سامي مهدي
شهدت ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته محاولات متنوعة للشعراء العرب في كتابة أعمال شعرية طويلة اتخذ بعضها شكل الملحمة، وبعضها شكل القصة، وبعضها بقي مجرد قصائد طويلة قد تعد أبياتها بالمئات، هذا عدا المسرحيات الشعرية. فمما كتب علي شكل الملحمة كما أعلم: بساط الريح لشفيق المعلوف، وعبقر لفوزي المعلوف، والإلياذة الإسلامية لأحمد محرم، وعيد الغدير ثم عيد الرياض لبولس سلامة، ولا علم لي بأية ملاحم أخري. أما ما اتخذ شكل القصة الشعرية فمنه قصيدتا: المريض الصامت لإلياس أبي شبكة، والمجدلية لسعيد عقل. وأما ما اتخذ شكل القصيدة الطويلة فمنه قصيدتا: الله والشاعر لعلي محمود طه، وغلواء لإلياس أبي شبكة.
وقد كانت هذه كلها، فضلاً عن المسرحيات الشعرية، محاولات لتنويع الكتابة الشعرية والخروج علي الشكل الموروث للقصيدة العربية، مع البقاء داخل سياج نظام النظم التقليدي واشتراطاته، أو مع قليل من التصرف داخل هذا السياج. ويمكن القول: إن ذلك كان خطوة نحو التجديد خطاها الشعراء العرب نتيجة الاحتكاك بالغرب والإطلاع علي أدبه والتأثر به، وربما رافق هذه الخطوة شيء من الطموح الشخصي والاعتداد القومي جعل هؤلاء الشعراء يشعرون بأنهم قادرون علي إنتاج أعمال شعرية كبيرة لا تقل شأناً عما أنتجه الشعراء الغربيون.
ويظهر أن هذه المحاولات قد أثارت اهتماماً كبيراً لدي الشعراء العراقيين، لاسيما الشعراء الشباب الذين ظهروا في أواخر أربعينيات القرن. فهم لم يجدوا فيها ضرباً من ضروب التجديد فحسب، بل عدّوها تحدياً وامتحاناً لطاقاتهم الشعرية، فحاولوا اقتفاء أثرها ومجاراتها. ولكن الملاحظ أنهم اتجهوا إلي أكثر هذه الأشكال يسراً في الكتابة. فلم يحاول أي منهم كتابة الملحمة، ولم يجرب كتابة المسرحية الشعرية سوي خالد الشواف، وكان قد جربها قبله بسنوات عديدة كل من الشاعرين عبد الحميد الراضي وخضر الطائي. أما الآخرون فقد اتجهوا إلي كتابة القصيدة الطويلة.
يلاحظ أيضاً أن اهتمام هؤلاء الشعراء بهذه المحاولات رافقه اضطراب في فهم المصطلحات، فاستخدموها في غير مواضعها، إذ شاع بينهم أن يطلقوا اسم الملحمة علي كل عمل شعري طويل بغض النظر عن شكله، وهذا قد يعود إلي نقص في ثقافتهم الأدبية يومئذ، أو إلي حداثة عهدهم، وعهد الشعري العربي، بتلك الأشكال، ولكنه لم يكن مقتصراً عليهم، فكثير من النقاد العرب في حينها كانوا يفعلون الشيء نفسه.
كما يلاحظ أن هؤلاء الشعراء قد تنافسوا في ما بينهم علي الأسبقية في كتابة الأعمال الشعرية الطويلة. وبرغم أن هذه المنافسة لم تكن بحرارة التنافس علي الأسبقية في كتابة الشعر الحر، ولكنها لم تخل من الادعاءات والاتهامات المبطنة والمسرّبة. وبغض النظر عن ذلك، وبالرجوع إلي الوقائع الملموسة، يظهر من رسائل بدر شاكر السياب إلي صديقه خالد الشواف أنه فكر منذ عام 1943 بكتابة (ملحمة) من أكثر من 240 بيتاً، وبعنوان: ذكريات الريف. وفي عام 1944 أبلغ السياب صديقه بأنه عاكف علي إكمال الملحمة من دون أن يحدد ما إذا كان يعني ذكريات الريف نفسها أم يعني غيرها. وتكشف رسالة أخري أرسلها إليه في العام نفسه أنه فكر أيضاً بكتابة ما سماه رواية شعرية وهي تسمية كانت تطلق علي المسرحية الشعرية، ولكنه قال إنه في انتظار بعض التفصيلات والحوادث التي وُعد بالاطلاع عليها. غير أن هذه كلها كانت مشاريع شاعر مبتدئ لم يحقق شيئاً منها. أما ما تحقق له فعلاً فهو كتابة (ملحمة) أخري عنوانها بين الروح والجسد . وقد قيل إن هذه (الملحمة) كانت تتكون من أكثر من ألف بيت، أرسلها السياب إلي الشاعر المصري علي محمود طه ليري رأيه فيها، أو ليكتب مقدمة لها، أو ليساعد في نشرها، ولكنه لم يتلق أي جواب منه، ولم يعرف بعد ذلك مصيرها، بل عثر علي مئة وعشرين بيتاً منها نشرت بعد وفاته بعدة سنوات. ومن المرجح أنه كتب هذه (الملحمة) عام 1946، وأهداها إلي روح الشاعر الفرنسي بودلير، متأثراً، علي ما يبدو، بما كتبه علي محمود طه عن هذا الشاعر في كتابه أرواح شاردة . ولكن يظهر من الأبيات التي بقيت منها أنها لم تكن ملحمة بمفهوم الملحمة الذي نعرفه اليوم، بل كانت حواراً منطقياً طويلاً بين شاعرين هما: شاعر الروح وشاعر الشهوة.
قد يعني ما تقدم أن السياب كان أول من كتب ما سمّي (ملحمة) من الشعراء العراقيين، أو أنه أول من فكر بكتابتها. غير أن الشاعر صفاء الحيدري نشر عام 1947 قصيدة طويلة عنوانها أوكار الليل وسمّاها ملحمة برغم أن عدد أبياتها لم يزد عن 190 بيتاً. وقال عنها في مقدمة الكتاب الذي جمع بين دفتيه مطولاته الشعرية الأربع وأصدره عام 1982 إنها أول ملحمة ظهرت في العراق وكأنه أراد بهذا القول تثبيت حق له في أسبقية صادرها غيره.
الشاعر محمود البريكان كتب هو الآخر بعض القصائد الطويلة كما يبدو. فبحسب أقوال نقلت عنه أنه كتب اثنتين هما: أعماق المدينة، والهائمات، ولكنه لم ينشرهما، ولم يعرف مصيرهما بعد وفاته. ونقل عنه كذلك أنه أطلع السياب علي إحداهما فاستوحي منها ما استوحي، وظهر هذا الذي استوحاه في قصيدته: حفار القبور. غير أن أقوال البريكان هذه لا تستند إلي أي دليل ملموس، وهي تجافي الوقائع الثابتة كما تبين لي في دراسة كتبتها عن شعر البريكان نفسه. (نشرت هذه الدراسة في مجلة: نزوي / العدد 41 / يناير 2005)
غير مهم أن نعرف مَن مِن هؤلاء الشعراء كتب القصيدة الطويلة أولاً، بل المهم أن نعرف من أحسن كتابتها منهم. وفي هذا قد لا نجد من بزّ السياب أو تفوق عليه، خاصة في قصائده الثلاث: حفار القبور، والمومس العمياء، والأسلحة والأطفال. والواقع أن السياب بدا شغوفاً بكتابة القصائد الطويلة منذ البداية كما لاحظنا، وكان يريد بذلك منافسة أقرانه وفي مقدمتهم الشاعر محمد علي إسماعيل (صاحب الخمسينيات)، ولكن هذا قاده إلي ما يشبه الولع بكتابتها. فأنت تجد في ديوانه الأول أزهار ذابلة أكثر من قصيدة طويلة. فقصيدة أهواء مثلاً تتكون من 192 بيتاً، وقصيدة نشيد اللقاء تتكون من 119 بيتاً، أما في ديوانه الثاني أساطير فهناك أكثر من قصيدة يزيد عدد أبياتها علي المئة.
ويبدو لي أن السياب وجد في كتابة القصائد الطويلة ما يلبي حاجته النفسية إلي البوح والإفضاء، وما يناسب نزوعه الفطري إلي الاسترسال في السرد وتفريعه وتفصيله. وكان هذا في رأي النقاد، ومنهم الدكتور إحسان عباس، عيباً لازم شعره مدة طويلة وأثقله باستطرادات غير ضرورية. فقد ظل يكتب القصائد الطويلة، ويطيل في القصائد التي يكتبها، حتي أواسط الخمسينيات. فقصيدة أنشودة المطر مثلاً كانت قصيدة طويلة في أصلها، ولكنه اضطر إلي حذف سبعة مقاطع منها حين أراد نشرها. (الآداب / حزيران / 1954) وقصيدة من رؤيا فوكاي كان مخططاً لها أن تكون قصيدة طويلة من ثلاثة أقسام، نشر القسم الأول منها بهذا العنوان (الآداب / كانون الثاني / 1955) ثم نشر القسم الثاني بعنوان مرثية الآلهة (الآداب / شباط / 1955) ولكنه كف عن كتابة القسم الثالث، أو أنه أهمله، حين جوبه القسمان اللذان نشرهما بنقد شديد الوطأة. ويظهر أن قصيدة بور سعيد التي كتبها عام 1956 كانت آخر القصائد الطويلة التي كتبها، فلعله أدرك أخيراً أن كتابة هذا النوع من القصائد إسراف في الجهد وتفريط بالوقت وضآلة في الحصاد الفني.
لم يكن هناك من يعطي لكتابة القصيدة الطويلة الأهمية التي أعطاها السياب لها سوي الشاعر صفاء الحيدري، فالذين جربوا كتابتها، ربما بإغراء من قصائد السياب نفسه، اكتفوا بتجربة واحدة في حينه، ومن هؤلاء عبد الرزاق عبد الواحد في لعنة الشيطان ، وسعدي يوسف في القرصان ، وحسين مردان في صور مرعبة ، وكاظم السماوي في الحرب والسلم ، وموسي النقدي في محمود والقمر . أما صفاء الحيدري فقد بني عليها مشروعه الشعري الأساسي، فجعل من أوكار الليل التي سبقت الإشارة إليها مدخلاً لقصيدة من نحو ألف بيت، أتمها عام 1948 وأعطاها عنواناً آخر هو زقاق . ثم كتب عبث عام 1949، و بابلون عام 1954، و قافلة الحريم عام 1965. وقد سمّي الأولي: قصيدة طويلة، وسمّي الثانية: مسرحية، وسمّي الثالثة: أوبريت، أما الرابعة فسماها: ملحمة، ثم جمع هذه الأعمال كلها ونشرها عام 1982 في كتاب واحد عنوانه: الملاحم الشعرية الأربع.
إذا استثنينا من هذه الأعمال مسرحية عبث فإن القصائد الثلاث الأخري كانت من أفضل ما كتب الشعراء العراقيون من قصائد طويلة حتي ذلك الحين، ولكن قيمتها الفنية ظلت دون قيمة قصائد السياب الثلاث. والمؤسف أن الحيدري قد بدد في نظمها خير ما لديه من طاقة شعرية، وأنفق من الجهد والوقت ما كان يمكن أن يستثمره في بناء مشروع شعري آخر. ذلك أن طاقته الشعرية كانت تؤهله لأن يكون أحد شعراء حركة الشعر الحر البارزين لو أنه تفاعل معها تفاعلاً صميمياً وانصرف في وقت مبكر إلي الكتابة بهذا الشكل الشعري الجديد ولاحق تطوراته، ولكنه لم يفعل. (راجع ما كتبناه عن مطولات هذا الشاعر في عدد القدس العربي ليوم 5/10/2007 )
ولقد كاد السياب نفسه أن يقع في هذا الفخ لو لم يتدارك أمره قبل فوات الأوان، إذ أنفق هو الآخر جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً في كتابة القصائد الطويلة، وخاصة ما كان يعبر فيه عن موقفه السياسي تعبيراً مباشراً. فكتب، عدا ما ذكرنا من قبل، قصائد: اللعنات، وفجر السلام، ومقل الطغاة، والقيامة الصغري (التي لا يعرف مصيرها). ويذكر الشاعر رشيد ياسين قصائد طويلة أخري كتبها السياب أو شرع في كتابتها ولم يعرف مصيرها هي: المجاعة، والموت في الخريف، والثالثة عن كفاح الشعب الكوري. وهذه كلها قصائد سياسية عمودية، وبعضها شبه عمودي، كتبها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، غير أن انهماكه في كتابتها، وفي كتابة القصائد الأخري التي مرّ ذكرها، شغله خلال تلك السنوات عن تطوير تجربته الفتية في كتابة القصيدة الحديثة. فنحن لو غربلنا ما كتبه منذ صدور ديوانه أزهار ذابلة في نهاية عام 1947 حتي مطلع عام 1954، لما عثرنا له علي قصيدة واحدة يمكن أن تعد قصيدة حديثة بالمعني الفني الشامل لمفهوم الحداثة الشعرية، ولا عجب إذا ما وجدنا ناقداً كالدكتور إحسان عباس يعد قصيدته الشهيرة أنشودة المطر ، التي نشرها في أواسط عام 1954، فاتحة ما يمكن أن يسمي شعره الحديث . (كتابه: بدر شاكر السياب / ص 212).
إذن هذا ما كان من أمر القصائد الطويلة التي كتبت في الأربعينيات والخمسينيات، ولو نظرنا اليوم إلي حصاد الشعر العراقي منها لوجدنا أن أهم ما فيه هو قصائد السياب الثلاث: حفار القبور، والمومس العمياء، والأسلحة والأطفال، وأن أهم هذه القصائد هي المومس العمياء في رأي بعض النقاد، والأسلحة والأطفال في رأي آخرين، ولكنها كلها قصائد شبه عمودية من حيث نظامها العروضي، وبناؤها مثقل بالاستطرادات الجانبية والأفكار السياسية والاجتماعية المباشرة وبينها وبين الحداثة الشعرية مسافة واضحة.
وهكذا يظهر أن هذا الحصاد كان قليل القيمة، ومع ذلك ظلت كتابة الأعمال الشعرية الطويلة طموحاً يراود بعض الشعراء العراقيين، سواء جاء العمل علي شكل مسرحية، أو حوارية، أو قصة، أو مجرد قصيدة مئوية الأبيات، كما لو أن طول العمل يشكل امتيازاً له في حد ذاته. فمن مدة إلي أخري كان هذا الشاعر أو ذاك يصدر عملاً طويلاً من هذه الأعمال. فإذا تركنا المسرحيات الشعرية جانباً، فمن القصائد الطويلة التي ظهرت: مرحباً أيها الأرق لمحمد مهدي الجواهري، و حوار عبر الأبعاد الثلاثة لبلند الحيدري، و انتظريني عند تخوم البحر و رياح بني مازن ليوسف الصائغ، و المفكر لصلاح نيازي، و الشجرة الشرقية لفاضل العزاوي، و دليل إلي مدينة محاصرة لسركون بولص، و الحرب لياسين طه حافظ، و محمد عفيفي مطر _ الأناشيد لمحسن إطيمش، و عكازة رامبو لخزعل الماجدي. وليس هذا كل ما ظهر بل بعضه، وربما أقله.
ولكن قلما تجد بين هذه الأعمال، أو غيرها مما لم نذكره، عملاً ذا بناء مكتمل ومحكم وخال من عيوب الاستطراد وسيولة اللغة والتنطع بالأفكار. وأنت لو بحثت بينها عن قصيدة تشكل علامة صعود وامتياز في الشعر العراقي، لترددت كثيراً وتمنّعت قبل أن تعترف لواحدة منها بذلك. فليس بينها ما قيمته في الشعر العراقي توازي قيمة قصيدة رامبو فصل في الجحيم في الشعر الفرنسي، أو قصيدة ت. س. إليوت الأرض اليباب في الشعر الإنكليزي. وكل قصيدة منها تقع في سياق المشروع الشعري الخاص بصاحبها، وليس فيها ما يميزها عن هذا المشروع سوي طولها، والطول وحده لا يشكل أي امتياز.
لا نريد أن نقول: إن كتابة هذه القصائد وغيرها كانت جهداً ضائعاً، فهي لم تشغل هؤلاء الشعراء عن مشاريعهم الشعرية أو تستنزف جهودهم كما حصل لبدر السياب وصفاء الحيدري، بل كانت محاولات وتجارب مشروعة لشعراء طموحين مجتهدين بغض النظر عن حصادهم وحصادنا منها. ولكن من الضروري القول: إن العمل الشعري الطويل لا بد له من موضوع مهم، ومحتوي غني، ولغة مشعة، وتوتر درامي، وبناء محكم يصهر عناصره في كتلة واحدة متماسكة، إذ بدون ذلك يفقد مسوغ طوله، ويغدو طوله تطويلاً، أي مجرد حشو لفظي، أو مجرد تمرين علي الكتابة.
شاعر من العراق
نقلا عن quot;القدس العربيquot;







التعليقات