الحلقة الثانية والأخيرة

وصف معروف الرصافي وضع العراق وحاكميه في العهد الملكي :
من أين يرجى للعراق تقدم وسبيل محتكميه غير سبيله؟
الرأي عند ضعيفه والسيف عند جبانه والمال عند بخيله !

ترى هل كان الرصافي يصف حال العراق اليوم أيضاً؟ هل العراق صار أسوء بعد ثمانين عاماً من صياغة هذه الأبيات الرهيفة القاطعة؟ في الأقل لم ُيقتل الرصافي على بلاغته المفحمة، بل كان بعض الحكام ممن يشتمهم كل يوم، يفتش عن أية طريقة لمساعدته أو الإبقاء على وكالته للعيش في إباء من بيع السجائر في الفلوجة!

ما زال كثيرون، في العراق اليوم يعتقدون أن مواقع القيادات الوطنية أو العامة هي فقط مناصب كبيرة، وهي دائماً شاغرة، وهي في انتظارهم، هم لا غيرهم، وإن القيادة هي مجرد رغبة شخصية وطموح خاص، وبداية مالية استثمارية. غير مدركين أنها مشروع عمل وبناء أولاً، وإنها طريق طويل من الموهبة والمعاناة والأهداف الطيبة والمعرفة ومواصلة التعلم والشعور بالمسؤولية والتأمل والوقوف أمام الضمير والناس وقفة صدق ونزاهة! وإن الطريق إلى موقع القيادة والمسؤولية هو أن يدخل الإنسان نفسه مصهر التجربة العميقة وطريق الآلام والأفراح الكبرى،كما يدخل التبر أو الذهب الخام أتونه ليخرج من الجهة الأخرى سبيكة مصفاة ومعدناً يجمع بين المرونة والمتانة!

صنع القادة لا يتم في مقرات الأحزاب، ولا في مكاتب البنوك، ولا في مطابخ فنادق العواصم القريبة والبعيدة ليكونوا دمى تحرك بالروموت كونترول لمصالح أجنبية أو إقليمية، بل في معترك حب الوطن و الحياة الحقيقية، وحلبة الصراع الحضاري والتضحيات المشهودة والعطاء الكبير، دون تفكير بأخذ أو مكسب أو شهرة أو مجد!

لقد فجرت الحياة الديمقراطية الجديدة في العراق (على كل أمراضها وعلاتها وعثراتها،والغباء أو سوء النية الأمريكية بقيادتها) طاقات ومواهب الناس وأحلامهم وهذا أمر ضروري ورائع،ولكن ما يؤسى له هو أن القدرات الطيبة قد حجبت وأبعدت بعوامل وضغوط وظروف شتى، وأفسح المجال بشكل رئيسي للتطلعات المرتبطة بالأحزاب الدينية والطائفية والقومية لتظهر وتبرز وتكون اللاعب الرئيس في الساحة. كما إن الناس الأحرار والطيبين قد أصيبوا بإحباط ونفور من الانخراط بالعملية السياسية فانكفأوا على أنفسهم، وبذلك صار الميدان حكراً على العملة الرديئة! و صار خالياً أمام عديمي الكفاءة، وعديمي النزاهة،وسماسرة السياسة وبائعي الأوهام والشعارات،ورجال الدين الفاشلين روحياً وأخلاقياً،ليستأسدوا ويكشروا عن أنياب نهمة واستعداد واثب لإزاحة كل ذي كفاءة أو علم أو خلق، ويمضون لوحدهم في تزاحم وتصارع على القيادات العامة متوسلين في ذلك شتى ضروب الضغط النفسي والعقلي على الناس،وبأنواع الدعايات الدينية والمذهبية والقومية مستعملين صور وفتاوى مراجع دينية وآيات قرآنية مستنهضين الترسب التراثي الزاخر بإضفاء القداسة على سلاطين وخلفاء الظلم والجور ليقدموا أنفسهم كمنقذين، وكحل أخير نهائي لا بد منه، ولا بديل له،ماضين في خطب المنابر والساحات وإذا أعوزهم الكلام والأقلام خاضوا قتالاً بالسكاكين والألغام!

لماذا يتنحى الطيبون والأنقياء وأصحاب الكفاءة والجدارة ويفسحون الطريق والسلالم لهؤلاء ولا ينبرون لهم معترضين أو منافسين؟ لذلك أسباب عديدة، لعل أبرزها اليأس من المنازلة، فنتيجتها محسومة منذ البدء، كما قال أحدهم: النظيف لا يصارع وسخاً، فهو سيخرج مهزوما في الحالتين: إذا نجح عُد مع السيئين، وإذا خسر يكون قد توسخ وتجرح! ولكن هذا ليس عذرا مقنعاً لذا سيبقى الأنقياء مسؤولين عن تزعم نقائضهم للناس ومرافق الحياة العامة، ويتحملون بعض جريرة ما ينجم عن قياداتهم من كوارث ومصائب !

إن الانتخابات التي تجريها مراكز القوة والسلطة والثروة معتمدة الانتهاكات والتزوير والتلاعب بمقدمات الانتخابات ونتائجها وعلى غرار عمليات الجزارة والسلب والنهب وقطع الطرق لا تنتج قادة، ولا حتى حلقات قيادة، بل لصوصاً ومرتشين وقتلة وميتي ضمير!

كما إن القائد الواهم الذي يصنعه الإعلام الفضائي والإلكتروني بسرعة هو وهم، ومجرد خدعة إعلامية تنطفئ بسرعة كفقاعة، بينما القائد الحقيقي صاحب مشروع البناء والتغيير يصنع في قلوب وعقول الناس،لا ينفصل عنها تماماً كالسمكة في الماء!

لا بد من الإقرار أن نجاح القائد وتألقه لا تحدده براعته وذكاؤه ولا حتى إخلاصه وحسب،فهناك عوامل موضوعية،وتضاريس كثيرة عليه أن يسير بينها، فمن يقود شعباً مثقفاً تشبع بأجواء الحضارة،في بلد حر مستقر مزدهر، غير من يقود شعباً خرج من حروب وحصارات طويلة وقد أنهكه الجهل والجوع والقمع والتقاليد البالية! باختصار القائد كالسائق، فمن يقود سيارة حديثة صغيرة خاصة غير من يقود شاحنة عتيقة! ومن يقودها على طريق معبد عريض مستقيم، غير من يقودها على طريق صخري ترابي تكتنفه الالتواءات والمنعطفات،فكيف إذا كانت الشاحنة كالعراق عليها أن تسحب خلفها قاطرات بعدد التنوع القومي والديني والطائفي والعشائري؟

لو طبقنا المعايير السالفة على بعض القادة الذين يتولون اليوم الحكم أو المسؤولية في العراق،أو برزوا في الواجهة للسنوات الخمس المنصرمة! ماذا سنجد في إهابهم أو حجرات حكمهم؟ حيث يقال أن الأمور قد بلغت من الشفافية حداً أننا نستطيع أن نراهم حتى من خلل حجارة الجدران السميكة لمكاتبهم!

يتصدر مشهد قادة العراق اليوم نوري المالكي، لقد تبوء هذا الرجل منصبه على ضوء الشمعة المشعولة بقداحة السيد السستاني، لنرى اليوم على وجهه الخالي من ملامح الكاريزما حمرة معاناته وهو يحاول عبثاً الفكاك من ربقة الطائفة وأيدلوجية حزب الدعوة لينطلق في رحاب الوطنية، وقد خطى على هذا السبيل خطوة هامةً فقد ضرب معاقل لإرهاب
والتخريب التي تسللت إلى صفوف طائفته مثلما ضربها في صفوف الطائفة الأخرى،
لكن تجرد القائد من انتمائه الضيق لا يتمثل في إجراء أو تصرف واحد مهما كان كبيراً، فهو قد يكون اضطرارياً أو ضمن صراعات جانبية أخرى،التجرد من الوازع الطائفي أو الذاتي يتمثل في محصلة سلوكه وتفكيره وعمله ومشروعه السياسي والفكري، فالمالكي ما يزال يرفل بثوب فضفاض من نسيج الطائفة المهلهل وترسبات أيدلوجيته المستنسخة من تنظيم الأخوان المسلمين، وهي تركة داخلية أو باطنية ثقيلة جداً وما تزال تشده كالحديد إلى قاعدته كتمثال يخشى أن يهوي إذا استسلم لرياح الشعب، ورياح العصر، وهو يعرف أنه لو ركل الانتماء الطائفي الضيق وعانق الوطنية فسينزله أصحابه من السلطة، ولو ظل على المذهبية الضيقة فسيخرجه الشعب من قلبه الذي بدأ يتفتح له كوعد وطني!
وهو ما يزال في محنته وحيرته بين سلطة أمريكا في العراق وسلطة إيران في عقر تحالفه ومجلس وزرائه ومستشاريه، ممزقاً بين قلبه الذي يهفو لخامنائي كعقيدة وكظهير احتياطي، وسيفه الذي مع بوش كمظلة فولاذية هائلة فوق رأسه وفوق وطنه،لقد نال هوى بوش ودعمه،وهو اليوم يدخل حيرة أخرى: هل يوقع اتفاقية إنهاء الاحتلال بشروط بوش ليبقى على هذا الحب والدعم؟ أم يوقعها بشروط الشعب العراقي؟ أم بشروط إيران ؟
وهو في حيرته بين الإبقاء على تخالفه مع قادة الكرد ليحظى بأصواتهم البرلمانية وبقائه في منصبه وبين الوقوف بوجههم في مطالبهم المتزايدة وغير المشروعة، إنه بحق رجل حيرات وطنية لم تواجه قائداً عراقياً قبله، وسلامة موقفه الوطني مرهونة ليس فقط بسلامة رؤيته الوطنية وحسب، بل وبسلامة مواقف القادة الآخرين ووطنيتهم فإذا كانت تهمهم مصلحة الوطن حقاً فعليهم دعمه في مواقفه الوطنية دون احتساب لمكاسبهم الشخصية أو الحزبية أو الطائفية الأخرى، من هنا يتضح أن مبدأ الوطنية في القيادة لا يحدده قائد واحد مهما كان موقعه، وإنما كل قادة البلاد، وكل الشعب أيضاً، فإذا كنا مثلاً قد طالبنا من يحملون السلاح بإلقائه على أمل إخراج المحتل بالعمل السياسي، فينبغي أن تكرس كل الجهود للنضال السياسي الصحيح لإنهاء الاحتلال وتحرير الإرادة الوطنية دون إغفال أهمية الاستفادة من التحالف الاستراتيجي مع أمريكا والعالم المتحضر كله للخروج من مأزق التخلف في العراق وللنجاة من ضغوط التخلف الإقليمي!
وسواء أكان ما تحقق من تقدم كبير في مضمار الأمن كان بجهود رجال الصحوات، أو بجهود رجال الفريق عبود قنبر، أو قوات التحالف، فإنه سيحتسب كمأثرة وطنية ناقصة لعهد المالكي،لأنه لم يقترن بمصالحة وطنية وتسوية سياسية عميقة وواسعة تجعله راسخاً وصلباً وقادراً على الوقوف بوجه التحديات خاصة تلك القادمة من وراء الحدود. ما يزال أمام المالكي الكثير لينجزه في مجال الكهرباء والماء والخدمات وتشغيل الأيدي العاطلة ومرافق الإنتاج المتوقفة، ومكافحة الفساد المستشري وتحقيق ازدهار البلاد الغنية جداً بمختلف مصادرها الطبيعية. إنها المعركة الأكبر وهي امتحان لذكائه وضميره وخبرته مثلما هي امتحان لضمير وذكاء القادة الآخرين ليمتثلوا لمصالح الوطن قبل مصالحهم، هناك فرصة حقيقية للمالكي في أن يكون قائداً وطنياً يستند إلى قاعدة شعبية أوسع بكثير من قاعدة الدعوة أو حتى مراكز قيادية في الطائفة، وما عليه سوى أن يختار بين فرصة سانحة جاهزة في المطبخ الطائفي وقد تكون ملوثة، وبين فرصة نقية كبيرة تأتيه كحاجة تاريخية محمولة على أكتاف الجماهير!


تردد اسم محمود المشهداني في الأشهر الأولى لدخول القوات الأمريكية إلى العراق كرجل قيادي في التنظيم السلفي القريب من فكر القاعدة والزرقاوي: وقد قال إياد علاوي في تصريح تلفزيوني أن المشهداني يحاور ساسة عراقيين وأمريكان للانتقال إلى ميدان العمل السياسي!
وإنه آسف لاعتقاله بتهمة الإرهاب.وقد أطلق الأمريكان سراحه. ظهر فجأة كقيادي مع خلف العليان ثم في جبهة التوافق ذات التوليفة المتنافرة حيث ضمت أخوانيين وسلفيين وبعثيين وممثلين للجيش السابق، وقد دهش من يعرفونه حين كان طبيباً مغموراً في عيادته في مدينة الحرية في بغداد لاختياره رئيساً للبرلمان،فهو كما يقولون أقرب لدرويش نزق بثياب إفرنجية، وإنه لا يمتلك أية صفات قيادية تؤهله للعمل العام،فهو ينفر كل من يقترب منه بطريقة كلامه الخشنة والحادة وبافتعال الخصومة والشك،ومن على منصة البرلمان تعرف الناس على سحنته ومداخلاته وتصريحاته الصارخة، وقيل مرة إنه صفع أحد النواب من أعضاء كتلته، وإنه تفوه بعبارات لم تعجب الأطراف الأخرى وطالبوا بخلعه من رئاسة البرلمان،فحدثت أزمة كادت تقلب زورق البرلمان في نهر دجلة، لكنه تمسك بكرسيه رغم إنه لا ينفك يلعن هذا العهد الذي جاء به الأمريكان، ويزايد على الآخرين بوطنيته وطهرانيته، يقول منتقدوه إنه يحمل تصوراً عن نفسه تفوق صورة القمر عن نفسه في بركة ورد، وإنه أعطى صورة مرعبة عن الطائفة التي قدم باسمها، وخطورة حالته لا تبرز فقط في تعاليه وعجرفته وإهانته لمن حوله بل في افتقاده لأي فكر واضح أو مشروع لتغيير واقع العراق وبنائه! كان قد أفتى بمقاتلة الأمريكان ثم تحالف معهم وأقر دستوراً تحت سلطتهم، وحين اشتدت المطالبات برحيلهم صرح بضرورة بقائهم ريثما تستتب الأوضاع، والآن صار ينتقدهم على دخولهم وخروجهم معاً،زار إيران وأطلق تصريحات مثيرة لكسب ودهم له،ويقال أن قادة الكرد أهدوه قصراً في كردستان لكسب وده، وقد صرح مؤخراً أن هذه المرحلة تدق ناقوس العراق الجديد، ترى ما هو مفهوم الرجل السلفي لعراق جديد وهو المجاهد من أجل قديمه ؟
هو وغيره من المتدينين السياسيين السنة يأخذون على المتدينين السياسيين الشيعة خضوعهم لمذهبية نفعية، متناسين أنهم يمتحون من نفس البئر، مما يؤكد أن من المستحيل للأيدلوجية الدينية المسيسة أن تنجب قادة يمتثلون لروح الوطن كله! فهم قد حكموا على الناس أولا بقوانين الآخرة لا بقوانين الدنيا، مقدمين متطلبات سماء مغلقة على متطلبات أرض مفتوحة،متعرفين على قواعد الحياة والسياسة على مقاعد الحكم وبدماء الناس ومعاناتهم بينما كان عليهم أن يبدءوا تعلمها منذ سنوات الدراسة الابتدائية! يتحدثون عن الزعامة على أنها حاجة وضرورة دينية لكنهم يمارسونها وفق مصالح أحزابهم ومصالحهم،ما يطرح أن القيادة الصحيحة ضرورة تاريخية وفن وأخلاق !

ومع كل ذلك يمكن القول أن هذا نوع من القادة تصنعهم المراحل المعقدة على غراراها تماماً، فهم يحملون عقدها وأمراضها نفسها، ولكن بنفس الوقت لا يمكن التغاضي عما يحملونه من شحنات تشي باستعدادهم أن يتغيروا، وربما استعدادهم للمساهمة بالتغيير،شرط أن يتحلوا ولو بقليل من التواضع والاستعداد للتعلم!

لحقب طويلة كان جلال الطالباني يقدم نفسه على إنه علماني حر يأخذ بالنهج العلمي والموضوعي في تحليل الظواهر والأحداث،لذا فقد ضمته الاشتراكية الدولية إلى صفوفها وحاولت تقديمه للعالم كشخصية تقدمية حضارية،وهكذا اعتقد به الديمقراطيون والتقدميون الأحرار من العراقيين وناضلوا معه سنين طويلة في الجبال والوهاد من أجل quot; الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان quot; واليوم تطور هذا الشعار إلى ما هو أبعد وأخطر منذراً بويلات وكوارث! بينما كان يغلب في حديث وسلوك مسعود البرزاني على مدى سنوات صراعه وأبيه مع الحكومات العراقية المتعاقبة طابع الشعور بالظلم الفادح، فكفاحهم المسلح كان يمنى حسب اعتقاده على الدوام بالغدر والخديعة من قبل الأصدقاء قبل الأعداء، خاصة أمريكا : لذا فهو صار يعاني من عقدة اضطهاد حادة متفاقمة سرب الكثير من شحناتها إلى الشعب الكردي فجعله يشعر بالشك والكره للشعوب التي حوله خاصة العراقيين من العرب والتركمان!
جلال الطالباني تنكر لهويته التقدمية وتحالف مع رجال دين يكرهون العلمانية والاشتراكية ويعدون العلم والاشتراكية كفراً وإلحاداً من أجل مصالحه في الفدرالية والرئاسة،ومسعود البرزاني أخفى عقدة الاضطهاد وتظاهر بأنه يثق بقائمة الشمعة ورجالها وإنه يحب أهل الجنوب كحبه لأهل كردستان،وإنه سيبارك فدراليتهم شرط أن يطلقوا يده في كردستان ويهدونه كركوك وما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، هذا نمط من القادة الساعين للمنافع الفئوية الضيقة والذين تأتي المبادئ في آخر اهتمامتهم!
لذا فإن اختيار جلال الطالباني رئيساً للجمهورية العراقية كان خطأً فادحاً، ومساومة أنانية مدمرة من قبل جماعة الائتلاف الحاكم على حساب الوطن، فالطالباني قومي متعصب في أعماقه مهما تظاهر بالمرونة ووزع من ابتسامات، فهو كقومي كردي لا يفكر إلا بمصلحة حزبه بين الكرد وبقائه زعيما بينهم، أولاً ثم ما يتبقى يتفضل به على الشعب العراقي، وهذا ما شهدناه في وقائع كثيرة في ممارساته لعمله الرئاسي،وكيف كان ينكص عن واجباته ويمارسها وفق مصلحته الفئوية لا الوطنية،وإذا سأل عن هذا المسلك الخطير عزاه تارة لصفة شخصية فيه، وتارة لموقعه الحزبي متجاهلاً وهو الحقوقي أن على من يتسنم منصباً أن يمتثل لشروطه كاملة لا لشروط خارج نطاقه!
وتبوء مسعود البارزاني رئاسة مطلقة اليد لثلث العراق، غير متورع عن التصريح إنه يكره بغداد، ويصاب بالحصر الفؤادي عند توجهه إليها! إن هذين الرجلين ومن يلتف حولهما من القياديين يصعب عليهم أن يكونوا قادة عراقيين وطنيين، لذا لم يكونا سوى أمراء حرب ومتعهدي ميليشيات مقنعة بلبوس رسمية تحاول الظهور كجيش وطني! وهم يبدون اليوم مسرورين بعراق ضعيف يغرق بدماء أبنائه في الصراعات الطائفية، بل هناك تقييمات جدية على أنهم قد ساهموا في تغذيتها خاصة في منطقة الموصل وكركوك وبعقوبة حيث هي تتيح لهما ولأتباعهما قضم المزيد من أرض العرق، وامتصاص ثروته النفطية وتحقيق هيمنة على ما يسمونها بالمناطق المتنازع عليها، وهم قد قطعوا على الشعب الكردي أن يرفد العراق بقادة وطنيين أحرار كجميل صدقي الزهاوي وسعيد قزار ومختار بابان وشخصيات عوائل الجاف الوطنية،والكرد الفيليه!

لا بد لمن يريد تقديم صورة مركزة عن الوجوه الحاكمة اليوم من المرور بإياد علاوي فهو يبدو كأنه الطرف الآخر في قضية الحكم،وبديلاً متربصاً بحكم المالكي أو منتظراً أن تسقط تفاحة الحكم في سلته!

أطل علاوي على الناس بقامته الممتلئة الطويلة ووجهه المتعافي من محاولة اغتيال في لندن من قبل مخابرات صدام، حاول كثيرون أن ينسوا صورته حين كان طالباً في كلية الطب يدخل نادي الطلبة بقميص قصير الكمين متفاخرا بنفسه كشقاوة بعثي يستطيع إسكات خصوم الوحدة والحرية والاشتراكية بلكماته الرياضية المفتولة في بيت برجوازي! وينظروا له اليوم كزعيم عراقي مرموق عركته التجارب وأنضجت روحه آلام العراقيين!
يقول أنصاره : أنه علماني وبمفهوم قد لا يكون شاملاً لكنه يكفي لإقامة حياة مدنية وحضارية حديثة، وإنه غير طائفي وبانتماء عراقي ووطني واضحين،فقد ضرب الإرهابيين في النجف مثلما ضربهم في الفلوجة، وإنه شخصياً نزيه لم يسرق المال العام، وإنه واسع العلاقات دولياً وعربياً بما يمكنه توظيفها لتطوير العراق وبنائه، وإنه أقرب للتكنوقراط والعلم بحكم دراسته للطب واحتكاكه بالحضارة في إنكلترا! يتبنى حكمة معقولة: وهي أن العراق بعد أن تخلص من الأيدلوجية القومية الزائفة التي فرضها حزبه القديم نهجاً للحكم، لا ينبغي له أن يسقط تحت سطوة الأيدلوجية الدينية، وإن الصفوف الطويلة من البعثيين لا بد لهم أن يصعدوا إلى قطار العهد الجديد، ولا يمكن تركهم في العراء لتأكلهم الذئاب، أو يتحولوا هم إلى ذئاب!
ويقول خصومه، أنه ما يزال بعثياً بلهجة ديمقراطي، ولم يزل خاضعاً لتقاليد عمله السابق في حزب شمولي ديكتاتوري فهو كما يقول أشخاص عملوا معه وانفضوا عنه ينفرد بالرأي ويفرضه على من حوله وأحيانا بقسوة وفظاظة، كما لا يتورع عن تحالفات ومساومات غير مبدئية توحي بتهالكه على السلطة أكثر من حرصه على خدمة الناس والبلاد، وإن أكبر السرقات المليونية قد تمت في فترة حكمه، وإنه قد أحاط نفسه بأشخاص مكروهين قد أساءوا لكل مؤيديه وساهموا في تشتيت حركته وأتباعه ومنعوا الآخرين من الاتصال به،والغريب أنه لا يزال متمسكا بمعظم هذه العناصر السيئة الطاردة للكفاءات والسبب لأنهم يعاملونه كالإله وهو يعاملهم كالعبيد. وإنه هو المسئول الأول عن إضاعة فرصة العلمانيين في الحكم في العراق فقد تصرف كما تصرف صدام بعنجهية ودكتاتورية منفرة وتعامل مع الآخرين حسب مزاجه وقام بتعيين الأشخاص ليس على أساس الكفاءة بل على أساس الولاء الشخصي والمحسوبية متوهما أنهم سيوالونه لكنهم تحالفوا مع الحكيم ومقتدى في أول فرصة. وإنه يخضع لمزاجية نرجسية فهو بعد أن وعد قبل أيام بعودة أعضاء وزارته للحكومة الحالية عاد وعلق ذلك على شرط صغير جداً هو أن يأتيه اعتذار من الحكومة عن تصريح لها ضده، ترى إذا كان يعتقد أن وزراءه ضروريون للحكم لماذا يحرم شعبه من خدماتهم الجليلة هذه ويفضل عليها إرضاء نرجسية عفا عليها الزمن؟ وأنه كسول ميال للراحة مهتم بنفسه ومزاجه وأحاديثه الحالمة للصحفيين أو لجولات بين العواصم العربية لكي لا ينسى حكامها إنه كان حاكماً للعراق،وإنه سيعود في الانتخابات القادمة لا محالة، ويقول خصومه أيضاً إنه قد أضاع فرصة تاريخية للناس الذين رأوا فيه بديلاً عن رجال الدين، ويجب أن لا يمنح فرصة أخرى!بالطبع يقف المحلل حائراً بين وجهتي النظر هاتين،وقد يبحث عن حيثيات ملموسة لكل منهما، لكن من الواضح أن تخلف علاوي عن الركب لم يكن بسبب خصاله الشخصية وحسب، لقد لعبت إيران دوراً كبيراً في إسقاطه وإعاقته عن الوصول للحكم ثانية،حتى إن عملاءها اغتالوا العشرات من أنصاره وحرقوا مقراتهم في مختلف المدن، يظل إياد علاوي رغم عيوبه ممتلكاً للكثير من صفات القادة الوطنيين،لكنه بالتأكيد بحاجة إلى مراجعة عميقة وجريئة لمسيرته وإن عليه أن يعد لجولته القادمة مشروعاً متكاملاً للتغيير لا مجرد وعود وشعارات وتسفيه لأعمال وإنجازات الآخرين!

من هنا نرى أن العمل القيادي في العراق صعب للغاية،وإن من ينال موقعاً فيه يقتضي أن تقدم له التعازي قبل التهاني،ففي الحقبة الانقلابية والصدامية لم يذهب قائد بعد إزاحته عن الحكم إلى بيته وإنما إلى المقبرة،هذا إذا لم يسحل في الشوارع،لذا ينبغي أن لا يرى المتطلع إلى الحكم جوانبه الوردية فقط،وإن يضع في اعتباره واجباته قبل حقوقه،ومسؤولياته قبل مسؤوليات الآخرين !
لكننا وبعد كل هذه التفجرات من الدماء وتواري قوافل طويلة من الحكام نرى رجالاً ونساءً يقتحمون العمل السياسي بطموح قيادي لا حدود له، ويتقدمون الصفوف بإزاحة غيرهم بالمناكب ضمن القوائم المغلقة المدعومة بالفتاوى!! ليصلوا إلى الواجهة،وكل يرى في نفسه الأهلية الكاملة لقيادة العراق، في انحياز كامل لنفسه المتضخمة و لخصاله مهما كانت فجة سيئة متخلفة تحدوه هالات المجد البراقة، وخمرة السلطة المسكرة،وخزائن الثروة التي تطاول ثروات ملياردات العالم، ولِمَ التردد؟ ألم يأخذ كثيرون قبلهم هبرتهم من هذا البلد الغني بالنفط والبط؟ والشعب عاكف على جراحاته القديمة والجديدة يداريها تارة بالصمت والصراخ وتارة بالغناء الحزين!

الحلقة الاولى

إبراهيم أحمد