يستند هذا المقال الي فكرة اساسية مؤداها ان هيمنة ديناميكية تراجع استناري تحديثي علي ( تطور ) المجتمع السوداني هي منبع الازمات المتلاحقة التي تكاد تودي بكيان البلاد. وبالنظر الي اوجه التشابه بين السودان وبقية اقطار المنطقة الحضارية- الثقافية العربيه فأن النتائج التي تتوصل البها المقالة قد تساهم في اضاءة الاوضاع في هذه الاقطار ايضا.


تاريخيا المصدر الاساسي للاستنارة، معرفة بسيادة العقلانيه والنظر التجريبي وقابلية الانفتاح علي العالم المتقدم، كان الوجه الاخر للعلاقة الكولونياليه ( 1898 -1956) بتأسيس نمط حديث من التعليم ومؤسسات ادارة الدوله والاقتصاد. علي يد النظام الانقلابي العسكري الثاني ( 1969 ndash; 1985 ) بأجندته الاكثر راديكالية مقارنا بأنقلاب الجنرالات السابق له( 58-64 )، كان العقل السوداني المتعلم خصوصا والحضري عموما قد قطع شوطا علي طريق تفريغه من بقايا الاستنارة التي تركها الاستعمار ( البغيض ) في المؤسسة التعليمية، ومن ماتفرع عنها في مختلف مناحي الحياه بجهد النهضويين السودانيين الاوائل واستمرت نارها متقدة زهاء ثلاثين عاما تقريبا بعد الاستقلال. كذلك فأن اسلوب حياة سكان المدن المتفتح للحداثه بأستناده الي هذا النوع الايجابي من التفاعل البريطاني- السوداني والي حد معقول من خدمات الصحة والتعليم والسكن والمواصلات الخ.. الخ..، كان قد قطع شوطا علي طريق الانغلاق تحت وطأة التدهور السريع لحال الطبقة الوسطي وتعاظم وزن الطبقات الشعبيه بنازحي المجاعه والحروب الاهليه الصغيرة والكبيره. ومازاد التفريغ تفريغا والانغلاق انغلاقا انهما حدثا في قمقم يزداد احكاما والبلاد تترنح من دكتاتورية الي اخري ( اكثر من ثلاثة ارباع العهد الاستقلالي ).


الضحية الاخطر علي المجتمع لهذا الوضع والابعد اثرا علي مستقبله كان الاسلام المتفتح علي العصر والحياه المتطوره الذي ولد مع بداية النهضه الحديثة في مصر علي يد محمد عبده والافغاني وتلاميذهما بامتدادتها الي المراكز الحضرية السودانيه منذ الربع الاول للقرن الماضي. بموته عاد الي الحياه في عقلية النخب المدينية اسلام النصوص الجامده والحرفيه الذي وصلت تطبيقاته علي يد التحالف بين النظام الانقلابي والحركةالاسلاميه في الاقتصاد والقانون واجواؤه الارهابية منذ عام 1983، حد تكفير المسلمين وقتلهم فعلا لاقولا فقط ( شنق المفكر الاسلامي محمود محمد طه عام 1984 ). هذا هو المناخ الذي تغذت منه وغذته الحركة الاسلامية بقيادة حسن الترابي رغم بداياتها التجديديه : استسلام العقل الجماعي السوداني الحضري لهذا النوع من الاسلام قناعة وخوفا من عقاب الدنيا والاخره او الاثنين معا. انطمس مجتمع الحواضر عقليا وشعوريا، ناهيك عن الريف، فتحجب نسائيا والتحي وتجلبب رجاليا شكلا وموضوعا واصبح قابلا للتحريك او الترهيب بأصبع واحد مرفوع ترافقه صيحة quot; الله اكبر quot;. تراجعت تيارات التنوير الديني والفكري والاجتماعي والسياسي الي الهامش حيث قبعنا نحن العلمانيين واليساريين نتفنن شفاهة وكتابة في وصف ماجناه اسلام الترابي وحوارييه سلطة ومعارضة علي البلاد والعباد حتي اصبح من فرط تكراره وعجزه عن تشخيص المخرج من قبضته علي العقول والافهام ضربا من الهجاء الذي لاطائل منه. والسؤال في هذا المقام هو : هل من سبيل اخر لايقاف هذا التراجع تمهيدا لرده غير التركيز مرحليا علي مهمة واحدة ووحيده هي ازالة الركام المتحجر علي المنبع الاولي والاول للتنوير تاريخيا وهو المؤسسة التعليميه، فلسفة مناهج ثم بنية تحتية ركيزتها المعلم؟ اذا كانت الاجابة بنعم فأن اي ثمن سياسي ندفعه مهم كان غاليا يغدو ارخص من رخيص. في ظل الاختلال الحاسم والمزمن للتوازن السياسي لمصلحة قوي الاظلام العقلي في السلطة والشارع والسوق الثمن سيكون تنازلات سياسية للحكومة القائمه مقابل فك قبضتها علي المنظومة التعليميه. وعلي الصعيد الخارجي سيكون الثمن تحالفا ثقافيا- سياسيا مع الغرب الامريكي والاوروبي.


العلم والعقلانيه، جوهر مايطلق عليه عصر النهضة او التنوير الاوروبي، كانا قد وجدا طريقهما الي البيئة الحضارية المحليه مع الجيل الاول للنخبة السودانيه : الكتلة التاريخية قاطرة التقدم في العالم الثالث خلاصة التعليم الحديث والمهن العصريه والتفاعل الايجابي مع الحضارات الحيه. وبصرف النظر عن الاسباب التي جعلت اوروبا الغربية مهدا للحراك الفلسفي ndash; الفكري والصناعي والعلمي، فأن قدرة بلد مثل السودان علي انتاج عصر نهضته او استنارته الخاص كانت مرتبطة حكما بقدرته علي التفاعل مع هذه التجربة التاريخية.
غير اننا نجد في سيرة الزعيم الازهري، الرمز الابرز لنخبة حركة الاستقلال الوطني واول رئيس للوزراء، مايدل علي بداية مسيرة التراجع عن ماتحقق في هذا الخصوص عندما قام عام 64 بفصل قيادات جناح الاستنارة السياسيه في حزب الحركة الوطنية الرئيسي مفتتحا بذلك عملية طمس اول واهم مشروع للليبرالية السودانيه. هنا كان الانحياز الي التقليديه اشارة الي ان التفاعل مع التجربة الغربيه لم يستمر ولم يؤت اكله.

فالازهري لم يكن يتصرف مزاجيا بل متأثرا بواقع موضوعي هو هشاشة القاعدة الاجتماعية للنخبه وضعف حصيلتها من العناصر الثلاثة المكونة لها متضافرا مع فشل التجربة الديموقراطية الاولي ( نظام الانقلاب الاول 58 -64 ) الذي كان بمثابة انسداد لقناة التغذية الاستنارية التعويضيه لكونه الوسيلة الوحيدة لتراكم خبرات الابداع الجماعي والفردي. مع تكرار هذا الانسداد في انقلابي النميري ( 69- 85 ) والاسلاميين البشير- الترابي ( 89 -....) بعد ذلك تخلقت تدريجيا ثلاث عوامل اساسية اخري هي : انهيار نوعية التعليم مع توسعه كميا، انكماش حجم الطبقة الوسطي ووزنها القيادي ثم الهجرة الريفية الكثيفة للمدن نتيجة الانهيار الاقتصادي المعيشي. تفاعل هذه العوامل الثلاثه ادي الي التبديد شبه الكامل للخميرة الاستنارية بمكوناتها السياسية والثقافية واسلوب الحياة المديني الحضري بصورة عامه. النخبة السودانية، التي لم تعد تستحق هذه الصفه الان الا مجازا، تعطل دورها التطويري للمجتمع نتيجة استنزاف وقودها الاستناري ودخل السودان بذلك في دوامة الازمات التي تلد كل واحدة منها اخري اعقد منها. واوضح الادلة علي موت النخبه ان النداءات الصادرة عن احزاب حديثه مثل الامه والشيوعي للجهاد المدني والاعتصامات وغيرها تذهب ادراج الرياح، بينما تبلغ الاستجابة لنداءات الحركات الجهوية- الاثنية التي بزعت مؤخرا نتيجة فشل دولة الاستقلال الوطني، وتلك القائمة علي فهم تقليدي للدين، حد الاستعداد للتضيحة بلا حدود.


تحت ضغوط الازمات المتداخلة والمتلاحقه توشك هياكل البقاء السوداني المجرد علي التداعي اذ يتهيأ الجنوب للانفصال وتتنامي الميول الانفصالية في دارفور وغيرها بحيث اصبحت ضرورة احداث اختراق يوقف دوران هذه الحلقة المفرغة قضية حياة او موت وطن. وهذا غير ممكن دون صياغة استراتجية تنطلق من الحقيقة التي اضحي تجاهلها خداعا للنفس وهي ان المجتمع السوداني لم يعد قادرا علي توليد القوي والعقليات اللازمة لكسر هذه الحلقة مما يتطلب بدوره التفكير في المحرمات : التحالف الثقافي- السياسي مع الغرب الاوروبي والامريكي كرافعة خارجيه. اما الرافعة الداخليه فهي التعامل مع النخب الاسلامية كمصدر لتوليد استناري بحثا عن الدواء في الداء. ومن التأثير المشترك لفعل هاتين الرافعتين ستتولد الدفعة الاولي اللازمة لاطلاق الديناميكية النهضوية الاستنارية الذاتيه التي ستحقق، ضمن اشياء اخري، تعديل ميزان العلاقة مع الغرب لصالح العطاء والاخذ بدلا عن الاخذ فقط.


الرافعة الاولي : ( التحالف ) مع الغرب
يتعمد كاتب المقال استخدام مصطلح التحالف في هذا الخصوص وان كان بمعني مختلف عن معناه المتداول في السجالات السياسيه، للتأكيد علي ان الشرط الاول لانجاز المهمة المصيرية المطروحة هو الشجاعة الادبيه اللازمة للقطع النهائي مع نمط التفكير الشمولي الذي تكون فيه كيساري بعثي وكذلك لمقاومة أي ميل لاشعوري للعودة اليه انجذابا لدفء الوثوقيات الفكريه والصداقات الشخصيه او تحت ضغط اتهامات العماله والاستسلام للغرب التي يفيض بها خطاب الاسلامويين والقومويين. ضرورة استخدام مصطلح ( تحالف ) تعود ايضا الي حاجتنا للاعتراف الصريح دون لجلجة او تحفظات بحاجتنا الماسة الي الغرب وبالتحديد لتقليد تجربته الديموقراطية من بين المكونات العديده لارثه الحضاري. هناك حجتان يمكن ايرادهما لتبرير ذلك وهما انه لاتعارض بين القيم والاحتياجات الانسانية الاساسيه، وان الحضارة الغربيه هي نتاج جهد بشري مشترك، ولكن استخدام مصطلح ( تحالف ) هنا يفيد في التأكيد علي انه فيما يخص السودان فأن الحجة القاطعه هي حاجتنا المصيرية لاستنبات التقاليد والثقافة الديموقراطيتين في التربة المحليه كترياق لاترياق غيره ضد التشرذم والانفجار الوشيكين، حتي في انعدام هذين المبررين. فالتحالف المقصود، اذن، تحالف ثقافي. غير ان هذا النوع من العلاقة لابد له من هامش سياسي بما في ذلك سياسي رسمي. يعني ذلك بالعربي الفصيح ان الاولوية في علاقتنا مع الحكومات الغربيه، ولاسيما اوروبا وامريكا هي لما يخدم الهدف الانقاذي وطنيا بالذات في حقول التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا وليس الصراع حول قضايانا السودانية والعربية المشروعة معها. نحاول تحقيق التوازن بين الاثنين اما الصراع، اذا اضطررنا اليه، فسيأتي اوانه عندما نصبح علي قدر مسئوليته، اي بقدر مايترسخ النظام الديموقراطي لدينا. النموذج الذي يصلح للاقتداء هنا هو الحركة الاسلامية التركية التي تقبل وتطبق المعايير الغربية لبناء المجتمع الحديث وتحقق في الوقت نفسه وقوفا فعالا بوجه امريكا عندما طلبت السماح لجيشها دخول العراق عبر تركيا ودون ان تخسر علاقاتها معها علما بأن امريكا تدعم طلب تركيا الانضمام الي الاتحاد الاروبي بعكس فرنسا.


طبيعة الانظمة السياسيه الديموقراطيه غربية كانت او غير غربيه تجعل اختلاف طرف خارجي مع سياساتها الرسمية في موقف او اخر امرا عاديا لايقلل من درجة التزامها بأي اتفاقيات او توافقات معها، لانه امتداد للممارسات اليومية سواء بين الاطراف المختلفه داخليا او مع تلك المنتمية الي نفس الدائرة الحضارية والتاريخية كما هو الحال بين اوروبا وامريكا. لاينفي ذلك حقيقة ان قدرة الطرف الاضعف في العلاقه مع هذا النوع من الانظمه علي ممارسة الاختلاف الذي تتيحه طبيعتها يبقي محدودا ولكن هناك سبيلان مفتوحان للتعويض عن هذا الضعف هما تنامي قدرة الطرف الاضعف بمرور الوقت مستفيدا من العلاقة ( التحالفية ) نفسها والاليات التي تتوفر عليها هذه الانظمه مثل تداول السلطه بما يجعل معارضة اليوم حكومة الغد.
كذلك لاتنفي امكانية ممارسة الخلاف مع الانظمة الغربيه امكانية نشوء جيوب عمالة وارتزاق لدي الطرف الاضعف في هذا النوع من ( التحالف ) ولكنها اقل ورودا فيه بالمقارنة لعلاقة مشابهة مع الانظمة الشموليه، ومعظمها الان عربية واسلاميه، لانعدام حرية حركته فيها وكذلك امكانية التعويض العاجل والاجل. كما ان انعدام الشفافيه في تركيبة واسلوب عمل الاحزاب الشمولية يجعلها اكثر قابلية للاختراق المخابراتي الغربي الخطير المدي لصعوبة اكتشافه بالمقارنة لتلك المتوجهة لاعادة تأسيس نفسها ديموقراطيا.

الرافعة الداخليه : بحيرة الاستنارة تحت صحراء الاسلاميين
كما هو الحال مع اقتراح ( التحالف ) مع الغرب كرافعة خارجيه فأن فكرة التنقيب عن مكامن الاستناره في اوساط الاسلاميين كرافعة داخليه تبدو غريبه للوهلة الاولي بل ومنفرة للمجال اليساري الذي ينتمي اليه كاتب المقال، الا ان ادعاء المقال هو ان هناك مايسوغها فضلا عن كونها الشق الاخر للمخرج الوحيد من المأزق التاريخي.
ابان المد اليساري لبضعة عقود خلال القرن الماضي كنا عندما نستخدم صفة التنوير/ الاستناره مقرونة بالاسلاميين نشير لافراد منهم نعتبرهم كذلك بمقياسنا وهو التقدميه، غير مدركين اننا ابناء عمومة الاسلاميين في قبيلة الشموليين. ركيزتا التقدمية كانتا التحرر من الاستعمار الغربي ومن الاستغلال الاجتماعي معزولتين عن تحرير عقل الانسان وارادته بالديموقراطيه مما ساهم في تهيئة عقلية النخب السودانيه للتجاوب مع الشمولية الدينية عندما برزت عيوب نماذجنا النظرية والتطبيقيه قوميا وماركسيا. وبينما نحمل نحن اليساريين الجدد الي حركة تغيير ( مابعد- الاشتراكيه والرأسماليه ) ايجابيات تجربتنا المتمثلة في التركيز علي مصالح الطبقات الشعبيه وادواتنا النقدية الفاعلة للرأسمالية فأن اثمن ما نحمله حقا هو انحيازنا المستجد والراسخ للعقلانية والاستناره متمثلا في استعدادنا الدائم لمراجعة تجربتنا نقديا. ومن ذلك تعريف القوي المحركة للتغيير بغير المنبت الطبقي سواء كأنتماء او وعي به وانما بالتكوين الذهني الشعوري الملائم للتجاوب مع متطلبات تحديث المجتمع، بعبارة اخري النخب المستنيره بالتعليم الراقي والمهن العصريه والتفاعل مع العالم المتطور. من البديهي، بناء علي هذا التعريف، كون المجال الارحب لنشوء النخب المستنيرة في سودان اليوم هو اوساط أهل السلطة والثروه ومشايعيهم والدائرين في فلكهم العقائدي بما فيهم المختلفين معهم سياسيا وفقهيا، أي الاسلاميين عموما، ومن هنا جاءت فكرة البحث عن الرافعة الداخليه فيها. لقد ترافق النمو السياسي السريع للحركة الاسلامية منذ اواخر الستينيات مع اهتمام مركز بالمجال الاقتصادي بحيث افلحت في خلخلة تركيبته القديمة لمصلحتها وهي ظواهر تعمقت مع استلامها الانقلابي للسلطة منذ عام 89 مترافقة ايضا مع تخليها عن ميولها التجديديه واكتمال طابعها الشمولي فكرا وتطبيقا. من هنا فأن جيلين علي الاقل من السودانيين يشكل الشباب اغلبيتهما، متأثرون سياسيا-فكريا و/او سلوكيا بتأويلات تقليدية للدين بمعني حرفيتها التي تننتج عنها مفاهيم مثل الحدود والربا الخ.. الخ... ويشكلون اغلبية ساحقة نخبويا وشعبيا. مع ذلك فأن الشريحة التي تتوفر فيها المقومات الاولية الخام المكونه للبنية التحتية اللازمة لنمو وتسيد العقلية والسلوكيات الاستناريه في عصر العولمة وثورة الاتصالات، موجودة اساسا في هذين الجيلين، كما توضح محاولة حصر هذه المقومات : التعليم الجيد خاصة اللغات الاجنبيه والعلوم الحديثه مثل الحاسوب والاتصالات والمهن المرتبطة بها اضافة لمهن قطاعات استراتيجيه مثل النفط ثم الحد المعقول من شروط الحياة الماديه صحة وسكنا ومواصلات وترفيها مما يسمح بالانشغال بغير امور الحياة اليوميه. اما الركن الثالث فهو الاحتكاك المباشر وغير المباشر بالغرب الاوروبي- الامريكي بتكوينه الحضري المتمدن من احترام قوانين المرور الي الاستخدام المنتج للوقت وكونه اهم مجالات التقدم العلمي والفلسفي- الفكري، وايضا الاخلاقي بشهادة الشيخ محمد عبده الذي وجد فيه اسلاما بغير مسلمين وبشهادة دساتيرنا التي تتضمن الان مواثيق حقوق الانسان الغربية المنبع.


معني ذلك ان دافع البحث عن الرافعة الاستنارية في هذا الوسط ( غير المستنير ) اضطراري لان الوسط الاخر ( غير الاسلامي ) اقلية ضئيلة عدديا ونوعيا. الاخير لايحتاج لبرهان لان مؤشراته هي المقاييس الاولية والخام للاستناره المذكورة سابقا وهذه لاتوجد بقدر ملموس الا حيث توجد الثروه والسلطه. اما الوزن العددي فأن القراءة الامينة لنتائج انتخابات جامعة الخرطوم، الجامعة السودانية الام، خلال ابريل / نيسان 2007 تبرهن عليه. وحده الركون للاوهام بتفسيرات مثل اغرءات السلطة وتدخلاتها، وكأن النفور الطلابي الغريزي منها لايحيد اثر هذا العامل، يسمح بالاستناد علي فوز تحالف احد عشر تنظيما علي طلاب حزب المؤتمر الوطني الحاكم في جامعة الخرطوم للقول بأغلبية ولو ضئيله لغير الاسلاميين وهذا حتي قبل ان تتضح هشاشة هذا التحالف وتبادل مكوناته اتهامات الخيانه.


علي ان هناك دوافع ايجابية ايضا للبحث المعني اهمها التصدعات التي لحقت يالمكون الاكبر في الصف ( الاسلامي ) وهو الحزب الحاكم تحت أسم المؤتمر الوطني بعد الخلاف مع القسم الاخر الذي يقوده الترابي، نتيجة فشل التجربة التطبيقيه رغم الظروف المواتية حتي الان التي جعلت منه ككل اغلبية نوعيا وعدديا. هذا يجعل سواد المؤيدين للتجربه عرضة للتشكك فيها يتطور لدي بعضهم الي شكوك حول الاساسيات الفكرية لتيار الاسلام السياسي التقليدي ويجعلهم بالتالي اكثر انفتاحا تجاه العقلانية والاستناره. تدفع في هذا الاتجاه ايضا حقيقة ان تجربة الاسلاميين الوحيدة الناجحه هي التجربة التركيه التي تقدم دليلا قاطعا علي ايجابيات مثل هذا الانفتاح.


من الادلة الملموسة التي يستند اليها زعم هذا المقال بوجود مستودع مياه استنارية جوفيه في قلب صحراء الاسلاميين التقليديين بتأثير العوامل المذكورة وغيرها، الارتفاع المضطرد لعدد المفكرين والكتاب الممثلين لهذا التيار التجديدي الديموقراطي مثل عبد الوهاب الافندي والطيب زين العابدين والتجاني عبد القادر. امثال هؤلاء اذ يسهمون بذلك في تعميق واثراء المستودع بوزنهم الاستثنائي في الحركة الاسلاميه السودانية لاشك يستمدون من احساسهم أو معرفتهم بالقوة النسبية لهذا التيار مايشجعهم علي ريادته.


واخيرا وليس اخرا فأن تعفن الاسلام السياسي التقليدي بلغ خلال السنوات الاخيره درجة جعلته معمل تفريخ لاكثر الافعال وحشية واخرها فيديو عرض مؤخرا لطفل افغاني في الثانية عشره يذبح رجلا باكستانيا وسط تشجيع وارشاد من مجموعة من رجال حركة طالبان. ومما لاشك فيه ان هذا الوضع يشكل حافزا اضافيا استثنائي القوة لدي المنتمين الي هذا التوجه لاعادة النظر فيه مما يضيف عنصرا اخر يرجح صحة الاطروحة التي يقوم عليها هذا المقال.

عبد العزيز حسين الصاوي

كاتب سوداني
[email protected]