المبادرة الى حيز التنفيذ؟ أم أن امريكا تريد دعماً عربياً لاحتلالها للعراق؟ هذا الاحتلال الذي جاء مخالفاً للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأم الدولي وللرأي العام العالمي، وجاء بناءًا على أكاذيب اعترف مطلقوها بعدم صحتها واعتبروا احتلالهم للعراق quot; تحريراً، وبالفعل فقد حرروا العراق من عروبته ومن أبنائه وتاريخه وحضارته ودور علمه وعلمائه، فقتلوا أكثر من سبعمائة ألف عراقي وجرحوا اكثر من مليونيّ عراقي، وشردوا أكثر من ثلث الشعب العراقي، واعتبروا حياة ثلاثة آلاف ومائتي ألف جندي أمريكي أغلى من حياة مئات آلاف العراقيين الذين قتلوا.


وعودة الى المبادرة العربية فالجوانب الايجابية التي يراها أولمرت فيها هي اقامة علاقات سياسية بين اسرائيل وبين الدول العربية، أما الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في حزيران 1967 فإن اسرائيل غير مستعدة حتى لإعلان ذلك دون تطبيقه، بل تعلن وعلى رؤوس الأشهاد وبشكل متواصل أن لا انسحاب من القدس، ولا للعودة الى حدود الرابع من حزيران 1967 ولا لتفكيك المستوطنات في التجمعات الاستيطانية الكبرى، ولا للحل الدائم، وهي مع اقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، والحدود المؤقته هي محاصرة الفلسطينيين في التجمعات السكانية من خلال كنتونات مجزئة وغير متواصلة، ولا سيادة على المعابر الحدودية، ولا على الاقتصاد، أي مجرد ادارة مدنية تساعدها على تثبيت احتلالها. ومع ذلك فإن أولمرت وبقية القادة الاسرائيليين يعتبرون ذلك quot;تنازلات مؤلمةquot;، وأن العرب مطالبون بتقديم تنازلات مقابلها، ولكي تتحقق هذه التنازلاتquot;المؤلمة: فإن العرب مطالبون بإبداء حسن النية كما قال الصحفي الأمريكي فريدمان كأن يقوم العاهل السعودي بزيارة الى القدس الشرقية يؤدي فيها الصلاة في المسجد الأقصى، ثم ينتقل الى رام الله وبعدها الى تل أبيب، وأن يلقي كلمة في الكنيست الاسرائيلي وبعد ذلك فإن quot; التنازلات الاسرائيلية المؤلمة quot; لن تتضمن حتى الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأمريكا تدعم هذا الموقف أيضاً، وحتى الأمم المتحدة وبضغط أمريكي سارت في نفس المركب الامريكي الاسرائيلي عندما رفض الأمين العام للأمم المتحدة الاجتماع مع السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني المنتخب.


والله أعلم ان كان القادة العرب يتجرؤون على اتخاذ قرار بفك الحصار الظالم الذي فرضته أمريكا واسرائيل على الشعب الفلسطيني منذ عام، واذا ما اتخذوا قراراً بفك الحصار فهل سيخرج الى حيّز التنفيذ أم سيوضع في الجوارير كقرار وزراء الخارجية العرب الذي اتخذ قبل عدة أشهر؟ وهل ستطالب القمة بسحب القوات المحتلة من العراق أم ستعتمد على حسن نوايا quot;صديقتنا أمريكاquot; التي غذّّت الطائفية المقيتة في العراق، وتسعى الى تقسيمه الى دويلات متناحرة؟


وهل ستعمل القمة على حل مشكلة دارفور ضمن الحفاظ على وحدة السودان أم سيتحرك القادة بعد تقسيم السودان؟ وهل سيعمل القادة على حل الأزمة اللبنانية بما يحفظ الدستور اللبناني ويحفظ لبنان وشعبه أم سيتركونه ساحةً للقوى الخارجية التي تُصفي حساباتها على أراضيه؟


ان تحرير الأراضي العربية المحتلة من قبل اسرائيل، وتحرير العراق من الاحتلال الأطلسي، والحفاظ على وحدة الأقطار العربية هي المطالب الملحه التي تأمل الجماهير العربية أن تحرص عليها القمة العربية.

جميل السلحوت