بمناسبة إقامة معرض فاسيلي كاندنسكي الإستعادي في مركز بومبيدو من 8 نيسان وحتى 10 أيلول
صالح كاظم من برلين: مركز جورج بومبيدو هو الطرف الثالث الذي يساهم هذا العام الى جانب quot;لينباخ هاوسquot; في ميونخ وquot;متحف غوغنهايمquot; في نيويورك في إحياء ذكرى الرسام والمنظـّر الفني الروسي- الألماني الكبير فاسيلي كاندنسكي (1866-1944) الذي ساهم في تأسيس العديد من الحركات الفنية الحداثية في بداية القرن الماضي من ضمنها quot;الفارس الأزرقquot; مع فرانس مارك (1880-1916) وغابرييله منتر(1877-1962) وبول كلى (1879-1940) وغيرهم من طليعيي تلك المرحلة، إضافة الى العديد من المعاهد الفنية التي شارك في بنائها، سواء في وطنه الأم روسيا أو في ألمانيا التي أحتضنته للمرة الثانية بعد ثورة أكتوبر ومنحته جنسيتها، أو في فرنسا، حيث تعرف على المدارس الحداثية التي نشأت على أنقاض المدرسة التعبيرية. وفي الوقت الذي يساهم فيه quot;لنباخهاوسquot; بتوفير الأعمال التي حققها كاندنسكي بين 1908- 1914، وهي تلك الأعمال التي أبدعها الفنان أثناء إرتباطه بمجموعة quot;الفارس الأزرقquot; يركز مركز بومبيدو على أعماله التي حققها بعد الثورة الروسية وما قام بإنجازه لاحقا في فترة عمله في quot;الباوهاوسquot; في مدينتي فايمار وديساو، وهي الفترة الواقعة بين 1917- 1933. أما quot;متحف غوغنهايمquot; فسيبرز المرحلة المتإخرة في أعمال كاندينسكي منذ 1933 الى 1944. ومن الجدير بالذكر بأن المعرض الإستعادي المقام حاليا في quot;مركز جورج بومبيدوquot; في باريس الذي يضم 100 عمل،هو الأول من نوعه، إذ لم يُقم معرض لكاندينسكي في فرنسا منذمايزيد عن 25 عاما، وهو من هنا يشكل حدثا ثقافيا مهما بالنسبة للعاصمة التي عاش فيها الرسام لفترات متقطعة (1904 وبعدها منذ 1906الى 1907 حيث أقام في مدينة سيفرس قرب باريس للإطلاع على أعمال باول غوغين وباول سيزان وهنري ماتيس، ومنذ 1933 الى 1944)، تاركا أثره على العديد من الفنانين الفرنسيين في حينها.
من المعروف أن كاندينسكي الذي بدأ بدراسة الفن التشكيلي في مرحلة متأخرة من حياته، أي بعد أن أنهى دراسة القانون والإقتصاد في موسكو، يعتبر أحد مؤسسي الفن التجريدي الذي نشأ في رحم quot;الفارس الأزرقquot;، فكانت بدايات خوضه للنهج التجريدي في سنة 1911، حيث بدت علامات هذا النهج في لوحة رسمها على إثر زيارته لكونشيرتو أقامه ألموسيقار آرنولد شونبرغ (1874-1951) في ميونخ كان عنوانها quot;إنطباع 3(كونشيرتو)quot;، وهي لوحة بنيت على معايشة quot;صوتيةquot; تم نقلها الى لوحة تعتمد على إنطباع مباشر جاء نتيجة لتاثير خارجي، هو الموسيقى في هذه الحالة، وتجسد في اللون، مما يدل على أن كاندنسكي لم يكتف بالإنطباعات البصرية، بل توجه للتأكيد على مجمل الإنطباعات الحسية والتعبير عنها تشكيليا عن طريق اللون والتشكيل. ومن الملاحظ أن ما تجسد في هذا العمل في مجال التعامل مع الألوان والمساحات يقودنا في النهاية الى الأعمال النظرية اللاحقة للفنان التي أسس فيها للفن التجريدي وبشكل خاص في دراسته: quot;نقطة خط سطح مستوquot;، علما بأن موقفه الثوري تجاه الفن كان قد تجلى في أول أعماله النظرية uuml;ber das geistige in der kunst (ترجم الى العربية بـ quot;حول الروحانية في الفنquot;، لكن الترجمة الأدق للعنوان هي quot;حول الجانب الروحي في الفنquot; وأفضل مثال على ذلك أن الترجمة الانجليزية: On the spiritual in art وليس On Spiritualism in art) ndash; صدر في العام 1912-، حيث أعلن رفضه للمدارس الفنية الكلاسيكية وتأكيده على البحث عن طرق تعبيرية جديدة تعبر في ذات الوقت عن روح العصر وكذلك عن تجاوز هذا العصر نحو المستقبل: quot;كل عمل فني هو وليد عصره، وغالبا ما يكون أم مشاعرنا..ولكل مرحلة حضارية تعبيرها الفني الخاص بها الذي لا يمكن أن يتكرر، أما محاولة إعادة الحياة لمبادئ فنية لعصور سابقة فأنه سيؤدي الى أعمال شبيهة بطفل ولد ميتا. فما نشعر به يختلف عما كان يشعر به الإغريق القدماء، من هنا فأن محاولة تقليد النحت الإغريقي والسير على مبادئه سيؤدي الى نتائج لا روح فيها..quot;. من جهة أخرى نجده يؤكد في هذا العمل على رفضه للإتجاهات التي أنتشرت حينها تحت شعار quot;الفن من أجل الفنquot;، مع التأكيد على أهمية إستلهام فنون quot;الشعوب البدائيةquot; لما تحمله في داخلها من طاقات تعبيرية لغرض تحرير الفن الأوربي من القيود التي فرضت عليه على مر العصور. وهو حين يتحدث عن فنون quot;البدائيينquot; فهو يعني ما كان قد سبق له أن أطلع عليه من quot;رسوم الكهوفquot; لدى شعوب quot;الكوميquot; التي قصدها أثناء دراسته للقانون في موسكو لغرض الإطلاع على أنظمتها القانونية. لقد تركت هذه التجربة بصماتها على كافة أعمال كاندينسكي، سواء تلك التي أنجزها خلال مرحلته التعبيرية، حيث عمل تحت تأثير أستاذه الرسام السلوفيني أنتون أزبه (1862-1905) في مدرسة الأخير الخاصة في ميونيخ، أوفي أكاديمية ميونيخ للفنون تحت إشراف الرسام فرانس فون شتوك (1863-1928) مؤسس حركة quot;الإنشقاق الميونيخيquot;، أو خلال مرحلة quot;الفارس الأزرقquot; وحتى أعماله التجريدية الأخيرة.
في لوحته quot;شرقيات 1909quot; يعود بنا كاندينسكي الى الفترة التي قضاها في تونس عام 1905، حيث أكتشف كما زميله بول كلي لاحقا، الوان الشرق الدافئة، إذ نلاحظ هيمنة اللون الأحمر الى جانب اللون الأصفر، بينما يشكل اللون الأزرق بقعا تتوزع هنا وهناك لتخفف من توهج الألوان الأساسية، أما اللون الأبيض فأنه يهيمن على وسط اللوحة، مانحا إياها سحرا إضافيا، إضافة الى اللون الأخضر الذي يمنحها خصوصية أكبر في دلالته الشرقية. ويقودنا إستخدام الألوان في هذه اللوحة، كما في لوحاته الأخرى التي تحمل تسمية quot;إنطباع..quot; الى نظرية الألوان التي وضعها لأعماله، إذ رأى أن كل لون ينقل إحساسا معينا للمشاهد ويحرك مشاعره في إتجاه معين، وذهب الى حد مقارنة الألوان لاحقا بأدواة موسيقية معينة تؤدي دورها ضمن quot;سمفونيةquot; من الألوان.
في quot;طوفان 1913quot; وهي واحدة من مجموعة من اللوحات أطلق عليها كاندينسكي تسمية quot;إرتجالاتquot; سيرا على نهج ما يسمى بـ Improvisation في مجال الموسيقى (أي اداء مباشرمن غير تحضيرات)، وهي حسب كاندينسكي بنيت على أساس لوحة أخرى تعالج موضوع الطوفان، وذلك ليس لأهميته الدينية، بل لأنه quot;يوفر المجال أمام الفنان للتعامل مع العديد من الكيانات الحيوانية والإنسانية كما يوفر المجال لأستخدام العري والأشكال الفنية الأخرى، مما يمنح اللوحة شيئا من الطرافة.quot;، الا انه سرعان ما تخلى عن هذه الفكرة ذات quot;الإيقاع الخارجيquot;، متوجها نحو تأكيد quot;الإيقاع الداخليquot; للموضوع. واللوحة هي عبارة عن موجة صاخبة من الألوان بعضها مجسم كما لو كان جزءا من quot;ريليفquot; بينما يبدو بعضها الآخر مسطحا، يفتقد للوضوح، كما تبرز في اللوحة إشعاعات بيضاء تخترق ألوانها. ورغم الطابع التجريدي العام للوحة، توقظ لدى المستقبل أحاسيس مضطربة تدل على حدوث كارثة ما، ربما على شكل طوفان أو زلزال مخرب. من هنا فأنه ليس من المستغرب أن يكون قد أنجز عمله هذا قبل نشوب الحرب العالمية الأولى بقليل.
أثناء إقامته في ميونيخ وحتى مغادرته لها في العام 1914 هربا من الحرب العالمية الأولى وبعد ذلك أرتبط كاندينسكي بعلاقة عاطفية عميقة مع الفنانة الألمانية غابرييله مونتر، وذلك رغم انه كان متزوجا في روسيا. ومن المتفق عليه أن فترة إقامة كاندينسكي في ميونيخ- مورناو أخضبت عمله الفني بالعديد من التجارب الإبداعية كما جعلته على إحتكاك مع العديد من الفنانين التشكيليين الكبار الذين واصل علاقته ببعضهم حتى موته في سنة 1944. بعد مغادرته ميونيخ الى سويسرا توجه كاندينسكي الى موسكو، حيث أنيطت به مهمة تدريس الفن التشكيلي في quot;ورشات الفن الحكومية الحرةquot;. وبعد الثورة البلشفية وجد كاندينسكي نفسه في تناقض مع المفاهيم الفنية التي رافقت الثورة، خاصة فيما يتعلق بأدلجة الفن وتوظيفه لأغراض سياسية. في هذه الفترة الحرجة وجه له المعماري الألماني فالتر غروبيوس (1883-1969) وهو مؤسس مدرسة Bauhaus المعمارية في فايمار وديساو وبرلين دعوة للعمل فيها كأستاذ، فما كان منه إلا تلبية هذه الدعوة والعودة الى ألمانيا. خلال هذه الفترة كان يتنقل بين هذه المدن الثلاث التي كانت تشكل مراكز أساسية للحداثة في مجال الفن المعماري. أثناء هذه الفترة توجه كاندينسكي نهائيا نحو التجريد، وهيمنت الأشكال الهندسية على أعماله الفنية. كما ساهم مع كل من بول كلي وليونيل فايننغر (1871-1956) واليكسي فون يافلينسكي(1865-1941) في تأسيس مجموعة quot;الأربعة الزرقquot;. خلال هذه الفترة أيضا تعرف كاندينسكي في ديساو على المليونير الألماني سولومون غوغنهايم (1861-1949) الذي أشترى كمية كبيرة من أعماله التي أصبحت لاحقا من المكونات الأساسية لـ quot;متحف الفن الحديثquot; في نيويورك، وذلك أثناء عمله على quot;نقطة خط سطح مستوquot;، وهي الدراسة التي وضعت الأسس النظرية للفن التجريدي.
بعد إستلام النازيين للسلطة في العام 1933 ومحاربتهم لكل ما له علاقة بالحداثة بما في ذلك مدرسة Bauhaus المعمارية وجد كاندينسكي نفسه مضطرا لمغادرة المانيا الى فرنسا، حيث أقام حتى موته في سنة 1944. و أرتبطت إقامته في فرنسا مع العمل في إطار جماعة quot;الخلق التجريديquot;. وقد شارك خلال هذه الفترة في مجموعة من المعارض الطليعية من ضمنها معرض quot;التجريد والتكعيبيةquot; في لندن، في الوقت الذي وضعت رسومه في المانيا في المعرض الذي أقامه النازيون تحت عنوان: quot;الفن المنحطquot;، حيث عرضت أعمال أهم فناني بداية القرن الماضي من الألمان وغيرهم لغرض تحريض الجمهور ضدهم.