كامل الشيرازي من الجزائر: تخطط مراجع ثقافية جزائرية حاليا من أجل تصنيف رائعة حيزية الشهيرة في الجزائر ضمن الرصيد التراثي العالمي، ويتعلق الأمر بحكاية quot;حيزية وابن عمها سعيدquot; الواقعية الموصوفة بكونها من روائع الشعر المغاربي، وهي حكاية حب عظيمة خلّدها الشاعر الشعبي الجزائري الكبير quot;رابح بن قيطونquot; في قصيدة عنقاء مطوّلة استعرض فيها حكاية الحب المحزون الذي جمع الحسناء حيزية ( 1855/ 1878) بابن عمها سعيد وعشقهما المجنون الذي صار خالدا في الذاكرة الجمعية وأدبيات التراث الشعبي الجزائري.

ويتّم في الوقت الراهن إعداد ملف تفصيلي موثّق حول حكاية quot;حيزية وسعيدquot; التي شغلت الدنيا وملأت الناس، وقصة حبهما الحزينة المليئة بالمعاناة بين عاشقين متيمين، ويريد عرّابو المبادرة ضبط المعلومات التاريخية حول شخصيتي حيزية وسعيد، حتى يتّم التصنيف بشكل دقيق بنهاية السنة الجارية.

وتعتبر حيزية التي عاشت في القرن التاسع عشر الميلادي مثلما هو متداول، إحدى جميلات الريف الجزائري، حيث عاشت بمنطقة بسكرة (560 كلم جنوبي العاصمة) وكانت على قدر كبير من الجمال والحيوية ونقاوة السريرة، ويقول الرواة أنّ حيزية تنتمي إلى عائلة الداودية وُلدت وترعرعت في بيئة تقليدية بضاحية سيدي خالد.

حيزية هي قصة طويلة تروي قصة حب بين فتاة تنتمي الى عائلية الداودية المنتمية إلى قبيلة بني هلال ويقال إنّ لعائلتها جذور مع عائلة الباي الحاكمة في حاضرة قسنطينة أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، وعلى غرار سكان المنطقة، دأبت عائلة حيزية على الترحال المستمرّ، خصوصا مع حلول موسم الصيف، أين كانت تتجه نحو الهضاب العليا الشرقية في الجزائر، قبل أن تعاود معانقة الواحات بمجرد اقتراب فصل الشتاء.

ووسط هذا الترحال نشأت علاقة حب عذري بين هذه المرأة المليحة وقريب لها يُدعى سعيد، هذا الأخير كان مولعا بحب بنت عمه، وهو وصال كلّل بالزواج لكن الموت خطف حيزية بعد فترة وجيزة لم تتعدّ الـ40 يوما من زواجهما، حيث رحلت حيزية وعمرها لم يتجاوز الـ23 سنة، فانغمس زوجها في حزن عميق وسرعان ما التحق بها بعدما أكمل أيامه هائما ممزوقا، ويوجد ضريح حيزية وسعيد وسط مدينة سيدي خالد إلى غاية اليوم.

وتفنّن الشاعر بن قيطون (1843 - 1907) في تخليد قصة حيزية وسعيد وذلك في عمل شعري متفرّد نال شهرة كبيرة، جرى تقديمه لاحقا في عدة بواكير غنائية ودرامية، كان أبرزها ما برع فيه مطربون جزائريون كبار كـquot;رابح درياسةquot; quot;خليفي أحمدquot; وquot;عبد الحميد عبابسةquot;.

ويصف الأستاذ والباحث الجامعي الجزائري quot;عبد الحميد بورايوquot; قصيدة quot;حيزيةquot; للشاعر بن قيطون بـquot; طلسم الخلودquot;، وصرّح بورايو على هامش الملتقى الدولي حول quot;الشعر والمحافظة على التراث الموسيقيquot; أنّ حكاية حيزية تنطوي على أكثر من بعد جمالي وفني، في حين
اعتبرها النقاد كـquot;أعظم وأروع قصة حب حقيقية في الجزائر والمنطقة المغاربيةquot;.

نقترح فيما يلي القصة كما وردت على لسان الرواة:

quot;حيزيةquot;.. أسطورة الحب والوفاء
كان يا مكان في غير زمننا هذا.. زمن الحب العفيف، العذراء quot;حيزيةquot; غزالة الجزائر، كانت جميلة من جميلات البادية، زينتها الوحيدة ضفائرها وكحل عينها ووشم الحنة في راحة يدها وأرجلها، أما سعيد ابن عمها فكان فارسا من الفرسان، كانت حيزية أسيرة خيمتها لا تغادرها إلا لحاجة كأن تذهب لتملأ الماء، لكن سعيد كان يتصيّد خروجها هذا، حيزية وسعيد وبحكم القرابة أحبا بعضهما لكن بصمت وإذا تحدثا، كان يتحدثان بلغة العيون.

خروج حيزية كان يلفت انتباه خيرة شباب بادية بسكرة فكان كل واحد منهم يتمناها شريكة لحياته، استيقظت حيزية ذات صباح وإذا بعشرات الفرسان على باب خيمتها وقد فرشوا هداياهم أمامها، منهم من أهداها ذهبا والآخر فضة وآخر يجر وراءه ألف رأس من الإبل والغنم، وتقدم فارس آخر وآخر وآخر، ودائما كان جوابها الرفض المطلق، كانت عينا حيزية تعبّر على الهدايا المفروشة لتصل إلى سعيد وهو جالس بعيدا عن الخيمة يقول لها: quot;حيزية لا أملك مالا ولا ذهبا ولا سلطانا، أملك هذا القلب الذي بين جنبي وأهديه لك على راحة كفيquot;، ابتسمت حيزية لسعيد وقالت هي الأخرى: quot;قلبك هذا يا ابن العم يغنيني على هذه الكنوز ولن أكون إلا لكquot;.

علمت القبيلة بهذا الحب الصامت، وفزعت واجتمع أعيانها لتقرير مصير حيزية وسعيد، وانتهوا في الأخير إلى إقرار إعدام حيزية التي قالوا أنها خالفت أعراف القبيلة، فنطق صوت الحق: quot;يا قوم حيزية.. البنت لم تفعل شيء، اختارت فدعوها وما اختار قلبهاquot;.. أقيمت الأفراح على صوت البارود وزفت حيزية على هودج سعيد وكانت ليلتهما الأولى.

حيزية بعينيها البريئتان ووجنتاها المحمرتان من شدة الخجل، كانت تلك أول مرة تلتقي عينها بعيني سعيد: quot;أنا سعيدة.. سعيدة يا سعيد بعدد حبات النجومquot;، ليرد عليها سعيد: quot; وأنا سعيد بعدد حبات الرمل يا بنت العمquot;، واحتضنها لأول مرة، يدها كانت ترتجف فقالت له: quot;أنا خائفة يا سعيد من أن يكون كل هذا حلم زائلquot;، لكنه أسكتها بلطف: quot;أنت في علم يا حيزية يا قرة العين أنت وأنا معا وحبنا حقيقةquot;، هكذا قال لها سعيد.

مر الأسبوع الأول من زواج سعيد وحيزية، وفي اليوم العاشر من زواجهما قالت حيزية: quot;أتدري متى يسكنني الموت يا سعيد؟

ردّ سعيد جزعا: quot;أرجوك يا حيزية لا تتكلمي على الموت لأنه الوحيد الذي سيفرق بينناquot;

حيزية: و لكنها الحقيقة يا سعيد ولا بدّ أن تعرفها

سعيد: أي حقيقة يا بنت العم؟

اقتربت منه أكثر حتى تعانقت أنفاسهما ثم قالت: يسكنني الموت يا سعيد إذا علمت أن هناك رجل يحمل في قلبه حب أكبر من حبك لي.

سعيد: quot;حيزية إنك تهذين يا ابنة العم، حبك في عروقي، يسري في دمي، حبك يا ابنة العم بين لحمي وعظمي، ماذا تقولين؟

مضت الأيام و الأسابيع وفي اليوم الأربعين من زواجهما وعند رجوع سعيد من العمل، إذا بحيزية قرة عينه ممددّة على الفراش وتشد رأسها من شدة الألم، فزع سعيد وأسرع إليها واحتضنها.

حيزية.. يا قرة العين ماذا أصابك..

حيزية و بنبرة الألم: آه.. رأسي سينفجر يا سعيد

حاول سعيد ان يساعدها على الحركة.....لكنه لم يفلح فحيزية تحتضر.......
حيزية وبصوت خافت و حزين : سعيد سأفارقك يا سعيد.....
سعيد وقلبه يرتجف كطائر مذبوح يشهر سيفه......

حيزية وبابتسامة ذابلة وهادئة: في وجه من تشهر سيفك يا ابن العم؟ عدوك جبار يا سعيد لا أحد يستطيع أن يبارزه.

وأغمضت حيزية عيناها على حب سعيد العنيف وبقي سعيد ابن عمها هائما في الصحراء وقد حنطت حيزية حبها في قلبه..

عاش سعيد يبكي حيزية، ورثاها بقصيدة يقول في مطلعها :

عزوني يا ملاح في رايس لبنات ******** سكنت تحت اللحود ناري مقدية.. ناري مقدية = مشتعلة - ملتهبة

القصيدة:

يا ملاح في رايس لبــنات * ســــكنت تحت اللحود ناري مقديا
يــاخي انـــا ضريـــــر بيا مـــا بيا * قــلبي سافر مع الضامر حيزيــــه
يا حصراه على قبيل كنا في تاويل * كي نوار العطيل شاو النقصــــيا
ما شفنا من أدلال كي ظل الخيال * راحت جدي الغزال بالجهد عليــــا
وإذا تمشي أقبــــال تسلب العــقال * أختي بــاى المحال راشق كمــيا
طلقت ممشوط طاح بروايح كى فاح * حاجب فوق اللماح نونين بريـــا
عينك قرد الرصاص حربى فى قرطاس * ســورى قيـاس فى يدين حربيا
خدك ورد الصباح و قرنفل وضاح * الدم عليه ساح مثل الضوايـــــا
شوف الرقبة خيار من طلعة جمار * جعبة بلار و العواقد ذهبيــــــا
فى بازر حاطين أنصبح فى الزين * واحـــنا متبسطين فى خير الدنيا
نصبح فى الغزال انصرش للفـــــال * كالى ساعي المال وكنوز قويـــا
ما يسواش المال نقحات الخلخــــال * كى انجبي للجبال نلقى حيزيـــــا
تتسحوج فالمروج بخلخيل تســـوج * عقلي منها يروج قلبي وأعضيا
فالتل مصيفين جيـــنا أمحـــــدرين * للصحراء قاصدين نا والطوايــــا
الأجحاف مغلقـــين و البارود إنــين * الأزرق بي يمين ساحة حيــــزيا
ماذا درنا أعراس لزرق فى المرداس * يدرق بي خلاص في روحنيــا
تاقت طول العـــــــلام جوهر فالتبسام * تمعني فالــــكلام و تفهم فيـــا
بنت حميده اتبان كى ضي الومــــان * نخلة بستان غى وحدها شعويــا

زند عنها الريــح قـــلعها فالــــــميح * ما نحسبها أطيح دايم محضيــا
في واد أثل نعيد حاطين سماط فريد * رايسة الغيد ودعتــــــني يا خويــا
في ذا الليلة وفــات عادت في الممات * كحلا الرمقات ودعت دار الدنيــا
خطفت عقلي راح مصبوغة الألماح * بنت الناس المـــلاح زادتــني كيـا
حطوها في لكفان بنت عالي الشان * زادتني حمان نفضت مخ حجايــا
حطوها في فنعاش مطبوعة الاخراس * راني وليت باص واش إلي بيـــا
في حومتها أخراب كي نجم الكوكاب * زيد أقدح في أسحاب ضيق العشويا
كثرت عني هموم من صافي الخرطوم * ما عادتش أتقوم في دار الدنيــا
ماتت موت الجهاد مصبوغة الاثماد * قصدوا بيها بلاد خالد مسميــــا
عشَّـات تحت الألحاد موشومة الأعضاد * عــين الشـراد غابت على عينيا