محمد الحمامصي: كلام كثير سمعته وقرأته عن دولة الإمارات العربية المتحدة، كلام كثير يخص دبي وأبو ظبي دون غيرهما من إمارات الدولة، كلام عن الحياة والناس والاقتصاد والأعمال والبنايات الشاهقة والأحلام والغرباء، كلام لا يفصل بين القدح والذم والثناء والمديح، حتى أنني كثيرا ما أقع في الالتباس، لكن ما أن صعدت الطائرة التابعة لطيران الإمارات متجها إلي دبي لمتابعة مهرجان دبي الدولي للشعر حتى أيقنت أن هناك فارقا كبيرا بين ما سمعت وما سأرى، أن دولة الإمارات دولة استثنائية في التاريخ العربي الحديث، دولة البناء والعمل والتأصيل لنهضة عربية تقوم علي الأصيل من التراث الحضاري العربي الإسلامي ومواكبة للأصيل أيضا من التقدم العصري. وأول ما رأيت هذه العناية الفائقة بالاحترام والدقة والاستخدام التكنولوجي والنظافة لمطار دبي، هذا المطار الأسطوري، والضيافة الكريمة لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي حرص علي أن يكون الجميع علي قدم المساواة، كل ضيوف المهرجان من شعراء وإعلاميين تم استقبالهم في المطار وأقلتهم سيارات خاصة مكيفة إلي فندق القصر بمدينة جميرا، وهو ليس مجرد فندق ولكنه مدينة تجتمع في عمارتها أصالة العمارة العربية متمثلة في عمارتي الشام والأندلس بشكل خاص. هو فندق شعري بامتياز ولكنه باهظ التكلفة، تشقه الماء والأشجار والزهور، أينما تسكن فيه تطل علي مساحات شاسعة من تظلها الأشجار وتشقها الماء، ليلة الوصول وعقب العشاء وعقب تجوالي مع مجموعة من الإعلاميين والشعراء في أرجاء في متاهة القصر / مدينة الجميرا تأكد لي فرادة هذا المكان، عرفت أن هذا المكان الذي يكاد يكون جنة كان صحراء جرداء وأنه أقل إنجازات دبي، فأينما توجهت في هذا المدينة تتجسد لك الإنجازات في العمارة والبني التحتية والاتصالات والتكنولوجيا والاقتصاد والسياحة، مدينة لا يتوقف فيها العمل علي مدار الساعة، لا مكان فيها للكسالي، أفكارها ورؤاها تتجدد وتتطور بشكل يجعلك متيقظا علي مدار الساعة، وكل شيء يتم مراجعته ودراسته بتؤدة وينفذ بدقة وعلي أعلى مستوى تقني وصل إليه العالم.
بعد ظهر اليوم الثالث دعاني أحد الأصدقاء لزيارة أبو ظبي، وطوال الطريق لم يتوقف الحديث عن الشيخ زايد هذا الرجل الذي يحبه المواطن العربي من المحيط للخليج والذي يعشقه الإماراتيون ويعتبرونه أبا يفخرون بعراقته وأصالته وحكمته، وتوقف صديقي أمام مسجده وأشار إليّ أن هنا يرقد الشيخ زايد ودعاني لقراءة الفاتحة له فاستجبت علي الفور، فأنا أعلم الكثير مما قدمه الرجل لمصر والمصريين بل للعرب جميعا من عطاء. وحكي صديقي لي كعاشق عن أبناء الشيخ زايد وعن الشيخ خليفة وأخوته، وعندما دخلنا أبو ظبي أخذ يشرح لي الإنجازات الضخمة للمدينة الصغير في مساحتها الكبيرة في صقلها العربي. وعجبت أن بلدا كالإمارات تحمل كل هذا الثقل وتمضي سياساتها الخارجية بهدوء حكيم.
في دبي أيضا الغرباء يحبون دبي كأهلها وينتمون لحاضرها ومستقبلها، الغرباء يحبون الشاعر الشيح محمد بن راشد آل مكتوم ويعتبرونه نموذجا للحاكم العربي الأصيل، يحبون حضوره المفاجئ والمدهش، يحبون تجوله بينهم، يحكون لك حكايات عن هذا الرجل وكرمه وأصالته وتواضعه تحسها أنها صورة حلمية من فرط حبهم له، لكنها الحقيقة حقيقة الشاعر الفارس العربي الذي يتجلي في شخصه، ففي ليلة أبو القاسم الشابي التي أقيمت ببيت الشعر، فوجئنا نحن الحضور بقدومه ودخوله ومصافحته لابن الشابي وابنته وحفيه وعدد من الحضور، جاء الرجل وحضر فقرتين من فقرات الاحتفالية دون أن نحس أن ثمة حصار أو توجس أمني، وذهب الرجل دون ضجيج، وهذا نفس ما حدث في حفلتي الافتتاح والختام لمهرجان الشعر، لا أحد يضايقك أو يقول لك تنح جانبا: الشيخ قادم، لم تسبقه الرشاشات والمسدسات والبنادق الآلية لم تسبقه الكلاب البولسية تتشمم المكان، يدخل الرجل ويخرج مرحبا بضيوف دون ضجيج.
أعضاء مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الجهة المنظمة للمهرجان وفريق العمل الإعلامي بها، لم يبخلوا بأي جهد، كان الجميع يعمل منذ التاسعة صباحا حتى الحادية عشرة ليلا، توفر المادة الإعلامية والصور وتتابع ما يدور هنا أو هناك في الأماكن التي تقام فيها جلسات المهرجان، حتى كانت الخيمة التي أقيمت للإعلاميين في سوق جميرا بجوار مسرح جميرا محط حضور قوي للشعراء والإعلاميين.
سبعة أيام من العمل والحوار والنقاش حول الشعر والسياسة والاقتصاد، حول هموم وطننا العربي الكبير، علي موائد الإفطار والغداء والعشاء وأثناء التدخين في خيمة جميرا بجوار خيمة الإعلام،يتحلق الشعراء والإعلاميين، حضور عربي إنساني متنوع وثري للنخبة، آراء مطمئة وأخرى حزينة ومهمومة، وأخرى تبحث عن مخرج.
المهرجان جاء ليؤكد أن التجربة الشعرية العربية بخير، وأنها علي اختلاف تياراتها تعمل علي تطوير أدواتها وتبحث عن تقارب فيما بينها، الشباب من كل الأقطار الممثلة في المهرجان ينتقدون استئثار الكبار دون أن يقللوا من قيمتهم وقيمة إنجازهم الشعري، فقط هم يريدون من الكبار افساح المكان لحضور تجاربهم وتجارب زملاء لهم يرونها مهمة.
والحوار الأثري والجوهري في هذا المهرجان هو حوار الشاعر العربي مع الشاعر الأجنبي سواء كان من أوروبا أو أمريكا أو آسيا أو أفريقيا، واكتشف بعض الشعراء الأجانب لخصوبة التجربة الشعرية العربية وقدرتها علي التنوع وقربها الشديد من الشعر العالمي، حتى أن هؤلاء الشعراء الأجانب كان أكثر حرصا من غيرهم علي متابعة الأمسيات الشعرية والحصول علي ترجمة القصائد العربية.
لقد أحببت الكثير من قصائد الشعراء الأجانب مثل قصائد الفرنسية أريان دريفو (Ariane Dreyfus)، وقصائد الشاعر الهندي كمال فورا، والشاعر الإيراني علي رضا ابس والتركي حيدر إرجولين، والشاعر الألماني يواخيم سارتوريوس، كون تحمل صورا مدهشة في بساطتها وعمقها الإنساني، كما أحببت قصائد عبده وازن وسيف الرحبي وميسون صقر وظاعن شاهين وإبراهيم محمد إبراهيم وعبد الله العريمي وحسين درويش وزاهي وهبي ونجوم الغانم وهالا محمد.
لكن الإنساني الأجمل هو اكتشاف الجانب الإنساني لدى الشعراء فقد أتاح المهرجان الالتقاء عن قرب بالعديد من الشعراء العرب، الشاعر عبده وازن هذا الشاعر الجميل والروح الأجمل والإنسان الرقيق المشاعر، الشاعر يحيي جابر الذي يتمتع بروح بديعة والذي استمتعت بديوانه الجميل (كأنثى امرأة مطلقة)، والشاعر جمال الشاعر الذي أتاح لي المهرجان أن أجلس إليه لنتناقش في قضايا الشعر والسياسة وتجربته الشعرية الجديدة quot;حبيبتى آينشتاين لا يعضquot; مدونات شعرية، وهو الكتاب الثانى فى مدوناته الشعرية، والتى تناقش كل شىء بحرية ووضوح، وبعيداً عن الرقابة.والشاعر العماني الشاب عبد الله العريمي وغيرهم.
الإماراتيون أوفياء لشعرائهم الرواد وقد كانت الليلة التي أقيمت لتكريمهم والاحتفاء بهم لفتة رائعة، ليلتها تم توزيع كتاب شعري عن أحمد بن سليم بشقيه الفصيح والنبطي من جمع وتحقيق جمال بن حويرب رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان، وقدم المسرحي العراقي الكبير عبد الإله عبد القادر مدير مؤسسة سلطان العويس الثقافية إطلالة على المسيرة الشعرية للشاعر سلطان العويس، قال فيها: كانت الشارقة بؤرة لولادة عمالقة الشعر ومنهم سلطان العويس الذي ولد عام 1915 وكان شاعراً رقيق الحاشية مناصراً للمرأة في معظم كتاباته وكان يرى المرأة نموذجاً للحياة ثم في رحلة أخرى كانت رمزاً للوطن، كانت المرأة حاضرة بقوة في شعره فقد كان يراها معادلاً شعرياً للحياة نفسها.وكان العويس مثقفاً ينهل من أمهات الكتب حتى امتلأ ثقافة وشعراً ثم كتب قصيدته الخاصة التي أبدعها هنا في الإمارات أو في بيروت. ثم تحول العويس بعد التسعينات إلى قصائده الوطنية وتغنى بالحرية وانتقل إلى الهم الوطني والقومي وكتب الشعر في قضايا أمته.
كما تم أيضاً خلال الأمسية توزيع موسوعة الشعر العربي الإلكترونية التي تم إصدارها خلال المهرجان، وتضم ثلاثة ملايين ونصف المليون بيت شعر لثلاثة آلاف شاعر، و ضمت 591 كتاباً أدبياً، وأربعة معاجم شعرية، و26 تسجيلاً صوتياً لقصائد شعرية شهيرة فيما يصل عدد صفحات الموسوعة لحوالي 676 ألف صفحة، لقد أدهشتني الموسوعة وأدهشني أن اللجنة المنظمة فاجأت بها الحضور وأن جريدة البيان في اليوم التالي وزعتها مع الجريدة، والموسوعة لم تكتشف بالشعر ولكن أيضا ضمت سيرا ذاتية وأعمالا شعرية لأكثر من 3 آلاف شاعر من العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الأيوبي، والعصر العثماني، والمخضرمين، والعصر الفاطمي، والعصر المملوكي، والعصر الحديث.
وظل الشعر النبطي علي مدار أيام وليال المهرجان مثار عجبي، فقد كان ممثلا خليجيا، ولم أظن أو أتوقع هذا الثراء الذي يتميز به وهذه القدرة علي الالتحام بقضايا الإنسان العربي والجرأة في طرحها وتناولها، ومن شهد أمسية الشاعرين الشيخ حمدان بن محمد (فزاع) والشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم (عزام). تأكد له حجم الحضور الذي يشكله في الشعر في الوجدان الإماراتي خاصة والخليجي عامة، كانت مسرح مركز دبي التجاري العالمي يمتلئ عن آخره بشباب وفتيات وشيوخ ورجال ونساء من كل الأعمار، بل إنني وكنت أجلس بنهاية القاعة أسمع من يردد مع الشاعرين بعض أشعارهما.
لكن المفاجأة التي حملها الختام ختام مهرجان دبي كانت ذات أهمية خاصة فقد أكدت رؤيتي في أن هذا المهرجان سوف يعيد للشعر العربي مكانته في صدارة الإبداع الأدبي العربي، بعد سنوات طوال من التندر والتفكه والسخرية والتعتيم والتحجيم، حتى لتم حجب جوائزه أكثر من مرة في دولة عربية كبري، وامتنع النقاد عن متابعته ورصد وتحليل جديده بحجة أن أحدا لا ينشر كتاباتهم عن الشعر، وتراجعت الصحف عن الاحتفاء بالقصيدة، وذلك لتسييد نوع أدبي هو الرواية، جاء الختام ليعلن إطلاق جائزة دبي للشعر والتي تتضمن ثلاث فئات هي فئة شاعر الإنسانية، وفئة الشاعر المترجم، وفئة الشاعر المبدع، وإطلاق رابطة عالمية للشعراء تحت رعاية مهرجان دبي الدولي للشعر باسم quot;رابطة شعراء العالمquot;.
هكذا استطاعت دبي احتضان تيارات الشعر علي اختلافها والشعراء علي اختلاف قصائدهم، دون قيد أو شرط كما تفعل العديد من العواصم العربية، هذه العواصم التي تحتضن تيارا شعريا وتنفي بقية التيارات بل وتتهمها بأنها ليست شعرا، تعاملت مع الجميع بالتقدير والاحترام كبار وشبابا، لترسم نموذجا نرجو بل نأمل أن تحتذي به العواصم العربي الأخرى.