بعد خطوات قليلة من نزولي من الباص الذي أخذنا في جولةٍ سياحية جميلة على أهم المعالم في مدينة هيلسنكي كما سردت ذلك في الحلقة الأولى، لم أتوقف عن السير وتابعتُ ( تألقي ) في التجول ووصلتُ إلى ساحةٍ وسط مركز المدينة ضمّت أكشاكاً صغيرة متلاصقة يباع فيها كل ما يتعلق بالفن الفنلندي، كان المكان جميلاً يتّسم بالطابع الشعبي والفلكلوري ويشبه كرنفالاً مصغراً للفن والتراث والأطعمة الفنلندية المتنوعة، توقفتُ عند بائعةٍ سمراء اللون تبيع مجسمات صغيرة من النوع الذي يتم وضعها فوق الأثاث المنزلي، فقلتُ وجدتها، هذه ( صوغة ) جميلة لزوجتي من هيلسنكي، فهي مغرمة بهذه الأشياء، فناولتني البائعة أجمل ما لديها من تلك القطع وسألتني على الفور بروح رياضية: السيد من أين؟؟

أجبتها: من الكويت، استغربتُ من إنها عرفت أين تقع ( الكويت ) الصغيرة في خارطة العالم، ولكي تبدد حيرتي من أمر معرفتها السريعة بالكويت، قالت: يا سيدي تعرفتُ عليها، كونها كانت نقطة ساخنة في حرب الخليج الثالثة وكانت حديث نشرات الأخبار العالمية..

وسألتني مجدداً: هل الأوضاع عندكم الآن بخير؟؟ فقلتُ لها: بخير، وشكرتها للطفها، وقبل أن أنصرف كان هناك شيء في صدري ( يقرقع ) وكان عليَّ أن أفضفض عنه، فما كان يحيرني كونها سمراء ـ طبعاً مع تقديسي الكامل للون الأسمر وبقية الألوان ـ فيستحيل إنها فنلندية، وحتى لو كانت فنلندية المولد، فكيف لم تفلح كل هذه الثلوج والطقس البارد من إعطائها لون فتيات فنلندا..؟!

فسألتها بدوري: يبدو أنكِ لستِ من فنلندا، فقالت سريعاً وهي تطلق في وجهي نظرة رشيقة: أنا من المكسيك وأعيش هنا منذ زمن بعيد، فبادلتها ذات النظرة قائلاً لها: اللون الأسمر وسط تظاهرة البياض تعددٌ ساحر لصالح الجمال الأنثوي بصورة عامة، وغادرتها متمنّياً لها أوقاتاً سعيدة في ربوع فنلندا..

وبينما كنت أستمتع بالتجول في هذه السوق الصغيرة، توقفتُ رغماً عني وبطلب عاجل من معدتي التي كانت تتضور جوعاً عند كشكٍ صغير يبيع سمكاً مقلياً، كان السمك من النوع الصغير جداً يشبه سمك ( الزوري ) كالذي عندنا في الكويت، فقلتُ في نفسي لا بأس من تجربته وخاصةً أن شكله في الزيت كان يشي باللذة، طلبتُ على وجه السرعة طبقاً واحداً من البائع الوسيم جداً، وتمنيتُ أنه يعمل في مجال عروض الأزياء الرجالية بدلاً من بيع السمك..

وأنا أطلبُ من البائع وجبتي، فكرتُ أين سأضعها تمهيداً لتناولها بمزاج فنلندي، فالرجل لا يملك في كشكهِ سوى طاولتين لا يظهر من ملامحهما شيء على الإطلاق بسبب أكوام الثلج المتراكمة عليهما، فطلبتُ من البائع أن يسمح لي بتناول وجبتي واقفاً تحت مظلة كشكه بعد أن أوضحت له عدم تمكني من الأكل فوق طاولةٍ مدفونة تحت الثلج، أطلقَ ضحكةً عذبة قائلاً: طبعاً تستطيع أن تتناول وجبتك أينما تشاء، أنت في هيلسنكي..

للأمانة كانت وجبة السمك الصغير لذيذة جداً ولم أتذوق في حياتي سمكاً بهذه اللذة على الرغم من إننا أكثر شعوب الأرض تناولاً للأسماك..

وكان يقف بجانبي رجلٌ فنلندي كبير في السن، هو الآخر فضّل أن يتناول وجبته تحت مظلة الكشك، أحببتُ أن أفتح معه حواراً ( سمكياً ) بينما نحن نستمتع بـ ( قرمشة ) السمك الصغير، اعتذرَ مني لعدم تمكنه من التحدث بالإنجليزية، حيث كان بودي أن أقول له أن ثمة إيقاعاً بيولوجياً بيننا وبينكم وهو حبنا الأبدي للأسماك، ولكننا في الكويت لم نألف تناول هذا النوع الصغير جداً من الأسماك، ولن يلتفت إليه أحد من ( ربعنا ) بسبب التسيّد المطلق للـ ( النقرور والسبيطي والهامور والزبيدي ) على موائدنا منذ أن وجدت الكويت..

كانت متعة كبيرة أن أتناول طبق السمك في الهواء الطلق وفي درجة حرارة تقترب من الثلاثين تحت الصفر ووسط تقاطر الثلوج..

ناولتُ البائع الوسيم قيمة الوجبة ولكنه فاجأني برفضه أخذ المبلغ، أصررتُ عليه ولكنه أبدى رفضاً قاطعاً وقال لي: أنتَ ضيفنا في هيلسنكي وودعني بتحية: ( هابي نايس كرسمس )، وكان قد بقيَ على احتفالهم بالكرسمس أسبوعان حسب ما أتذكر..

بعد تلك الوجبة السمكية اللذيذة رحتُ أبحثُ عن مقهى هاديء طلباً للدفء والراحة والمشروب الساخن، اهتديتُ في طريقي لمقهى صغير، دخلته متخذاً طاولة قرب النافذة الكبيرة لكي أستمتع بمشاهدة مهرجان الثلج في الخارج وهو يمارس إبداعاته في أبجدية البياض..

طلبتُ من النادلة الشابة ( كابتشينو ) وكانت فرصة مناسبة لكي أتحرر قليلاً من معطفي وذاك الشيء الذي يلف عنقي وقفازتيَّ الجلديتين، ولو كان بإمكاني لتحررت أيضاً من حذائي وجواربي لأتفقد قدميَّ اللتين كانتا تمرحان طويلاً في الثلج، كان ثمة أفراد قلائل في المقهى، فمنهم مَن كان يتصفح مجلة وآخر يقرأ كتاباً واثنان كان يبدو عليهما إنهما يتفقان على أين سيقضيان ( الويك إند )، واثنان على طاولة خلفي يتهامسان ويضحكان ويخططان لغد أجمل، هكذا تخيّلتهم بحكم طبيعة المجتمع الأوروبي الذي اعتاد على الاستمتاع بلحظات يومه بعيداً عن النكد والغم وتتبّع أخبار السياسة وترديد شعارات ( المجاهدين والمناضلين ) واقتفاء إرشادات ( السلف الصالح )..

شكرتُ في داخلي شركة الإتصالات الكويتية لأنها جعلتني على إتصال دائم بالعالم، حيث كان هاتفي المحمول مشحوناً بخدمة الشبكة التلقائية أينما ذهبت، أدرت الهاتف على رقم منزلي فكانت زوجتي على الخط، أبلغتها تحياتي الفنلندية الثلجية وروعة السمك الهيلسنكي ووسامة بائعي السمك ولطف الفتيات الفنلنديات وحماسة الرجل الكندي وثرثرة المرشدة السياحية ومرح الأطفال الفنلنديين في روضتهم..

لم يبقَ على موعد الإبحار إلى ( ستوكهولم ) في رحلة العودة سوى ثلاث ساعات، خرجتُ من المقهى بعد أن أحكمتُ جيداً إغلاق كافة الاستحكامات الدفاعية التي تلف جسدي للتصدي لضربات البرد الشديد، وتساءلتُ مع نفسي هل كان الأوروبيون يرتدون الثياب الثقيلة طوال الوقت قبل أن يخترعوا وسائل التدفئة الحديثة؟؟!!

كانت المسافة التي يجب أن أقطعها بين المقهى والميناء حيث ترسو الباخرة العملاقة ليست بالقصيرة بالنسبة لي على الأقل، لأنه كان عليَّ أن أمشي طوال تلك المسافة وقدمايَ تغوصان في الثلوج إلى مسافة عشرين أو ثلاثين سنتمتر، فكرتُ أن أستقل إحدى سيارات الأجرة ولكني تذكرتُ فجأةً حماسة الرجل الكندي، مستلهماً منه روح المغامرة والإقدام فعقدتُ العزم على الإبحار وسط الثلوج ملوّحاً بقول الشاعر: أنا الغريق فما خوفي من البلل ِ، وطلبتُ من السماء، أن تكون الثلوج معي أليفة ودافئة، ولا أدري لماذا تذكرتُ في تلك اللحظة، حادثة حصلت لي قبل أكثر من عشرين عاماً، هي على النقيض تماماً من حالتي هذه، يوم كنتُ على جبل ( عرفة ) في موسم الحج وكان الحر شديداً لا يُطاق، يسد علينا عبور أية نسمة هواء منعشة، اقتربَ مني أحد أصدقائي حينما وجدني متسربلاً بهالةٍ ( عرفانية ) نادرة، لم يعتد أن رآني هكذا من قبل، فسألني: يا محمود ما هي أمنيتك من الله في هذه اللحظة النورانية؟!! فقلتُ له سريعاً: أن يُنهيَ الله علينا سريعاً حرَّ هذا اليوم القائظ بخير..

صادفتُ في طريقي الثلجي مجمعاً تجارياً صغيراً وكان على الطراز الأوروبي القديم جداً، يشبه كوخاً تراثياً، يداعبُ في لقطةٍ آسرة صفاء اللون الأبيض، كان المجمّع يحوي بضعة محلات متخصصة في بيع الأطعمة والأغذية الفنلندية المتنوعة، فقلتُ أثانيةً طعام ُ..!! كان الهدوء يهيمن على المكان، هيمنة تامة وكأنه يتناغم بلغةٍ ساحرية مع مهابة البوح الثلجي، ولفتَ نظري في تجولي السريع أن مَن يتولى أمور البيع في تلك المحلات نساء، بينما الرجال لا يزيدون على اثنين أو ثلاثة، وكن يستقبلن الزبائن بابتسامة رقيقة وروح خلابة، ولكني لم أفهم لماذا محلات الأجبان بكافة أشكالها وأنواعها تتولى البيع فيها نساء بدينات، وفكرتُ أن الاستفسار عن هذا الأمر يعتبر تدخلاً سافراً في خصوصية الفرد الأوروبي..

خرجتُ من المجمّع الصغير مصحوباً ببعض المعلومات العامة عن الأطعمة الفنلندية واستأنفت السير إلى الباخرة وحينما وصلتها، كنتُ أحمل معي في ثيابي ما يعادل حمولة عربة صغيرة من الثلج المتناثر، وكان في رأسي شيء واحد وأنا أدخل الباخرة، أن أسأل صديقي الكندي حين ألتقيه: عن سر العلاقة بين الأجبان والبائعات البدينات..

انتهى...

محمود كرم

كاتب كويتي

[email protected]

يوم في هلسنكي 1