محمود عبد الغني من الرباط: صدرت بالجزائر، بإشراف جمعية البيت للثقافة والفنون في إطار تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية وبطلب من وزارة الثقافة الجزائرية، أنطولوجيا قصيدة النثر المغربية تحمل عنوان: quot; من حاملي المواسم إلي أيامناquot; في 350 فصحة، من إنجاز الشاعر المغربي محمود عبد الغني.. هنا التقديم الذي صدر به محمود الانطولوجيا.

-1-
لابد أن يعطي صاحب الانطولوجيا، ومعه قارئه، أهمية قصوى لعبارات مثل ''من وجهة نظري''، ''في رأيي الخاص''، ''أجد أن''الخ... للتدليل على أن كل عمل أنطولوجي ما هو إلا اختيار ذاتي يطمح أن يكون موضوعيا. لذلك فأنطولوجيا قصيدةالنثر المغربية، باعتبارها تضم مجموعة من شعراء هذا النمط الشعري، هي اختيار وانتخاب أكثر منها شمولية وإحاطة كلية.
لقد عملنا على أن يكون هذا العمل عاكسا لطبقات، وليس لكل طبقات، قصيدة النثر في المغرب. مصاحبا لمجمل تطوراتها. مطلا عل ديناميتها. مستبعدا ما يمكن أن نسميه quot; القصيدة الواقعة على حدود قصيدة النثرquot;. أو حتى على حدود الشعر عامة. إنها مهمة جمالية شاقة. وهنا لا نطلق أحكاما. فقصيدة النثر ربما هي النمط الشعري الوحيد الذي ما زال في طور التكون، ما زال صيرورة.لذلك فمعطفها يخفي كل الاقتراحات الممكنة. ويسعى إلى استقطاب كل التقنيات والجماليات غير الواقعة أمام أعيننا. وهي في هذا الشعر الوحيد الشبيه بالرواية. من هنا فديناميتها شيء أكيد، مادامت تفيض عن ذاتها. إنها الشكل quot;الذي بلا شكلquot;. وهذا مبرر آخر لكي تكون هذه الانطولوجيا منفتحة على جل الشعراء. خصوصا وأنها العمل الأول من نوعه في المغرب.
نحن هنا، في هذه الانطولوجيا، أمام لؤلؤ كثير. لؤلؤ جله مغمور. يستدعي مبحرين لا يغادرون الشواطئ والأعماق.يستدعي حملة ضوء خاص. وليس من يحملون إشارات المرور، مر أنت، لا تمر أنت. هذا اللؤلؤ انتظر طويلا لتتم عملية اكتشافه، لأنه فعلا quot;لؤلؤ المستحيلquot;، بلغته ورؤياه. بمنظوره وأداته. بشكله ومضمونه. لذلك فضلنا أن نشعل النار ونرقص حولها. تعالوا نرقص إذن حول هذه النار قبل أن تنطفئ.
-2-
يظهر من مجمل النصوص المختارة هنا، أن لشاعر قصيدة النثر رغبات وليس رغبة واحدة.
موجهات كثيرة وقفت وراءه و أملت عليه بنيان الكتابة. فظهر راضخا لسلطتها. مما جعله يكتب تحت تأثير منظورات كثيرة، وهذا أمر ينطبق خصوصا على الشاعر الذي التحق متأخرا بركب قصيدة النثر. فبدت قصيدته على حدود قصيدة النثر، على عتباتها. إلا أنها عتبات تريد أن تدخل. فإلى جانب الرغبة في التدمير هناك الصرامة. وإلى جوار الحرية نجد النظام. ووراء الشكل الخارجي يوجد عمق وغور. فهناك شاعر كثف من وجود عنصر على حساب آخر. هناك من أعلى من قيمة النثر، وهناك من أعلى من قيمة الشعر (النظم)، وهناك من بقي في منزلة وسطى. وهناك من سعى إلى خلق شكل خاص، جديد. ولن نجد أدنى صعوبة في اكتشاف أن أنصار خلق الشكل الجديد تسود عندهم نزعة فردية فوضوية بقيادة الإرادة الفنية(سوزان بيرنار). وما هذه النزعة الفردية الفوضوية إلا تمردا ضد كل quot;أعراف الشعر واللغةquot;. وهي نزعة ربما برع كثيرا في الحديث عنها منظرو ونقاد الرواية عند تدليلهم على quot;لاشكليةquot; الرواية. أي أن تاريخ الرواية هو تاريخ نقض الأعراف الأجناسية، تاريخ الانفتاح والتجاوز. ونفس الشيء نقوله عن قصيدة النثر في المغرب.هذه القصيدة التي زاوجت بين الشعرية والنثرية. وهي في ذلك لم تخرج عن طابع الازدواجية الذي ظهرت به قصيدة النثر الأوروبية، الفرنسية على الخصوص. وهنا لابد من التأكيد على أن الشاعر لن يصل إلى هذه المرتبة دون إعداد ذاتي لها. فقصيدة النثر هي ثمرة لهذا الإعداد الرفيع. لهذا التجسيد لمجموعة من المستويات البنائية، نثرية وشعرية و إدراكية. والثمرة تكون أكثر نضجا إذا مارس الشاعر ألعابه الفكرية التي تتكثف ببطء إلى أن تأتي اللحظة المناسبة وينهي الشاعر لعبته في ما يشبه فرملة للقصيدة. والاختلاف العظيم هنا هو أن كل ما هو مساند للقصيدة لا يظهر إلا في اللحظة الأخيرة. لحظة إغلاق البناء بعد أن يكون الشاعر قد أبدى براعة في ألعابه، التي هي سلسلة من الحركات الفكرية واللسانية الخفيفة، التي لا يبدع فيها إلا من ضرب جذوره في لحظته. وكأن الأمر يتعلق ب quot;علم آثارquot; لا تجري فيه أعمال التنقيب إلا في نقطة واحدة طيلة وقت أطول مما كنا نحسب.
-3-
يلاحظ قارئ قصيدة النثر، في أجود نماذجها، أنها تتبرم من النزعة الرمزية. فأن تكتب قصيدة النثر يعني أن تستضيف ضيوفا آخرين: ذاتك في أبسط أفعالها. أن تتب عن استضافة الوقائعية وتكذب في توبتك. أن تقسم بأنك ستوظف كل ما تصادفه أمامك، من السرد إلى مجانية الحدث والقصيدة. أن تدع عينك، مع الحواس الأخرى، تبدأ بالرؤية. وقبل ذلك عليك أن تهيئ قارئك ليشاركك كل ما تراه. وخصوصا لابد من الوقائع ولهوية الفكر، فكلما كان هذا الطعم مركزا ومنثورا هنا وهناك كلما كان الصيد وفيرا.
شاعر قصيدة النثر يدع العين والذاكرة تمارسان وظيفتهما. فالعين تحس وظيفتها في الظلام الذي يحيط بالأشياء والأحداث، والذاكرة تلتقط وتحرف أو تحلم، واليد تكتب. وبذلك تجتمع وتتكوم اللقطات وترتبط ببعضها فتشكل مركز القصيدة، وبذلك يتصالح الشاعر معها، وبعده قارئه. وأين اللغة هنا؟ آه اللغة. أبنيتها ولهوها الخاص. لهوها في ظلام الأزمنة.
علينا أن نفهم جيدا اللغة التي تؤدي وظائفها في نقل المقاهي والشوارع والباصات والعابرين والدموع التي تسقط من عين وحيدة في قطار أو عاصمة أو ّأكروبول، في إشارة واضحة هنا إلى رائد هذا النمط : الشاعر سركون بولص، الذي برع كثيرا في دفعنا إلى تلمس انحرافات اللغة على مستوى التركيب والدلالة. وبذلك فهو الشاعر الذي جعل القصيدة أليفة واللغة أألف. ونستطيع أن نختار من شعراء هذه الأنطولوجيا شعراء مغاربة برعوا أيضا في هذه الوظيفة: بنيس، بنطلحة، زريقة، وساط. وقفوا خصوصا،خصوصا،عند أحمد بركات الذي كان سباقا في اقتراح الازدواجية المثمرة: نثر/ شعر. القصيدة إذن تذهب إلى الزوايا اللغوية الغريبة، ولكن التي لا تخلو من رؤية أو تركيب. وهذا بالضبط ما يولد الإحساس بأن القصيدة تبقى دائما شبيهة بلوحة لم ترسم بعد، إذ رسامها يتردد، وريشته ترتجف في يده المرتبكة. ولا يمكن أن نقول إنها قصيدة كتبت وانتهت إلا عندما يقول لنا الشاعر إن يده كتبتها في غفلة عنه، يده التي غادرته في النوم وكتبت ما كتبت، بعيدا عن أية سلطة أو رعاية أو quot;عبودية مختارةquot;.
-4-
كتب مرة quot; هلموت بوتيجرquot; عبارة نظرية في غاية الأهمية :quot; إن الصراع بين الإشراق والوضوح، وبين الرومانسية هو ما يؤدي إلى إنجاز القصيدة على نحو دقيقquot;. (لا فض فاك ياquot;هلموتquot;). ولنتخيل حجم وشكل الصراعات داخل قصيدة النثر التي تحضر فيها ازدواجيات كثيرة، إضافة إلى هذا الصراع المكشوف بين الوضوح والإشراق وبين الرومانسية. وهذا الاختزال يتطلب تصور شكل اللغة، البلاغية، طريقة الإفصاح، الفكرة/ الفكر، المعجم...الخ. قصيدة النثر، إذن، شعر يتحرك ويحيى بين المتعارضات. بين ماهو سحري ومحددات عقلانية. وهي(قصيدة النثر)، في أحسن نماذجها،حدت من تدفق وتأثيرات الماضي، ماضي الشعر واللغة والمجازات. ألا يحتاج ذلك، من بين ما يحتاج إليه، إلى نفسية حديثة، سواء في الإنتاج أو التلقي. هذا ما يجعل منها قصيدة تخترق الزمان. تقذف بعيدا وتحط قريبا. حاملة لانتقاليات الحالات، كل الحالات التي يمكن أن يتصورها قارئ الشعر المحترف (هل هو موجود خارج قلعة الشعراء؟). لنفتح نوافذنا، فقربها تنو أجمل الأشجار.
-5-
داخل بنيان كل قصيدة نثر ثمة فجوة ما يتركها الشاعر قصدا. يخلفها وراءه كأفضل مكافأة لمن يأتي بعده. وتلك الفجوة تحديدا هي حيز تستقر فيه خبرة تجربة القراءة والكتابة. لنراقب قارئ قصيدة النثر. لنلاحظ حركات يديه.إنه جالس يقرأ كتابا بتمرير أصابعه على الورق كما يمرر بعض القراء أصابعهم على ورق مكتوب بأحرف نافرة.(برعت كثيرا زوجة السينمائي quot; إنغمار برعمانquot; السيدة quot;ليف أولمنquot; في وصف هذا المشهد البهي). الجمال كل الجمال هو في الإحساس بحركة الأصابع السحرية. لقد جاء دور اليد بعد العين. ألم تكتب قصيدة النثر، ذات المتناقضات المتنافرة، بيد مرتجفة، تحت إشراف عين تكابد الرؤية في الظلام؟ وعلينا ألا نفوت الفرصة للإشادة بهؤلاء الشعراء لأنهم مفتونون بشعر quot;موسيقيquot;، بلوحات الزيت، بالتصوير، بالمقالة، بالرواية، بالعلم. quot;فطوال ما يقرب من القرن ونصف القرن استوعبتْ قصيدة النثر شتّى أشكال الخطاب النثريّ وعملتْ على تذويبها في مصهرها الشعريّquot; (ك.جهاد). وبذلك فهؤلاء الشعراء يرون كل شيء في مرآة أنفسهم. كل ذلك ينتقل إلى البنية الكبرى التي تحدد شكل قصيدة النثر. فيجعلها تتلاحق وتندمج. هذا ما وجدناه في هذه الانطولوجيا فاتبعناه خيطا خيطا.