من رواية الاغتصاب إلي ديوان موائد الحنين
إصدارات شمس محاولة للتمايز وسط انتشار واسع للنشر الخاص في مصر
محمد الحمامصي من القاهرة: جاءت مؤسسة شمس للنشر والإعلام لتشكل منفذا جديدا في عالم النشر في مصر دون الوقوف علي نشر الأعمال المحلية ولكن فتحت بابها لأعمال الكتاب العرب والمهاجرين، و في محاولة للتمايز واستقطاب مبدعين مصريين وعرب وسط انتشار واسع لدور النشر الخاصة في مصر وتدفقات النشر العام الذي تقوم به مؤسسات الدولة تنوعت إصداراتها ما بين القصة والرواية والديوان الشعري والدراسة،ومن بين الأعمال التي قامت بنشرها هذا العام 2008 وتحقق هذا التنوع:
الأوبانيشاد
(الأوبانيشاد Upanishads) للكاتب والأكاديمي العربي المقيم في السويد عبد السلام زيان و quot;الأوبانيشادquot; هو أحد الكتب المقدسة الهندوسية القديمة، ويحتوي على معلوماتعَن الله والحقيقة السامِية وأسطورة الخلق، ويعد المرجع الرئيسي للسلطة الدينية للهندوس.وهذه النصوص لم تعرفها اللغة العربية في أيعصر من عصورها، بل رُبَّما لم تسمع الثقافة العربية بها منذ العهد العبَّاسي حتى اليوم. فحسب الوثائق التاريخية، أقْدَم محمد بن أحمد البيروني في العصر العباسي على ترجمة جزء من quot;بهاجافاد جيتاquot;، ولكن لسوء الحظِّ ضاعت مخطوطته ولَمْ يُعثر عليها حتى اليوم. يقول المؤلف في مقدمة كتابه: إنَّ الوثائق التاريخية والنصوص التي بحوزتنا لا تُمَكِّنُنا من حَصْر الأشخاص مِن فلاسفة أو مؤرخين الذين كتبوا عن الأوبانيشاد. إلا أنَّنا توصلنا حاليًّا لتعدَاد وجَرْد مئة وثمانية كاتب، ومما تجدُر ملاحظته أنَّ هذه الكِتَابات أو الأدبِيَّات اختلفت مِن حيث غزارة المادة أو من حيث الشكل. فمنهم من اختار شكل القصائد ومنهم من كتب في شكل نثر، ومنهم من مزج الشعر بالنثر.
ويتمادَى الاختلاف ليشمل مُحتَوى النصوص في نفس الكتاب؛ حيث إنَّنا نجد في بعض الأماكن حِوَارات وحكايات بسيطة جدًّا، وفي أماكن أخرى نجد نصوصًا نظريّة فلسفية. على أنَّه يمكننا الإقرار بوضوح أسلوب الأوبانيشاد، حيث إنَّهم يَنقلون الإنسان مِن موضوع جدّي يبحث في كل ما هو باطني مباشرة، إلى حكاية صغيرة سهلة الفهم، ويقال إنَّهم يقومون بذلك عمدًا حتى لا يُقلقوا التلميذ.
ويضيف: بمرور السنوات، وبتعمقي في البحث، اكتشفت مدى تأثير هذه النصوص التي كتبها حكماء الهندوسية منذ آلاف السنين بذلك الأسلوب البسيط، عن كبار فلاسفة الإغريق كأرسطو وأفلاطون... إلى أبي مدرسة الإسكندرية إفلوطين المصري. كما أدركت تأثيرها المباشر على بعض فلاسفة العصر الحديث مثل شوبنهاور الذي قال: quot;إن ترجمةَ الأوبانيشاد إلى اللاتينية سنة 1818 هو أكبر إنجاز لهذا القرن مقارنة بكل القرون الماضية... الأوبانيشاد هم عَزَائي في الحياة وسيكونون كذلك في لحظة موتيquot;. ناهيك عن الدور الذي لعبته هذه النصوص في تغيير مُجرى حياة بعض شعراء الرومانسية الألمان، وعديد مِن كِبار مثقفي أوروبا وقت ظهور ترجماتها إلى اللغات الغربية.)
موائد الحنين
(موائد الحنين) ديوان شعري للشاعر الاماراتية فواغي بنت صقر القاسمي رئيسة مجلس أمناء مؤسسة الشيخ خالد للإبداع والتميز، من قصائده:للألق وهلة اختراق
وللألم صرخة احتراق
وبهما ليس الصمت وحده ينبت شجرة الانفجار في نواة السكينة
فللنبض مرضاته وقامته التي تنحني أمامها صرخاتنا
والنصوص لا تنتهي عند ضفاف العتمة
ولا تعيرها الشمس شيئًا من حريقها
لكنها الحية الباقية دونما إشعار أو اختيار.
وللروح مسارات شجن / ألم
لا تخطئ الوصول برغم تكسر الدروب
وغفلة الحذر..
ترتق ما تمزق من أقدارنا
كي تستقيم عثراتنا
ونحن سائرون بمشيئة لا إرادة
فتلاشت لدينا فروق البداية والنهاية
شرفة نصف مغلقة
(شرفة نصف مغلقة )عنوان المجموعة القصصية الأولي للكاتب الشاب عمر القيصر، وهي تعد خطوة جديدة وتجربةمغايرة في المشهد القصصي المصري حيث تعلو الأصوات بموت القصة القصيرة، وشيوع وهيمنة زمن الرواية، وها هو قاص شاب ينشر للمرة الأولي يكذب تلك المقولات. ويقدم لنا تجربة لها طابعها الخاص، ولغتها المميزة لها، ويقدم لنا أيضا رؤية مغايرة لقاص شاب حيث يتوقع منه أن يقدم عالما ذكوريا تكون المرأة فيه مجرد مفعول به، وموضوع للكتابة، ولكننا نجد في هذه المجموعة رؤية سيكلوجية تتسم بالليبرالية وتقبل عالم المرأة، بل والنجاح في توصيفه، فرؤية الكاتب وخطابه، بها روح متسامحة، ولغة دالة ومحملة بالمجاز، وطرائق سردية تتوزع ما بين التقليدية والحداثية. يقول عنها الناقد سيد الوكيل: quot; ينبغي بداية الوقوف أمام هذا العنوان المخاتل، لا باعتباره عنوانا مراوغا يشير عبره القاص إلي دلالة مهمة تشير إلي رغبة في رؤية العالم ولو عبر شرفة نصف مغلقة، هي حالة من البين بين.. لذات لا تري العالم تماما.. ولا تبتعد عنه تماما.. بل تراه عبر مونولوج داخلي كاشف أكثر مما هو دال.. ويتحول العنوان إلي علامة سيميولوجية فالشرفة هنا تتجاوز دلالتها المباشرة، لتصير علامةnot; وفق التحليل السيميولوجيnot; دالة علي الرغبة في كشف العالم والتواصل معه.
تتحول عناوين البدايات من عناوين دالة إلي عناوين كاشفة عن الفضاء القصصي للمجموعة، فهو يبدأ مجموعته بدخول يعد مغايرا يبدأها بمفتتح quot; بدايات quot; يقسم بداياته إلي الساعة الأولي / اليوم الأول / الأسبوع الأول / الشهر الأول / العام الأول.. تري هل هي بدايات الكاتب أم بدايات الذات الساردة التي تستقبل الحياة، يراوغ الكاتب ولا يسرب لنا ما يقيده بنسبة تلك البدايات إلي أيهما.. مشاهد سردية قصيرة، متتابعة رأسيا.. كل سردية تكشف عن لحظة نامية مؤدية للحظة تالية.. يمكن اعتبار هذه السرديات هامش الفضاء القصصي... وفي لحظة ما يتحول الهامش إلي متن... فمساحة الكشف التي يقدمها الكاتب عبر لغة قصيرة ومتلاحقة توصلنا إلي حالة تعيشها الذات.. حالة من الفراغ والوحدة.. حالة ربما تبرر سرديا ذلك التوحد الذي تعيشه الشخصية الرئيسة في المجموعة.
كما يراوغ في استخدام الضمير حتى أنك لا تعرف المتحدث بضمير المتكلم هنا رجل أم امرأة.. ولكنها علي أية حال البدايات لنر ماذا يقدم لنا الكاتب في شرفته النصف مغلقة quot;
مقهى مراكش
(مقهى مراكش) هي عنوان الرواية الأولى للشاعر العراقي المغترب quot;منعم الفقيرquot;. صدرت النسخة الفرنسية لها عام 2006، والنسخة الدنماركية عام 2007. تبدأ الرواية ndash; التي تدور أحداثها بين مدينة الصويرة المغربية، كوبنهاجن، وبغداد- بلقاء عراقيين مصادفة في مقهى يطلق عليه quot;مراكشquot; يقع في مدينة الصويرة الساحلية. الأول: بهاء يستقر فيالدانمارك بصفة لاجئ سياسي، بعد التنقل بين عدّة منافي عربية. والثاني: ربان البحر، مهاجر يتخذ من الصويرة قاعدة للانطلاق نحوَ مدن تتسع لأحلامه. كلاهما يقاومان مدناً محتلة بغيابهما. وبعد عدّة لقاءات تتوطد الثقة بينهما. ويؤكدان بالتصرف اليومي والعفوي خلوهما من quot;أمراض الاستبدادquot; وأعراضها هي: الخوف، التخويف، الحذر، الريبة والوشاية.
يضع كل منهما الآخر في صور ماضيه في الحب، والهرب من إلقاء قبض، أو من سوق إلى حرب. يأتمن كل منهما الآخر على ذكرياته، فذكريات المهاجر أو المنفي أمجاده وثروته. الماضي صرح الذكريات، ومن لا ذكريات له لا ماضي له، ويتصدع الماضي بتسيلم الذكريات بالنسيان. إنهما أعزلان ومعزولان يستغيثان بالعالم من جور الدولة على وطنهما..
تحفل الرواية بمشاهد الحب، الجنس، القمع والحرب. وتستند في بنائها الدرامي إلى جوانب من سيرة المؤلف الشخصية، ومن سيرة أشخاص عرفهم، حد تبني ذكرياتهم، ومن وطن انعدمت فيه فرصة التعرف عليه، وطن شغلته الدولة عن مواطنيه بالقمع، افتعال الأزمات، تفعيل الحرب والتكثير من الدعوات إليها. وهنا فعل الكلمة لا يقل عن فعل الطلقة فكلاهما سواسية في الذنب والمسؤولية.
عن الرواية يقول الناقد والروائي خضير ميري:في مقهى مراكش يمتزج العالم بأبعاد شتى من الضياع والحلم والوجع؛ مُسكراً ربما أو سكراناً؛ في التيه والهروب إٍلى الذكريات. كل هذا والشعر باقٍِ ومزدهر وراقص في أعصاب الكلمات، فمنعم الفقير مازال هو الشاعر المتأمل المتسائل المحتال على الوجود واللغة والعدم الأرضي، وما روايته الأولى إٍلا طريقة أخرى في بناء رؤية شعرية إلى العالم والحب والشهوة الأولى حين يتقابل الكون ويتعادل مصيره في المنفى الأرضي كدليل على المنفى الكوني - لعبة روائية خطيرة - استعادة المفقود في الموجود، وإطلاق السرد على هواه، فعندما تكتمل الرؤية تتيه العبارة، ومقهى مراكش باحثاً عن التيه والضياع داخل تلافيف خلايا شاعر مهم مازال يتيه فى هواه باحثًا عن الوطن، أو عن ذكرى الذكرى البعيدة والقريبة حتى الجنون.
وليس غريبًا أن تحرز هذه الرواية اهتمامًا ملحوظًا في أوساط الثقافة الدنماركية حال صدورها بالدنماركية فى جزئها الأول. فالهم الإنساني لا حدود تردعه، و لا وطن يختصر عليه. ولعل منعم الفقير يستحق أن يحقق عالميته شعرًا و سردًا، وهو المنفي أبدًا، الراكض على الغيوم حالمًا و شاعرًا غريبًا حتى على الكتابة العربية. ترى ما الذي يحدث لو ذهبنا إليه هناك، وضربنا معه موعدًا، وأخذنا رشفة من الضياع في مقهى مراكش؟
الاغتصاب
بعد تجربته الممتدة في مجال أدب الخيال العلمي، وحصول روايته quot;القرنفل لا يعيش في الصحراءquot; على جائزة كومار الذهبية عام 2004، يطل عليناالأديب والروائيالتونسي الهادي ثابت في تجربة أدبية جديدة هي رواية quot;الاغتصابquot;، والتي لم تحظ بأي فرصة للنشر لأكثر من عشرين عاماً بسبب جرأتها في تصوير المشهد السياسي والأيدلوجي في تونس في فترة الستينيات، ورصد التحولات السيسيولوجية والسيسيوثقافية التي حدثت في المجتمع التونسي، مما جعل الناشرين يتهيبون من نشرها.
يقدم لنا الهادي ثابت في روايته عدداً كبيراً ومتشعباً من الشخوص التي تتقاطع وتتوازى لتمثل المشهد السيسولوجي والثقافي للمجتمع ما بين العاتي وعمران وبرهان ووردة وهرقل وفرجاني والإسطمبولي وغيرهم. شخوص سحقتهم الهزائم و الانكسارات بشتى صورها علي اختلاف توجهاتهم. بطل الرواية الذي يمثل الشعب التونسي هو ذلك الشاب العاتي الذي يسجن في أحداث الشغب التي تلت موت الفتي في زقاق حي البرج، يسجن العاتي، ويتعرض للتعذيب بشتي أنواعه حتى يشي بأفراد التنظيم، إلا أنه يرفض أن يبوح بأي معلومات عن التنظيم اليساري الشيوعي، فيتعرض للاغتصاب علي يد معذبيه، ورغم إيمانه الشديد بقيمه ومبادئه إلا أنه يتحول في النهاية نتيجة للهزائم المتكررة والاغتصاب الجسدي والفكري الذي تعرض له.
بعد فشل رحلته عبر التنظيم اليساري يذهب إلي باريس وهناك يقابل واحداً من الأصوليين الذي يتحايل عليه بشتى الوسائل النفسية حتى يستميله إلي فكر مناهض ومغاير تماما لقناعاته السابقة، ثم يعرض عليه أن يسافر إلي باكستان في رحلة تبدو مبهمة، لكن العاتي أمام الضغط النفسي والخيانات التي تعرض لها يقبل بالسفر، ويميل إلي تبني الفكر الأصولي. يتحول من أقصى اليسار إلي أقصى اليمين، يتمّ غسل مخه ويجند من قبل الراديكاليين الأصوليين ويسافر إلي باكستان.
الاغتصاب أخذ في الرواية تجليات وتمظهرات عديدة: اغتصاب الجسد الذي تعرض له العاتي، وتعرضت له أيضا وردة تلك الفتاة التي انخرطت في التنظيم، واغتصاب الروح الذي يتعرض له المجتمع كله.. واغتصاب الفكر الذي تعرض له المثقف...
ينجح الهادي ثابت من خلال سرده الشفاف المملوء بالتحليل والاستنطاق والوصف، في تفكيك وزلزلة الثوابت الراسخة من خلال تركيب صورة خاصة للشخصيات التي تساعده في بناء العالم التخييلي للنص. كذلك نجح الكاتب في رصد تفاصيل المكان بلغة بصرية موفقة.
أما الزمن في الرواية فقد جاء بصورة تراتبية، نما الخط الزمني نمواً متصاعداً منذ لحظة الحدث الأول وهو مشهد قتل الفتى، وحتى المشهد الأخير وهو سفر العاتي إلي باكستان، وكأن الرواية جاءت بين قوسين زمنيين مفتوحين علي نهاية تفتح أفق التوقع لدى القارئ.
وقد أجاد الكاتب استخدام السرد عبر الراوي العليم القادر على الغوص داخل الشخصيات ووصف نزوعاتها وآلامها وأحلامها، كما ساعدته اللغة الشفافة في توصيل المعني فيما يشبه الطلقة الموجهة إلى هدف محدد هو كشف المسكوت عنه في الماضي التونسي والعربي.