الكتاب : رواية جورج أورويل 1984
ترجمة أحمد عجيل
الناشر: المكتبة العالمية ndash; بغداد 1990

حسن ناصر: الحديث عن الترجمة العربية لرواية جورج أورويل 1984 هو بالضرورة حديث عن تجربتين كتابيتين: الأولى هي تجربة مؤلف النص الأصل؛ الإنكليزي جورج أورويل الذي كتب الرواية عام 1948، والثانية تجربة مترجمها الى العربية د. أحمد الربيعي (أحمد عجيل كما يظهر على الغلاف) وظروف وحيثيات عملية الترجمة. وأقول إنهما تجربتان ايمانا مني بأن فعل الترجمة الأدبية هو اعادة كتابة نص ما . وأود هنا أن أتناول التجربتين من زاوية مفارقة تبدو مثيرة، لكن هناك ما يلزم ايضاحه أولا بصدد مفهوم الترجمة وما يعتريه من اشكالات.
يمكننا النظر الى عملية الترجمة (الأدبية بشكل خاص) من زاويتين مختلفتين، الأولى باعتبارها عملا ثانويا آليا مفترضين أن النص الأصل قوالب لغوية معينة يوجد ما يطابقها تماما في اللغة المُترجَم اليها ولا يتحتاج المترجم أكثر من جهد ترتيب تلك القوالب. والثانية باعتبارها اطلاق حياة جديدة للنص الأصل (حسب وصف والتر بنجامين)(1) باعادة خلقه بأساليب تعبيرية مغايرة في بيئة لغوية وثقافية مختلفة عن البيئة اللغوية والثقافية للنص الأصل. ولأن فهمنا المعاصر للغة يفيد بأنه ليس هناك في اللغات قوالب متناظرة متطابقة المعاني وأن عملية نقل نص أدبي تعني تفكيك شفراته واعادة تركيبها من منظور لغوي وثقافي آخر، لنتفق اذا مع بنجامين على أن الترجمة التي تستوفي شروطها التقنية والفنية هي قيامة النص في لغة أخرى وأن المترجم برزخ تلك القيامة.
الترجمة الأدبية باب واسع في دراسات الترجمة الحديثة على الرغم من الرؤية التجريدية لبعض الدراسات اللسانية التي ترى أن المهارات التي يحتاجها المترجم هي في نهاية الأمر واحدة سواء كان النص المترجم صغيرا في اعلان أو كان رواية بحجم الحرب والسلام. لكن خصوصية الترجمة الأدبية كما تراها دراسات أخرى تكمن ليس في خصوصية اللغة الأدبية وحدها بل في دورها، ودور الأدب في تلك اللغة والثقافة. من هذا المنظار أود أن أتناول ترجمة الدكتور الربيعي لرواية 1984 والمفارقة التي يثيرها التقاء تجربتين كتابيتين في لغتين وثقافتين مختلفتين.
كتب أورويل روايته هذه في ظروف صحية ونفسية صعبة ووصف فيها تصوراته التنبؤية لعام تسود فيه سلطة الحزب الواحد الشمولية وآلياتها في الحكم وادارة الدولة. وتنطوي الرواية على الرغم من أجوائها السوداوية على حس بالسخرية ومبنية على اثارة المفارقة بين المستقبل والحاضر الذي كانت تشهده انكلترا وما يدور في ساحتها من صراع سياسي وآيديولوجي في ذلك الحين. ومعروف أن أورويل باعتباره من مناهضي التوليتارية قد كرّس جهده الأدبي ضد شيوعية الاتحاد السوفياتي والتي كان يرى فيها طوطمية سياسية أراد فضح اساليب القمع والرقابة والدعاية التعسفية فيها. وقد اندفع أورويل في هذا الاتجاه على المستوى الأدبي والشخصي ليكون هو نفسه كما يراه الكاتب ميلان كونديرا كاتبا توليتاريا بتعصبه لأفكاره (2)، لنا أن نوافق كونديرا على رؤيته أو لا، لكن الرواية تبقى سياسية أو هي بالأحرى كوميديا سياسية موجهة لدحض آيديولوجية بعينها. صدرت الرواية في عام 1949 وكانت تسير في مجرى الاتجاه العام لسياسة مكافحة الشيوعية، بمعنى آخر انها كانت تجاري التيار العام في السياسة ولعلها كانت مرغوبة من قبل الطبقات المتنفذة أيضا.
توفي جورج أورويل في كانون الثاني من عام 1950، اي بعد عام واحد من صدورها وعامين من كتابتها . كتبها أورويل في 1948 وقلب الرقمين الأخيرين ليري الوجه المستقبلي لهما. حين حلَّ عام 1984 تألقت الرواية مقترنة بالرقم الذي أختاره أورويل لكوميدياه. أستيعدت الرواية في ذلك العام وتم الاحتفاء بها نقديا. كانت تنبوءات أورويل موضوعا ثانويا فالتاج مازال تاجا في بريطانيا بينما بدت التوليتارية السوفياتية منهكة كهلة استنفذت كل طاقاتها من المبالغة والتلفيق والاكراه.
أما في العراق، فكانت الحرب دائرة ومنظمة الى حد مخيف والأخ الأكبر مجسدا بلحمه وعظمه. كانت الرقابة صارمة والوشايات المهلكة أحداثا يومية والتظاهر بالولاء زيا موحدا. في هذه الأجواء تم فهم رواية أورويل على أنها رسالة سياسية تفضح مايجري وهكذا انتقلت الرواية الى سياق آخر في بيئة ثقافية مختلفة وفي نظامي نشر وتسويق مختلفين.
قام الدكتور الربيعي بترجمة الرواية عام 1990 وصدرت وكان فعل ترجمتها يمثل تحديا بحد ذاته لتشابهها الذي لن يكون بامكان حتى الرئيس نفسه الطعن فيه. الكوميديا السوداء التي أراد أورويل من خلالها ابراز الفوارق بين زمن كتابتها وعام مستقبلي مفترض، أصبحت مثيرة بتطابقها مع واقع الحال السياسي، أعيد انتاج دلالاتها في زمان ومكان آخرين فاختلفت الرسالة وسياق تداولها. لم تعد هناك مفارقة زمنية تُفسّر الرواية على أساسها كما أراد لها أورويل في النص الأصل بل كان هناك واقع كوميدي مزري وبلد يُدار كأنه حضيرة من قبل سلطة تعسفية كان همّ المترجم أن يحدد الاشارة اليها (باختيار ترجمة هذه الرواية تحديدا في تلك الظروف).
إن انزياح المعنى في النص المترجم عن النص الأصل لا يتعلق بالملامح اللغوية و النصيّة في رواية أورويل فهذا مما ظلَّ له المترجم مخلصا بل في زمن النصين ومكانهما . وهذا أمر ليس بنادر الحدوث في عالم الأدب عموما والرواية تحديدا وهو بحد ذاته اشارة الى ديناميكية النصوص الأدبية في مقابل النظر اليها كحالة ثابتة ومصكوكات يتم تبادلها عبر نظم لغوية مختلفة.
كانت المطابع العراقية في تسعينات القرن العشرين مكرسة لنشر أدب رديء يكتب ضمن مواصفات دعائية ترسمها السلطة التوليتارية وهكذا صدرت رواية أورويل - بتجليها العربي على يد الربيعي- عن دار نشر خاصة بامكانيات طباعية بسيطة لتكون اشارة الى وجود تيار آخر يقترح رؤية مغايرة لدور ورسالة الأدب، تيار يرفض العام وينتفض ضده . إن الدور الأدبي الذي كان مرسوما للنص الأصل هو غير الدور الأدبي للنص المترجم قطعا ولعل في هذا عنوانا عريضا يجمع كل المفارقات الآخرى التي اتاحتها الترجمة العربية لرواية أورويل في بغداد عام 1990.
Walter Benjamin, 1923. ldquo;The task of the translatorrdquo;.(Translator: Harry Zahn) The Translation Studies Reader, Ed. Venuti 2003. London: Routledge. (pp. 15-25)
Kundera, M. 1995. Testaments Betrayed)2Translator: Linda Asher) (p. 225). London: Faber and Faber