ايها السيد
لا ثقة عندي انك ستقرأ هذا الكتاب. لكنني منذ زمن بعيد، يا سيد، اشعر انني اكتب للأشجار الكبيرة والريح. ثم من أنا لأخاطبك رجلاً لرجل، وانت ما انت في هذه اللحظة. لكنني مع ذلك، ولهذا السبب، اجرؤ على مخاطبتك، لأنني منذ ان صرت حبيس بيتي وعائلتي، ما عدت املك غير الكتابة وسيلة تشعرني ان الحياة ما زالت ضاجة وصاخبة خارج نافذتي. وان الشمس ستظل تشرق على الناس الطيبين.


كلي ثقة انك تستطيع ان تعرف انني لا اخاطبك من معراب، ولا من قريطم او كليمنصو. فأنا منذ ان تقطعت سبلي في مقاومة اسرائيل بت حبيس بيتي بالمعنى الذي يكون عليه الحبيس. اعمل لأتقوت وحين اخرج فلأتنفس، لكنني اصرف جل وقتي في غرفتي وحيداً وغريباً. ويشهد الله انني لم اسع، كغيري ممن تعرفهم جيداً، لاستغلال ارثي الشخصي في المقاومة من اجل مكاسب هنا او هناك. وانني يوم خرجت من سجن عتليت، في فلسطين المحتلة، بكيت كثيراً، وخفت، ليس على نفسي، بل على ما حل بنا. إذ ما أن عبرت بنا سيارات الصليب الأحمر الدولي من الأرض اللبنانية المحتلة إلى الأرض اللبنانية المحررة، وانا يا سيد كنت مساهماً اساسياً في تحريرها، حتى اطبق علينا المسلحون الذين اوقفونا وفتشونا وشتمونا ثم اختلفوا في ما بينهم واطلقوا النار على بعضهم بعضاً، ولم يكن ذلك ترحيباً بنا بطبيعة الحال. لكنني ورغم دموية الاستقبال لم يأخذني الإحباط ولا خاب فيّ الأمل.
انا يا سيد، تقر عيني حين ارى هذا الحشد من الناس يجتمعون لسماع خطبتك. تقر عيني، لأن بعض هذا الجمهور، كان في ما مضى من زمن، يقيم لنا الحواجز ويبني المعتقلات، لأننا كنا نقاتل العدو الذي يحتل ارضنا. تقر عيني، لأن هذه المقاومة التي انت على رأسها استطاعت ان تحول هذا الجمهور جمهور مقاومة. ولو اردت محاصصتك على الأمتار، لقلت ان المقاومة التي انتسبت انا إليها، كانت يوم بدأناها مرذولة وملاحقة في بيروت الجنوب على حد سواء. وبأعداد قليلة وامكانات اقل استطاعت ان تحقق انجازاً لم يسبق له مثيل ايضاً. لقد حررت تلك القلة بيروت والجبل والبقاع الغربي ومعظم الجنوب، وحين انتصرت، لم يسمح لها بالاحتفال بنصرها. وما كنا نريد الاحتفال. ذلك ان النصر لا يتحقق بسبب بطولة المقاومين، بل بسبب قناعة الأهل والناس والمواطنين ببطولاتهم. وبكلام آخر، وما دام الحديث عن النصر مفتوحاً على مصراعيه. اقول: لم نحتفل بنصرنا يومذاك، لأننا لم ننتصر حقاً. لا شك ان الجيش الإسرائيلي انسحب تحت وطأة ضربات هذه القلة القليلة، وعلى وقع صلابة من تسميه شيخ الشهداء، راغب حرب، وانا لا اعترض على التسمية، لكنني يومها كنت اعتبره، حياً وميتاً في ما بعد، قناعنا نحن المقاومين الملاحقين، الذي نخفي به وجوهنا عن العدو. في النبطية بعد عاشوراء الدامية، تمشينا ثلة من المقاومين المطلوبين جداً جداً والغرباء عن المدينة جداً جداً، إذ لم نكن من اهلها، تحت الشمس الساطعة، وفي الهواء الطلق. كان راغب حرب قناعنا.


هزمنا العدو يا سيد، لكننا لم ننتصر يومها. ذلك ان الانتصار يكون انتصار البلد لا انتصار المقاومين. وحين يكون البلد في واد والمقاومة في واد آخر، قد نهزم العدو لكننا لن ننتصر. هزمنا العدو يا سيد ودحرناه، لكننا هُزمنا ايضاً، لأن البلد لم يتقبل انتصارنا، ولم يرض ان نشاركه احتفالاته. هُزمنا لأننا كنا نقاتل المحتل، وكان ثمة من يقاتلنا في الداخل ويلاحقنا، وكان ثمة ايضاً من يريد السلام بأي ثمن، فكنا نحن هذا الأي. الثمن الذي يمكن دفعه من دون ان يتأثر احد. وإذا اردنا الانتقال إلى الصعيد السياسي المباشر، التمس منك العذر لأقول: هزمنا، لأننا رفعنا شعاراً سياسياً وقاتلنا تحت راية سياسية لم تستطع ان تفرض منطقها على البلد او حتى على شطر منه. كان البلد يعيش حروبه الأهلية العابثة، وكنا نردد: وجهة السلاح جنوباً جنوباً. وما ان تحرر معظم الجنوب حتى دخل كسائر المناطق في حروبه العبثية التي تذكرها، من دون شك، واذكرها انا ايضاً لأنها تركت آثارها في جلدي. لا يكفي ان ندحر العدو لننتصر. علينا ان ننتصر في البلد. وانت تعرف جيداً معنى ان تنتصر في البلد. فالانتصار في البلد لا يكون، طبعاً بإخضاعه او ترهيبه. انت الذي من دون شك يكبر قلبك وتقر عينك حين ترى الحشود المؤيدة للمقاومة، تعرف جيداً ان المقاوم الذي ينتصر ولا يجد من يقول له صادقاً: عافاك الله، يعرف انه مهزوم. المقاوم لا يريد ان يحتفى به رغبة في تحقيق مجد او اعلاء كعب، بل لأنه يريد ان يشعر انه كان يبذل ويقدم في المكان الصح، لا في الجهة الخطأ.


انا ايضاً تقر عيني، يا سيد حين ارى الحشود. وادرك حجم الانجاز، ليس لأنني مقتنع ان اسلحة حزب الله اقوى من اسلحة اسرائيل وافتك. بل لأنني ارى حشداً واسعاً يعتبر ما جرى انجازاً. لكنه كما تعلم يا سيد، ومهما صغرنا من حجم الحشد المقابل، هو حشد ناقص. الا يؤلمك مثلي ان يشعر الكثيرون من اللبنانيين بالخوف من حزب الله المقاوم؟ هل هم مخطئون؟ ولو كنت مكاني في اواخر شباط 1985، هل كنت لتتهم الناس الذين انفضوا من حولنا وعاملونا كمرضى البرص بالخيانة والعمالة؟ ام كنت لتنام على الجرح كذئب في فلاة؟ إنه شعبنا، شئنا ام ابينا، ولن يذهب إلى اميركا ولا فرنسا، ولا اي مكان. شعبنا الذي قاتلنا لاجل عزته وكرامته. والشعوب يا سيد لا توصم بالعمالة ولا تتصف بالخيانة.


في وسعك ان تقول ان الآخرين لم يأتوا إلينا. لكن هذا مثلما تعلم خطاب ناقص، هذا على ما تقول، على سبيل المحاججة، وينجح في ندوة تلفزيونية من الندوات التي لا تطحن قمحاً ولا تقطع حطباً. وفي وسعك ان تحاجج بالقول ان الآخرين هم من يصم المقاومة بالعمالة، ولك كل الحق. لكن ذلك لا يعفي المقاومة من ضرورة تمتين الأواصر ما جهدت وما عملت، لئلا يصير الدم ماءً.


وليكن السؤال اوضح. لماذا لا يستطيع من كان مثلي ان يذهب مذهبك اليوم؟ وفي وسعك ان تجيب ان شطراً كبيراً من الأفراد والجهات السياسية يوالي اليوم حزب الله ويدعمه. لكنني اعرف، ويعرف معي كل الناس طراً، ان هؤلاء، افراداً واحزاباً، ليسوا سوى متقاعدي النضال والأحزاب. وان حزباً متقاعداً لا يستطيع إن يساهم في الإنجاز، وإن كان يمكن ان يؤدي دوراً في حفلات الشتائم المتلفزة التي تتحفنا بها التلفزيونات يومياً، لكنه حين يجد الجد يصبح ثقلاً على الجسم ينبغي التخفف منه. ثم من ذا الذي يحق له ان يحيل احداً إلى التقاعد ولما يبلغ سنها بعد؟

بلال خبيز