افلت حامد من الباب المشرع الى الزقاق بملابسه الداخلية وبغترته البيضاء وعقاله الاسود.. رفع عقاله وكوفيته بيده اليمنى وأخذ يقفز، دائرا ً نصف دورة، تارة ً الى اليمين واخرى الى الشمال وهو يدبك هازجا ً: الرايات السوداء: 40 عاما وما يزال الزحف مستمرا بريشة فلاح الجواهري 2007
quot; مأمونـة دار السيد! quot;![]()
quot; محروسة دار السيد quot;
quot; دار السيـد منهوبة quot;
quot; دار السيد مسلوبة quot;
ها ها ها، اخوتي
quot; دار السيـد منكوبة quot;
quot; و دار السيد!! quot;
كرر المقاطع دابكا ً هازجا ًوهو يهزّ عقاله وغترته عاليا ً فوق رأسه حتى اختفى عند زاوية الزقاق.
.. ما هي إلا لحظات و ستخرج هـُدى فارعة الرأس، هارعة الى نهاية الزقاق تصرخ بلوعة quot; حامد وينك يا خيي ّ ِ يا حامد.. كَـَطيعة تكَـطعني.. يا اهل الرحم ما احد شاف ها المسكين؟ quot;
.. تخرج هدى فارعة الرأس جاحظة العينين صارخة quot; وينك.. .. .quot;
يرقب ويسمع متراخيا ما يدور في الزقاق من على كرسيه وحوله دثاره.
.. قادته متكئا على ذراعها واجلسته برفق قرب افريز السطح ليتشمـّس. يكاد يتكرر مشهد الامس نفسه.. لا يجد انفعالا مميزا نحوه..
ساقاه متراخيتان، لا احساس بوجود حوضه الذي يتكوم فوق غطاء كرسيه.. نصف جذعه العلوي عجيزة نخل متعفنة خاوية .. طعم صدِء يملء فمه.. لسانه قطعة خشب ثقيلة متيبسة.. عيناه ثقيلتان جافتان تنظران بكلل الى مساحة رؤية امامية محدودة.. طبقة شمعية تغلف جلده.. كثيفة طبقة الشمع تلك فوق وجهه وجبينه.. شعره قطعة غريّن ثقيل متيبـّس..
.. يتدحرج مكعب من الصور المقطـّعة..
.. مكعبات ومخاريط ولفائف اسطوانية ملونة تعوم في صندوق عظمي أجوف مملوء برنين هلامي.. اصداء معدنية رتيبة مكررة.
.. شريط مقطـّع لصور متراكبة تتبدل اجزاء تراكيبها فتصنع مقاطع جديدة، يلتصق هذا المقطع بمقطع سابق او بمقاطع لاحقة، يومض بعضها برقا ويختفي، مخلفـاً خطوط شحنات تفريغ مشرشبة على خلفيات صور زرقاء ورمادية وحمراء وفضاءات لا لون او حدود لها.
.. مكعبات ملونة لاحداث وحكايا واقوال مرصوفة تتراكب بهيئات هرمية تتعالى وتنفرط متدحرجة.
.. لا يستطيع متابعتها.. لا رغبة بلمّ اجزائها من جديد.
يختفي الهرم.. تترامى على السطح الاجوف بعض من مكعباته بأشرطتها المصوّرة.
.. اصداء سقوطها يحدث ضجيجا مكتوما..
يزداد اعيائه.. يتدارك فوضاه.. يهرب منها بالتحديق المركز بمساحة الرؤية الامامية المحدودة..
مثلثات وحلزونيات واشرطة مشرشبه وخطوط متقطعة قواعدها عند حافات السطوح.. رسمة بحبر اسود مخفف على صفحة واجهات البيوت.. فوهات فارغة في الجدران المحبّرة.. شبابيك عوراء ببقايا ثلم زجاج محطم.. ابواب مخلـّعة متشققة اعيدت فسد ّت بعض مداخلها.
يتدحرج مكعب آخر منفرشا امام شاشة الوعي :
وجوه مسوّدة تدبّ ُ كسولة ضجرة في شوارع شبه مقفرة لها رنين صمت حزين يتجاوب صداه بين اعين المارة او اولئك الواقفين بملل وكآبة قرب الابواب او وراء الشبابيك المحطمة تزوغ ابصارهم في العدم.
- يوم تسوّد وجوه.. quot; الله لا ينطيك بحق هاي الغيمة السودة.. شوفي ام فاروق شوفي شلون اظلمـّت الدنيا.. هاي غيمة لو غضب اسود quot;.
- quot; والله ام احمد من يوم غيمة الجراد الصفرة والغيمة الحمرة اللي خنكَتنا بالرمل الاحمر من خمسين سنة ما شفنا مثل ها الشي. يومها أذ ّنت كل المآذن، وبدت قراءة التسابيح والادعية ليوم القيامة.. وامي المقعدة تصرخ من غرفتها quot; هذي علائم ظهور صاحب الزمان.. بعد عيني صاحب الزمان quot;.
- quot; والله وما يصدقه العقل.. مطر اسود.. مطر اسود لطخ كل البيوت.. صخام يـُمه!، هذا مو مطر.. شوفي!! شوفي! تلطـّخ صبغ بيتنا الجديد.. وبيتكم وبيت ام هاشم.. quot;
- quot; هذي عمايل مضروب الكلوة ابو quot; ام المعارك quot;، حرائق نفط الكويت وصل دخـّانها لبيوتنا.. هذي صارت quot; أم المصاخم quot;.. quot; ام الملاطم quot;
- quot; بالله ستري علينا ام فاروق يروح يسمعنا احد! quot;
- quot; الكل تشتم علني وبكل مكان.. شنو اللي بقى ينخاف عليه.. احمد وأخذته quot; القادسية.. بوابة القائد الشرجية quot;، ومحمود لليوم لا حس ولا خبر من بداية الانسحاب المظفر. ِوشوفي هذا جارك استاذ حامد اخو المسكينة هدى، مدرس محترم تجنن من يوم هزيمة البطل المنصور.. وهاي هالتشوفين طبكَت عند حامد، خبال تمام.. يمه ما تحمل الكل يموتون.. يحتركَون وتاكلهم الجلاب وهذا باقي.. quot;
يختنق برغبة عارمة بالبكاء.. لايطاوعه كيانه المخذول الواهن ولا مآقيه المتيبسة.. اهي الكآبة التي تخذله ام هي برشامات الكآبة التي يحضرها جاره طبيب النفسية.
.. ينحني عليه بوجه فأر كبير ذي شارب هتلري.. تنطّ حدقتاه الوسيعتان عبر زجاج عويناته الثخينة فتسقط متدحرجةعلى وجهه، لا سبيل لازاحتهما عنه بكفه.
.. يزيح بصره يسارا.. تسقط الحدقتان وقد تدحرجتا يمينا.
- ستفيدك هذه البرشامات.. سيزول هذا الكسل والخمول واللاابالية بعد حين
.. يغافله بين الكلمات ويلقي ابتسامات مبهمة وتتدحرج حدقتاه الى الاخت الشابة.
يخرج الفأر الهتلري ويسحب حدقتيه معه.
- ساعديني على النهوض رجاءً.. الى الحمام!
- لم ّ َ القيت البرشامات في المرحاض؟
- لا اريد ان اصبح مدمن افيون.. لا أثق بهذا الجار الفأر
يواصل التحديق في حقل رؤيته، الواجهات وبوابة بيت هدى وحامد امامه.. تسري قشعريرة برد فيحكم ازاره حوله بكلل.. تعبر فوق السطح بقع ضوء من شمس مسافرة عبر غيوم بيضاء.. يتابع انتقالها الى سطح بيت هدى ثم تسلقها جدار بيت الراوي.
يجهد.. يلملم كل بقايا حطام ارادته، يحاول البكاء.. يعز البكاء.
.. لابكاء!، اصرخ اذا ً! اصرخ باعلى صوتك!!
يصرخ في العراء..
.. تخرج الصرخة فحيحا رتيبا ثقيلا، لا تتعدى الفم المتراخي المفتوح فتنزلق.
.. تسقط الصرخة ُ في بئر ٍ، دوّامة الصمت متاهاتٌ.. لا رنة َ للصوتِ، عبثا يبحث عبر البصر ِ المخذول ِعن ذاته على ارضية السطح ِ.
.. يشد قواه، يعيد البصر في رسومات السخام المذاب على واجهات البيوت المتصدعة امامه.
يستعيد مكعباته ومخاريطه الملونة.. يحاول ان يركب منها هرما.
.. تنفرط المكعبات وتتدحرج..
شاحنات عتيقة متربة تحمل اسمالا ممزقة لملابس داخلية قذرة وضعت فوق هياكل بشرية متراصة، ضامرة، معفرّة، تائهة الابصار.
.. تقف الشاحنة.. تتساقط الاشباح المهلهلة نصف العارية فوق ارضية الشارع الانيق.
.. ينفرط الحشد فرادا ومثان ومجاميع صغيرة تطرق الابواب وتصرخ.. ميّ!، كسرة خبز!، سِـتر! سِـتر! يا اهل الرَحـَم ْ الله يستركم!!.. هـِدمة زايدة!، نـَعل عتيق!!.. سـِتر سِـتر!! الله يستركم اهل البيت.
يتكرر المشهد بعد ساعات، و في اليوم الذي يليه.
.. في الايام التالية، تقل اعداد فلول الجيش الغازي المنكسر، فلول المهانة، تقل الشاحنات واسراب المتسولين العرايا.
.. يفلت حامد من سجنه من جديد بسرواله الداخلي.. يمشي بجدية وحزن في الزقاق.. يلطم صدره العاري بكفيه ثم ينزل ضربات قوية بقبضة يده فوق رأسه :
quot; طوطو حيدر!.. طوطو حيدر!.. طو طو طو طووو، حيدر! quot;.. يختفي من الزقاق.
تخرج هدى حافية القدمين quot;.. وينك يا مسكين.. يا.. .quot;
يزيح تراكيب مكعباته واسطوانات صوره الهرمية فتنفرط مبتعدة.. لايجد اثرا لها فوق ارضية السطح.
quot; وانت َ لـ سبيت أهل ِ البلد ْ quot;
.. quot; عجبْ انت َ لـ ما تـِنسبي quot;
يحاول مرات ومرات.. يخرج الصوت اخيرا كشخير حزين مكتوم.
ينشط بصره فتتسع مساحة الرؤية، ينجح بلف رأسه الى حدود بيت الشيخ (مسعد) على يساره والى حدود سطح (العبيدي) عن يمينه.. يستند على الافريز الحديدي ويجهد في رفع جسده عن كرسيه.. يسقط المئزر عن احضانه.. ينجح في الاتكاء على السياج.. تلوح معالم ابتسامة باهتة على شفتيه.. يحاول ويفلح في اخذ نفس طويل عميق تعقبه حسرة طويلة تختنق بنشيج متقطع يستطيع هو سماعه.. تندى عيناه، تترطب، تزداد ابتسامته سعة..
يعود محمود..
quot; ابتعدنا في الليل عن مسار الفلول المتراجعة عبر الطريق الرئيسي.. افرادا ًهائمين، جائعين مقرورين.
.. كانت الارزاق قد قطعت تماما ليومين قبل الاكتساح.. لم يكن الجو رحيما.. برد ومطر.
ضباطنا وآمرينا استولوا على الشاحنات والعربات الموجودة في الميدان.. كان العراك فيما بينهم شرسا على العجلات الاسرع.
في المدينة التي مرت بها القوات المبعثرة لم تبق وسيلة نقل لم تختطف حتى الدراجات الهوائية والتراكترات.. .. الكل quot; وينـِك يا روحي! quot;.
كنت على يقين بأن الطائرات ستلاحق الفلول على الطريق العام.
كان الرتل الفارعلى مسافة بضعة كيلومترات عنا حين حلت الكارثة.
.. ارتال متعاقبة من الطائرات.. النيران والحمم التي تصاعدت كانت تذكرني بغيمات فطر التفجيرات النووية، لكنها كانت على حجم اصغر. وبسلسلة متواصلة من مؤخرة الركب وحتى نهاية مقدمته البعيدة.
.. كنا منبطحـَين على وجهينا، حين ابرقت ثم أرعدت وتلى ذلك عصف شديد زلزل الارض من تحتنا وغمرنا بكثيب من الرمال.
.. حين استطعنا النهوض كان القصف متواصلا على مسافات ابعد من مسار الطريق العام المفترض.. ساعتان لا غير، خيم بعدهما صمت يقشعر له البدن.. قبل ذلك، كنا نسمع دبيب الحياة في ما يصل الينا من وشوشات العجلات الفارة.
.. لا نأمة تسمع الآن، حتى صفير الريح تجـّمد.
فضول رائحة الموت الخفية تجعلك تهتز هلعا وشوقا لاستكشاف المجهول المستعصي.. في المقابر رغم هلعك تبحث عن حفرة مظلمة تقف عند حافتها، تمد فيهاّ بصرك الى اعمق اعماقها.. الى ما تحتها!.
اقتربنا حذرين.. هبـّت علينا رائحة شواء نفاذة بعبق الموت.. تقيّء صاحبي. أكان ذلك خوفا ام قرفا؟!
كتل بشرية متفحمة سوداء تمتد على طول الطريق الممتد الى ابعد نقطة في البصر، اكثرهياكل الشواء كانت منكمشة متقلـّصة، ما كان منها في مركبات مغطات، اختلطت بقايا اللحم والعظام المسودّة منها بالحديد المنصهر.
لاشك بأنه اطول سيخ للشواء في تأريخ البشرية!!
.. كانت هنالك اجزاء كثيرة منفصلة محترقة متناثرة على جانبي الطريق.. اذرع وانصاف رؤوس واقدام بأحذيتها أطارها عصف الانفجار مسافات..
استمر قيء صاحبي وقد تهالك على ركبتيه.. غطى وجهه لمدة طويلة قبل ان أمد يديّ لأنهضه، مشيرا بصمت الى ضرورة مواصلة السير.
كيلومترات طويلة وعديدة والصورة تكاد تكون هي الصورة ذاتها.
.. رغم محاولتنا ان يكون مسارنا بعيدا عن سيخ الشواء الطويل الممتد عبر الصحراء، كنا نقوم حذرين باقترابات جديدة نستقصي فيها عن قرب نهاية مشهد الجحيم هذا.
.. لا قرار ولا نهاية للجحيم!.
.. خفـّت الرئحة قليلا، لكنها و قبل ذلك، كانت قد استقطبت مئات الكلاب الضالة وربما تقاطر البعض منها من مدينتي الكويت والعبدلي للمشاركة في وليمة القائد الحاتمية الكبرى.
أشرت على صاحبي بالابتعاد عن الطريق الرئيسي والاسراع على امل الوصول الى مشارف مركز حضري قبل حلول الظلام و قبل ان تشارك قطعان الذئاب لأخذ حصتها من الهـِبة العليـّة. اضف الى ان بعضاً من الكلاب المستثارة بالروائح قد تفضل لحما طريا ً بدلا عن آخر متيبـّس محترق.
في(العبدلي)استطعنا المقايضة بكنزاتنا الصوفية مقابل بعض الارغفة.
.. في مشارف الزبيروبعد مسيرة نهار كامل، كانت المقايضة بغطائين صوفيين للرأس وفي اطراف البصرة بقمصلتينا.
.. استمرت عملية التعري (الستربتيز) حتى وصولنا الى اطراف(الكوت) وبعد عشرة ايام من الاذلال والبرد والجوع والاقدام المتقرحة المتورمة.. لم يبق خلالها خرنوب ولا اشواك طرية لم تعلف، وحين لا يكون هنالك شيء يمكن ان يغذّي او يطرّي فمنا، كنا نضع في افواهنا حصى نمصـّها ونقلب فيها في افواهنا.
على مشارف المدينة كانت هنالك شاحنات في الانتظار ولك ان تتصور فيض سعادتنا حين لمحناها عن بعد، لقد اغرورقت عيناي على حين اجهش صاحبي بالبكاء.
- سننتظر آخرين قادمين حتى تمتلء الشاحنة سنوصلكما مع هذه المجموعة من رفاقكم الى احد احياء بغداد الغنية، هناك الخير كثير، ومن يسكن في مدينة اخرى سيجد من هناك منفذا ووسيلة.. quot; الله ما يكطع بعبده quot;.. لكن اجور التعب والطريق مطلوبة quot; مو هيج؟؟ انتم زين تـَعـَرفون شحة البنزين والمواد الاحتياطية وكل لوازم الشاحنة.. انتو زين تقدرون إحنه هم ورانا بيوت وعيال فاتحه حـْلوكه َ quot;.. أشار بعينيه وبحركة رأس خفيفة الى ما تبقى فوق جسدينا!
- و الريح والبرد في هذا الشتاء الزمهرير؟ تساءل رفيقي.
- quot; انتو شباب، ما شا الله زلم خشنه!، راح تتراصفون باللوري و واحد يدفي اللاخ quot;.
وخلعنا عنا آخر ما يمكن خلعه، بنطالينا واحذيتنا.
.. كانت هنالك شاحنة كبيرة قريبة يـُجمع فيها كل ما يمكن جمعه من الاسلاب. quot;
تدحرجت اسطوانة مصوّرة بتقطيع بطيء، امامي الآن سكان شواطيء المانش الانكليزهم وقواربهم في عتمة
الليل، آلاف تعبر لجة البحر الى (دنكرك)
اتابع حامد وهويفر ّ مرة اخرى من محبسه، ولكنه في هذه المرة كان في كامل قيافته، بدلة عاتمة زرقاء، حذاء من الروغان اللماع، غترة حريرية بيضاء وعقال أنيق أسود
.. مشى مختالا بعد ان عد ّل حواشي غترته ورفع رأسه بشموخ وعلا صوته
quot; أمجاد يا عرب امجاد.. في المحنة كرام اسياد.. أمجاد يا عرب امجاد!! quot;.
.. استمر في انشاده الى أن إختفى عند زاوية الزقاق.
.. علا صوت هدى مستنجدا مناشدا :
quot; وينك يا مسكين.. وينك...؟! quot;
الجو غائم، لكنه في نفس مكانه من السطح، يجلس فوق الكرسي ذاته غير ان الدثار الذي يلتف ّ به كان اكثر سمكا.
عيناه ما زالتا مشدودتين الى الاشكال التي رسمها سخام المطر الاسود على واجهات البيوت امامه، لم تتبدل حدة حواشيها ولا هيئاتها حتى بعد أن غسلها مطر الله المألوف.. لابد ان ما حملته تلك المطرة المشؤومة كان حبرا صينيا مخففا! ً.
باب بيت هدى امامه لم ينفتح ليومين، ولم يظهر حامد في عروضه الغريبة في الزقاق.. لم يستطع الافلات، يبدو ان الأقفال قد احكمت عليه اكثر من السابق.
تتضبب رسومات الواجهات المحبرّة امام عينيه ثم تتلاشى.
.. تطفو اهرامات مكعباته وهيئاته الاسطوانية وتنفرط، فارشة امام شاشة وعي الذاكرة مقاطع اشرطة مصورة تختلف درجات وضوحها..
ارتجّ البيت في زلزال عاصف صاخب وتناثرزجاج النوافذ.. وجد نفسه وزوجته مرميين عن سريرهما فوق ارضية الغرفة.. تلمس احدهما الآخر في حلك الظلمة.
- أأنت َبخير؟
- أأنت ِ بخير؟
امسك احدهما كف الآخر وبدأ البحث الصعب في حالة الانشداه تلك عن الباب.
.. دون اية كلمة توجها الى الغرفة الصغيرة المنزوية المجاورة.. جلسا في الظلمة على التخت المجاور لبابها بصمت، حتى استردا نفـَسيهما.
- لقد قصفوا برج المرسلات والاتصالات على الارجح.
وكان الامر كذلك.
- ألم اقل لك انهم سيضربون! قالت بصوت مرتجف واهن.
- لم اكن اتصور انهم جادوون في القضاء على اكبر حليف لهم في الشرق الاوسط.
لم يكن برج المرسلات ذاك، يبعد عن المنزل باكثر من مئة وخمسين مترا. وليته البقعة الهامة الوحيدة.
.. بضع عشرات من الامتار عنه، (يشمخ) مجمّع المخابرات الضخم و على مبعدة اقل من مئة متر يمين الدار، معسكر تدريب جنود المخابرات والاستخبارات ودائرة الانضباط العسكري.
خلف الدار بمئتي متر مجمع بيوت الوزراء وساحة الاعدامات (بالطبع تحت اسم ساحة التدريبات الخاصة) حيث كثيرا ما كانت تصل اليهما منه لعلعات الرصاص قبل اذان الفجر.
وهكذا لم يكن قصف المرسلات الصاروخي هو الزلزال الوحيد الصاخب تلك الليلة.
عند الصباح وبينما كان يحاول ان يسد بعض ثغرات النوافذ بصفائح كارتونية، ويعيد ظلفة الباب الرئيسية المخلوعة الى موضعها بدت مظاهر حركة هجرة جماعية من البيوتات المجاورة
.. تقدم احد الجيران منه متسائلا في حيرة quot; لا اراك في عجلة لمغادرة المكان؟ quot;
ذهبوا الى مدن اهاليهم او اقاربهم، هذا الى(راوه) وذاك الى(الفلوجة) و(عانه) و (النجف) و (الخالص)..
.. حضر اولاده وامهم من البيت الآخر ونزلت ابنته من سيارتها ترتجف رعبا كعادتها في مثل هذه المواقف.
- اسرعْ، هيا اسرعْ معنا الى بستان اصدقاء لنا في ديالى.. اسرعْ! اسرع ْ!.. العفو اسرعا، اسرعا وتعالا معنا رجاءً.. الكل مغادرمن حولك!
- لكني لا انوي المغادرة.. لم اعتد على ترك المكان الذي اعيش فيه.
اجابها بهدوء و بابتسامة مطمئنة، وواصل حديثه محتضنا اياها برفق:
-نسيتي اني لم اغادر مسكني في البصره ولا مرة واحدة لست سنوات من الحرب كانت الدار حينها في قلب مواقع القصف.. كنت انقلكم الى مكان آخر آمن واعود الى ديرة كانت قد اقفرت تماما.. الافضل خذي سيارتي هذه فهي آمن واوسع.. وسيارتان عندكم في مثل هذا الظرف خير من واحدة.. ستبقى عندنا الاخرى الاصغر وفيها كفايتنا.
لم يمنع تحصين الغرفة المنزوية الصغيرة من ان تـُزخرف اعالي جدرانها بالشظايا و اصبح الوصول الى المرافق الاخرى في البيت خطرا خصوصا في ساعات الليل غير انهما كانا محظوظين، فركن المؤونة والحمام لصيقين تماما بالغرفة الصغيرة واصبحت مدفأة علاء الدين داخلها هي المخبزو الفرن والطباخ ومصدر الانارة علاوة على التدفئة في ذلك الشتاء قارس البرودة.
كان يوصل زوجته الى مكان عملها عبر شوارع شبه مقفرة، وهي ترتجف هلعا طوال الطريق من اصوات القصف المتفرقة.. بعد انتهاء عمله يعود لاخذها، صامتة مفزوعة طوال الطريق..
اسبوع.. اثنان من القصف والرعب، و تمرض.. اسهالات وقيء.. انزفة رحمية متكررة.. اقسام الطواريء في المستشفيات على اشدها زحاما واسؤها خدمة.. يصاب بالفزع خوف فقدانها.. quot; أما من فرج.. أما من خلاص؟! متى تزاح الغمة؟! متى ينتهي وتنتهي معه حروبه اللعينة.. يارب ليتني اكون مخطئا وانهم جادون فعلا في الخلاص منه.. يارب! quot;
تستمر الحمم والصخب الهادر والوميض الفضي اللامع ، واحتراق السماء باللهب الاحمر الذي يليه.
الشظايا التي كان يلمها عند الصباح كل يوم من الغرف والسطح والتي كان يضعها في وعاء خزفي، زاد وزنها عن ثلاثة كيلوغرامات.. يتشاءم من جمعها.. يدفنها تحت شجرة زيتون في حديقة المنزل.
اصبحت الحديقة المكان الآمن، غيرالموحش الوحيد لكل كلاب المنطقة.. كانو ونيسهما، شاركوهما في الزاد العسير وبترحاب، فقد اقفر الحي من سكانه.
كثرت الضحايا.. وعادت قطع القماش السوداء معلقة هنا وهناك.. عادت قوافل جنازات القادسية الثالثة الى الظهور
.. النعوش المارة الى مقبرتي الفلوجة والنجف تعبر مسرعة امام داره.
يضع يده في يدها حتى تستطيع بعد جهد ان تغفو على التخت الضيق في السويعات القليلة حين يبتعد القصف، يمد جسده على فراش مجاور على الارض وينصت من مذياعه الصغير الى اذاعات العالم(مونت كارلو)، الـ(ب ب سي) ، القاهرة، عمان.. الكل يناشد القائد الصامد على القبول باحد عروض عديدة لانسحاب مشرف ودون شروط مجحفة.. quot; يا رب!! quot;، الآف في مثل حاله او اسوء منه، ملايين تدعوا وبحرارة من الاعماق ان يستجيب.. .صامد، صامد عنود بطل.. وليس كل العناد حمق!، فالضحايا ليسو إلا قرابينه!.
الانذار الاخير!.. ستعبر قوات العالم المدجج بكل بدع الموت الجماعي.. ستعبر عند منتصف هذه الليلة على حشود ه
من الجياع المقهورين والمرتجفين بردا وهلعا.. حشود مسكينة لا خيار لها في اشكال الموت التي يُزج بها دون قضية اوهدف مقنع.. لا، بل و كل ما هو شائن وعدواني.. لا خيار لهم في الحياة.. لا خيار في الموت.
في ساعة الهجوم.. جاء أمر الانسحاب من (محافظة) الكويت.
ينصت الى الخبر : quot;.. بتدخل عاجل من الامم المتحدة وبعد الموافقة على الانسحاب الفوري الكامل من اراضي الكويت.. سيتم وقف القصف على مدينة بغداد في الساعة الثالثة والنصف بتوقيتها المحلي.. . quot;
- اسمعتِ، اسمعت ِ يا حبيبتي انها نهاية المحنة والطاغية.. سنستمع معا غدا صباحا الى البيان الاول لحكم جديد يعلن نهاية الحروب والمذابح والقهر.. غدا مهرجانات الناس في كل زاوية من البلد الجريح.. احتفالات حتى في تكريت والرمادي..
بدأت الحمم تنهمر على محيط سكناه.. ليلة ولا كل تلك الليالي المزلزلة.. كانهما هما فقط مركز تلك المعركة..
.. ارتجاج ضخم، ماد َ البيت من تحته في اتجاه وعاد الى مكانه، مع استمرار اهتزاز خفيف اعقبه.. احس بان لم تبق اية باب إلا وانخلعت، وتطايرت آخر الشظايا الزجاجية العالقة في زوايا النوافذ.. quot; لابد وانه انهيار الجسر المعلق غير البعيد!! quot;.
كثرت الشظايا التي كان يُسمع ازيزها وارتطامها بعد وميض الانفجارات وهزيمها، مخترقة طبقات الالواح الخشبية التي تدعم النوافذ العارية.. الواح لاتتعدى وظيفتها الاحساس المخادع ببعض الطمأنينة..
يسمع اصطكاك اسنانها ويزداد اختضاض كفها المتمسكة به.. يسمع صرير خوف خشب التخت المرتعش تحتها.. يرمي بجسده فوقها ويحتضنها بعطف بالغ.. يقل اصكاك اسنانها ويخف اختضاضها.. تغفو اخيرا، او هذا ما خيل اليه.
يتوقف القصف في الثالثة والنصف فجرا.. صمت له رنين.. لقد توقف القصف يا حبيبتي!!
.. دعها في نومها.. ساعات قليلة واوقظها على نشوة البيان الاول لعهد حكم جديد، حكم لا يمكن الا ان يبث الأ مل في ملايين المذلـّين المهانين.. سيبزغ فجر أمل جديد.
يغفو ساعتين.. الساعة تقترب من السابعة.. يدير مفاتيح المذياع.. يجد ضالته اخيرا.. الصوت مشوش قليلا ولكنها اذاعة بغداد.
- إصحي ياحبيبتي.. إصحي ولنستمع سوية ً!!
.. لا جواب!
يكرر بصوت اعلى ونغم أرق.
- اصحي لنسمع البشرى!
.. لاجواب!!
يهز الجسد البارد.. يهزه بذهول
.. يعلو صوت المذياع بنشيد الجوقة:
quot; إلنـَه َالـَنصِـرْ والنـَصِـرْ غالي.. صدام يا رمزْ المعالي quot;.









التعليقات