| بغداد في منتصف الخمسينات |
يستدعي مفهوم quot;الاعادةquot; نسقاً من الدلالات الموحية لفعاليات يراها البعض جد ايجابية، اذ أٌعتبرت وسيلة هامة لحفظ (او quot;اعادة حفظquot; بالمعنى الدقيق) لرموز الذاكرة الجمعية. انها في هذا المغزى ليست محض quot;نوستالجياquot; عارية، وحنيناً الى ماضٍ مضى، بقدر ماهي فعل لتثبيت قيم ارتبطت بشكل وبآخر باحداث هامة شهدها البلد من قبل ويتم استرجاعها عبر شواهد مادية مرئية شكل حضورها في السابق دلالات خاصة للمكان، واغتنى ذلك الحضور بكفاءة التعبير عن رمزيتها. من هنا يتعين فهم الاشارات التى يبثها قرار quot;اعادة النصبquot; وربطها بالمتغيرات التى بدأت تظهر وتتبلور في الخطاب المحلي: المعماري على وجه الخصوص والثقافي بعامة؛ بعد عقود من ممارسات عاتية في التهديم والتدمير والحذف والالغاء والنسيان والتجاهل. انها بادرة صحية لبدايات موفقة في مجرى صائب، يشتغل على ثيمة الحفاظ على الرموز الايجابية ويسعى وراء تكريس وجودها في المشهد المديني، رموز سبق وإن حُظيت بتعاطف كبير من لدن غالبية متلقيها، الذين وجدوا فيها انعكاسا لطموحاتهم وآمالهم في العيش بمجتمع آمن ومسالم ومتسامح وتعددي.
ومع ان واقعة الاعادة تلقي لذاتها قبولا واسعا كونها تتيح فرصة للامساك بزمن مضى، متجاوزة بذلك حسرات الفقد والنسيان؛ فان قرار اصطفاء نصب الجندي المجهول ليكون تعبيرا عن تلك الفعالية، نراه قرارا صائباً وعادلا. اذ لطالما عبرت انصاب الجنود المجهولين عن شعور انساني سامٍ، لقي دوماً احتراما وتعاطفا عميقين من الوطن، الذي باسمه تخلد مأثرة اؤلئك الابطال المجهولين الذين دافعوا عنه حد الشهادة، ورفعوا رايته عالياً في وجه الطغيان والاحتلال، ما يرفع من شأن قيمة ذلك الاصطفاء ويعزز من صدقية القرار المتخذ. بتعبير آخر، يجسد فعل الجندي المجهول وحدة البلاد، ويعبر عن آمال مواطنيه جميعهم بغض النظر عن القومية او الدين او خيارات الانتماء الايدولوجي.
ومعلوم ان ممارسة تشييد نصب الجندي المجهول، تعتبر ممارسة حديثة نوعا ما. بدأها الفرنسيون في تخليد ذكرى جنودهم المجهولين الذين سقطوا في الحرب العالمية الاولى، عندما شيدوا في عام 1921 اول نصب للجندي المجهول في باريس في ساحة quot; الايتوالquot;- (النجمة، الان: ساحة شارل ديغول)، تحت قوس النصر، الذي يعود بناءه الى زمن الحملات النابليونية. وقد جارى مذاك بقية العالم الفرنسيين في تقاليد تصميم وبناء مشاهد للجنود المجهولين. وعادة ما تجري تقصيات عديدة تثبت بان شخصية المدفون في ضريح الجندي المجهول هو جندي وقع في ساحة المعركة او توفي جراء اصابته بجراحها، ولم يكن هاربا، كما لم يكن اسيراً. ومنتمي الى قطعات عسكرية معروفة وغير ذلك من الامور التى تتطلب جهدا وبحثا واسعين قبل ان يدفن في الضريح اياه.
يكتسي نصب الجندي المجهول العراقي في ساحة الفردوس بعداً مضافاً كونه شيد احتفاءاً بذكرى الجنود البسطاء الذين تم quot;سوقهمquot; لحرب لم يعرفوا تماما سبب نشوبها، فضلا على انها جرت بعيدة عن اوطانهم ومكان سكناهم. وانا اشير الى وقائع الحرب العالمية الاولى وقبلها، ( اذ لم يخض العراق الى وقت تشييد النصب في 1959 اي معارك كبيرة، ما يتعذر تبعا لذلك، نشوء ظاهرة الجنود المجهوليين). ففي ازمنة تلك الحروب نظمت باستمرار حملات quot;سفر برّquot; العثمانية التى بسببها حُصدت ارواح آلاف التعساء الذين ادخلوا ارض المعارك حتى من دون تهيئة او تدريب كافيين، وتساوى مصير ضحاياها quot;المجهولينquot; منهم مع quot;المعروفينquot;، بيد ان كليهما لم يحظ بدفن رسمي. وظلت قبورهم منسية وبقيت اجسادهم تروي الاراضي التى سقطوا فيها، ولكن من دون اي شاهد لهم. فبالضد من وجود مقابر جماعية للاتراك واخرى مقابر خاصة الى الانكليز بالعراق، لا يوجد ذكر لاية مقبرة تميّز جنود ارض وادي الرافدين الذين سقطوا قتلى في تلك الحروب. من هنا، في اعتقادنا، يمكن فهم بواعث اعتزاز العراقيين بمغزى تلك الالتفاته لثوار تموز 1958 بتمجيد اؤلئك الجنود البسطاء: المعلوميين والمجهوليين، والاحتفاء بهم في آن واحد،... وبنصب واحد!.
يذكر الاستاذ رفعة الجادرجي، مصمم نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس، انه اقترح مبدئياً على الزعيم عبد الكريم قاسم موقعا بالقرب من وزارة الدفاع في ساحة الميدان لنصب الجندي. الا ان الزعيم لم يجاريه في ذلك، واقترح عليه دراسة موقع ساحة الفردوس. (رفعة الجادرجي، الاخيضر والقصر البلوري، لندن،1991، ص.95). وهو مقترح، نراه، مناسبا جدا للنصب إن كان ذلك لجهة المتطلبات الحضرية ام لناحية الدلالات الرمزية. فعلى عكس ساحة الميدان، الساحة المكتظة والمزدحمة والمتخمة quot;برموزquot; ربما تؤثر سلبا على اختيارها كمكان لوجود رفات جندي مجهول؛ تظل quot;الفردوسquot; وهي الساحة الاهم والاجمل وقتذاك في بغداد، المكان المناسب لضريح الجندي المجهول؛ فهي الساحة المفتوحة والحضرية المكتملة، الفسيحة والواسعة التى لا يضاهيها في وسعها سوى ساحة التحرير في الباب الشرقي، التى لم تزل، حينذاك، في طور التشكل. وربما رجع اعجاب قاسم بموقع الفردوس لكونه حاضرا بصرياً في مخيلته، جراء وقوع دارته السكنية الخاصة بالقرب منه. وايا يكن من امر، فان موقع الفردوس تم اختياره لاحقا لتشييد نصب الجندي المجهول الذي افتتح عام 1959 بمناسبة الذكرى الاولي لثورة 1958.
يتكون النصب، كما هو معروف، من قوس خرساني عالٍ نوعا ما، ومغلف بالمرمر ذي لون ضارب الى الزرقة، quot;يحميquot; اسفله ضريح الجندي المجهول. وبغية تكثيف التأثير الحسي للنصب، لجأ المعمار الى مزيد من الاختزالية في اسلوب لغته التصميمة، والى تقشف جرئ في عناصره التكوينية. اذ لم تكن quot;جملةquot; النصب التذكاري المعمارية، سوى quot;مفردةquot; واحدة تقريبا وهي مفردة القوس، قوس بعقد مدبب. لم يشأ المعمار ان يكون قوسه عاديا. فجعل جدرانه الساندة مائلة، ما أضفي مزيدا من الرشاقة التكتونية والخفة البصرية، التى يحتاجهما لينأى عن انطباع quot;الثقالةquot; التى قد تتولد من جراء طبيعة المادة الانشائية المستخدمة في التشييد.
أهتم القرار التصميمي اهتماما عميقاً بان تكون هيئة النصب quot;محفوظةquot; بصرياً وبسرعة في ذاكرة المتلقي. من هنا اسهم اختيار quot;القوسquot; كعنصر تقليدي ومألوف في البيئة المبنية المحيطة، رغم هيئته المميزة غير العادية، في تيسيير مهام الحفظ. كما إن quot;تنظيفquot; الموقع واقتصار مفردات تصميم الفضاءات المفتوحة على ساحة مستوية ومبلطة بالكامل تقريبا، عزز من حضور التضاد وحصر تمظهراته العمودية في مفردة القوس، والافقية في سطح الساحة المستوية؛ ما أسهم هو الآخر في تسريع ترسيخ quot;اميجquot; النصب لدى المتلقي. ثمة منطقتان مستطيلتان متماثلتان واقعتان على جانبي النصب، اقتطعا من سطح الساحة الدائرية وزرعتا بالثيل، لونهما الاخضر الطازج يكسر رتابة لون quot;صحراءquot; الساحة المدورة، التى منها ينهض quot;ساقاquot; قوس النصب العالي اللذان تم حفر قوساً آخرا على شكل قطع دائري، في قاعدة كل منهما بغية تخفيف صلادة كتلة النصب، من دون التأثير على منظومته التركيبية. وظف المعمار بحساسية عالية منظومة التدرج المناسيبي لاقسام النصب. ثمة درجات مقننة تدور مع دوران محيط دائرة النصب وترفع ارضيته، محددة بذلك تخوم حدوده الفاصلة بينه وبين مستوى الشوارع المجاورة. وتمتد من منطقتي الثيل المستطيلتين، quot;الواحquot; منحنية مزروعة بازهار متنوعة تضفي بالوانها المختلفة جوا لونيا هادئا. استفاد المعمار بكفاءة واضحة من عدم استقامة شارع السعدون في منطقة ساحة الفردوس، ليوظف ذلك الحدث التخطيطي في تنويع اسلوب رؤية النصب من طرفي الشارع بزوايا مختلفة. وقد تمكن من quot;تحريكquot; محوره لبلوغ حالة يتم فيها انثيال صوري متدفق ومتغير لهيئة النصب.
وباختصار، فان مشهد نصب الجندي المجهول، بلغته التصميمية المعبرة والمختزلة، وانفتاحيته العالية وحرية الوصول الى جميع اجزاءه، وخصوصاً الحرية المتاحة للجميع، جعل من مقامه ليكون الاكثر إنتماء والاكثر الفة واعتزاز لسكنة بغداد وزوارها. فضلا على ما يمثله من إضافة كشاهد quot;متروبوليتانيquot; يضيف دلالة جديدة الى رموز تماثيل العاصمة الثلاثة التى عبرت بوجودها في الماضي عن طبيعة النظام السابق، المتمثل بالملكية المسنودة من قبل العشائر والانكليز، والمقتصرة وقتها على تمثال الملك فيصل في الصالحية، وتمثال السعدون في الباب الشرقي، وتمثال مود في كرخ بغداد. واياً تكن مرجعيات المعمار التصميمة، فقد قدم لنا مشروعا ناضجا ومؤثرا، هو الذي لم يمض سوى ست سنوات على تخرجه المهني، لتضحى هيئة نصب الجندي المجهول في الفردوس، غُبّ ظهوره، quot;ايقونةquot; بصرية لمدينة تطمح ان تكون حضرية وعصرية في آن. ولهذا كان وقع ازالة النصب بليل سريع ومفاجئ من سنة 1982 محزناً ومأساويا لكثر من العراقيين وخصوصا سكنة العاصمة،.ونظر البعض الى واقعة الازالة بمثابة فقدان جزء عزيز من ذاكرتهم، ونقص فادح في صورة مدينتهم، مثلما رأى بعضهم في دلالات هذا الحدث انكسارا للامال، وعدوها احدى quot;آمالهم المجهضةquot;، بلغة عصام غيدان. وما اكثرها في الوقت الاخير!.
يتساءل كثيرون ماذا سيحل في نصب الجندي المجهول المشيد في ثمانيات القرن الماضي بكرخ بغداد، بعد ان اتخذ قرار باعادة تشييد نصب الجندي في الفردوس؟. يمكن بالطبع بسهولة تأهيل نصب الكرخ لوظائف جديدة، يفرضها واقع المدينة وواقع العراق الجديدين، من دون تحويرات كبرى في شكله او في فضاءاته. ولا اعتقد ان مثل ذلك التأهيل سيكون امرا صعبا او ينقص من قيمة النصب. وبما ان نصب الكرخ المتسم بضجيج العناصر التصميمية وquot;اكسسواراتهquot; الشعبوية، ظل دائما معزولا ومغلقا طاردا زواره، ومحصورا في موقعه الخاص، مثيرا بضخامتة المفتعلة وجل الناس العاديين المشاهدين له، هم الذين ما انفكوا يعتبرونه جزءا من quot;منجزاتquot; نظام قمعي واستبدادي، ناهيك عن رمزيته التى اراد بها النظام الديكتاتوري البائد تمجيد حروبه العبثية، فان عملية التأهيل المفترضة او حتى اجراءات التغيير المنتظرة، ستكون في صالح الموقع وتعمل على تسريع quot;قلبquot; صفحات مؤلمة وحزينة وقاسية مرّ بها الشعب العراقي.
وبالمقابل فان اعمال إعادة التشييد في الفردوس، وإن حافظت على هيئة النصب القديم، لكنها يتعين ان تأخذ في نظر الاعتبار المستجدات التى طرأت على طبيعة المنتج المعماري مع توظيف خلاق للامكانات الضخمة التى توفرها المنظومات التقنية المعاصرة. ويمكن للمرء ان يجادل حول قضايا مهنية تنشأ عادة جراء اعادة التشييد، وبالاخص تأثير متغيرات الموقع الجديدة ومجاوراته على مقياس النصب ومحدودية ارتفاعه؛ وفيما اذا كان ذلك سينعكس سلبا عليه. والحال ان تلك القضايا تتطلب اجتهاداً تصميماً وحلولاً تكوينية كفوءة بمقدورها ان تزيل بعض من تلك السلبيات. لكن الاهم في كل ذلك ان يتم التعاطي مع تلك القضايا بمرونة وابداع عاليين يتجاوز الفهم الآحادي للعناصر التصميمية المشكلة للتكوين، بضمنها المقياس المعماري. وسيكون امراً مرحبا، لو أن فضاءات قبو quot;سردابquot; النصب، اُستغلت لغرض تلبية مستجدات المشروع، وصممت فيها احياز متممة الى ثيمة النصب، تتضمن فضاءات لمعروضات جديدة تحكي تاريخ وسير رجال العراق الذين عملوا بجد وبنكران ذات من اجل رفعة البلد وعلو همته، بالاضافة الى تمجيد quot;جنودهquot; المجهوليين الذين قدموا حياتهم دفاعا عن الوطن وشعبه. وبهذه الاضافات فان النصب المعاد، في اعتقادنا، سوف يغتني وظيفيا ورمزيا. فهو من جهة، سيحتفظ بشكله الاصلي المعروف، ومن جهة آخرى، سيظهر تصاديه مع المتطلبات التى تفرضها عمارة الحداثة وتقنياتها المعاصرة. □□
| نصب الجندي المجهول في الفردوس |
ومعلوم ان ممارسة تشييد نصب الجندي المجهول، تعتبر ممارسة حديثة نوعا ما. بدأها الفرنسيون في تخليد ذكرى جنودهم المجهولين الذين سقطوا في الحرب العالمية الاولى، عندما شيدوا في عام 1921 اول نصب للجندي المجهول في باريس في ساحة quot; الايتوالquot;- (النجمة، الان: ساحة شارل ديغول)، تحت قوس النصر، الذي يعود بناءه الى زمن الحملات النابليونية. وقد جارى مذاك بقية العالم الفرنسيين في تقاليد تصميم وبناء مشاهد للجنود المجهولين. وعادة ما تجري تقصيات عديدة تثبت بان شخصية المدفون في ضريح الجندي المجهول هو جندي وقع في ساحة المعركة او توفي جراء اصابته بجراحها، ولم يكن هاربا، كما لم يكن اسيراً. ومنتمي الى قطعات عسكرية معروفة وغير ذلك من الامور التى تتطلب جهدا وبحثا واسعين قبل ان يدفن في الضريح اياه.
يكتسي نصب الجندي المجهول العراقي في ساحة الفردوس بعداً مضافاً كونه شيد احتفاءاً بذكرى الجنود البسطاء الذين تم quot;سوقهمquot; لحرب لم يعرفوا تماما سبب نشوبها، فضلا على انها جرت بعيدة عن اوطانهم ومكان سكناهم. وانا اشير الى وقائع الحرب العالمية الاولى وقبلها، ( اذ لم يخض العراق الى وقت تشييد النصب في 1959 اي معارك كبيرة، ما يتعذر تبعا لذلك، نشوء ظاهرة الجنود المجهوليين). ففي ازمنة تلك الحروب نظمت باستمرار حملات quot;سفر برّquot; العثمانية التى بسببها حُصدت ارواح آلاف التعساء الذين ادخلوا ارض المعارك حتى من دون تهيئة او تدريب كافيين، وتساوى مصير ضحاياها quot;المجهولينquot; منهم مع quot;المعروفينquot;، بيد ان كليهما لم يحظ بدفن رسمي. وظلت قبورهم منسية وبقيت اجسادهم تروي الاراضي التى سقطوا فيها، ولكن من دون اي شاهد لهم. فبالضد من وجود مقابر جماعية للاتراك واخرى مقابر خاصة الى الانكليز بالعراق، لا يوجد ذكر لاية مقبرة تميّز جنود ارض وادي الرافدين الذين سقطوا قتلى في تلك الحروب. من هنا، في اعتقادنا، يمكن فهم بواعث اعتزاز العراقيين بمغزى تلك الالتفاته لثوار تموز 1958 بتمجيد اؤلئك الجنود البسطاء: المعلوميين والمجهوليين، والاحتفاء بهم في آن واحد،... وبنصب واحد!.
| النصب بعد ازالته |
يتكون النصب، كما هو معروف، من قوس خرساني عالٍ نوعا ما، ومغلف بالمرمر ذي لون ضارب الى الزرقة، quot;يحميquot; اسفله ضريح الجندي المجهول. وبغية تكثيف التأثير الحسي للنصب، لجأ المعمار الى مزيد من الاختزالية في اسلوب لغته التصميمة، والى تقشف جرئ في عناصره التكوينية. اذ لم تكن quot;جملةquot; النصب التذكاري المعمارية، سوى quot;مفردةquot; واحدة تقريبا وهي مفردة القوس، قوس بعقد مدبب. لم يشأ المعمار ان يكون قوسه عاديا. فجعل جدرانه الساندة مائلة، ما أضفي مزيدا من الرشاقة التكتونية والخفة البصرية، التى يحتاجهما لينأى عن انطباع quot;الثقالةquot; التى قد تتولد من جراء طبيعة المادة الانشائية المستخدمة في التشييد.
أهتم القرار التصميمي اهتماما عميقاً بان تكون هيئة النصب quot;محفوظةquot; بصرياً وبسرعة في ذاكرة المتلقي. من هنا اسهم اختيار quot;القوسquot; كعنصر تقليدي ومألوف في البيئة المبنية المحيطة، رغم هيئته المميزة غير العادية، في تيسيير مهام الحفظ. كما إن quot;تنظيفquot; الموقع واقتصار مفردات تصميم الفضاءات المفتوحة على ساحة مستوية ومبلطة بالكامل تقريبا، عزز من حضور التضاد وحصر تمظهراته العمودية في مفردة القوس، والافقية في سطح الساحة المستوية؛ ما أسهم هو الآخر في تسريع ترسيخ quot;اميجquot; النصب لدى المتلقي. ثمة منطقتان مستطيلتان متماثلتان واقعتان على جانبي النصب، اقتطعا من سطح الساحة الدائرية وزرعتا بالثيل، لونهما الاخضر الطازج يكسر رتابة لون quot;صحراءquot; الساحة المدورة، التى منها ينهض quot;ساقاquot; قوس النصب العالي اللذان تم حفر قوساً آخرا على شكل قطع دائري، في قاعدة كل منهما بغية تخفيف صلادة كتلة النصب، من دون التأثير على منظومته التركيبية. وظف المعمار بحساسية عالية منظومة التدرج المناسيبي لاقسام النصب. ثمة درجات مقننة تدور مع دوران محيط دائرة النصب وترفع ارضيته، محددة بذلك تخوم حدوده الفاصلة بينه وبين مستوى الشوارع المجاورة. وتمتد من منطقتي الثيل المستطيلتين، quot;الواحquot; منحنية مزروعة بازهار متنوعة تضفي بالوانها المختلفة جوا لونيا هادئا. استفاد المعمار بكفاءة واضحة من عدم استقامة شارع السعدون في منطقة ساحة الفردوس، ليوظف ذلك الحدث التخطيطي في تنويع اسلوب رؤية النصب من طرفي الشارع بزوايا مختلفة. وقد تمكن من quot;تحريكquot; محوره لبلوغ حالة يتم فيها انثيال صوري متدفق ومتغير لهيئة النصب.
وباختصار، فان مشهد نصب الجندي المجهول، بلغته التصميمية المعبرة والمختزلة، وانفتاحيته العالية وحرية الوصول الى جميع اجزاءه، وخصوصاً الحرية المتاحة للجميع، جعل من مقامه ليكون الاكثر إنتماء والاكثر الفة واعتزاز لسكنة بغداد وزوارها. فضلا على ما يمثله من إضافة كشاهد quot;متروبوليتانيquot; يضيف دلالة جديدة الى رموز تماثيل العاصمة الثلاثة التى عبرت بوجودها في الماضي عن طبيعة النظام السابق، المتمثل بالملكية المسنودة من قبل العشائر والانكليز، والمقتصرة وقتها على تمثال الملك فيصل في الصالحية، وتمثال السعدون في الباب الشرقي، وتمثال مود في كرخ بغداد. واياً تكن مرجعيات المعمار التصميمة، فقد قدم لنا مشروعا ناضجا ومؤثرا، هو الذي لم يمض سوى ست سنوات على تخرجه المهني، لتضحى هيئة نصب الجندي المجهول في الفردوس، غُبّ ظهوره، quot;ايقونةquot; بصرية لمدينة تطمح ان تكون حضرية وعصرية في آن. ولهذا كان وقع ازالة النصب بليل سريع ومفاجئ من سنة 1982 محزناً ومأساويا لكثر من العراقيين وخصوصا سكنة العاصمة،.ونظر البعض الى واقعة الازالة بمثابة فقدان جزء عزيز من ذاكرتهم، ونقص فادح في صورة مدينتهم، مثلما رأى بعضهم في دلالات هذا الحدث انكسارا للامال، وعدوها احدى quot;آمالهم المجهضةquot;، بلغة عصام غيدان. وما اكثرها في الوقت الاخير!.
| نصب الجندي المجهول في الكرخ |
وبالمقابل فان اعمال إعادة التشييد في الفردوس، وإن حافظت على هيئة النصب القديم، لكنها يتعين ان تأخذ في نظر الاعتبار المستجدات التى طرأت على طبيعة المنتج المعماري مع توظيف خلاق للامكانات الضخمة التى توفرها المنظومات التقنية المعاصرة. ويمكن للمرء ان يجادل حول قضايا مهنية تنشأ عادة جراء اعادة التشييد، وبالاخص تأثير متغيرات الموقع الجديدة ومجاوراته على مقياس النصب ومحدودية ارتفاعه؛ وفيما اذا كان ذلك سينعكس سلبا عليه. والحال ان تلك القضايا تتطلب اجتهاداً تصميماً وحلولاً تكوينية كفوءة بمقدورها ان تزيل بعض من تلك السلبيات. لكن الاهم في كل ذلك ان يتم التعاطي مع تلك القضايا بمرونة وابداع عاليين يتجاوز الفهم الآحادي للعناصر التصميمية المشكلة للتكوين، بضمنها المقياس المعماري. وسيكون امراً مرحبا، لو أن فضاءات قبو quot;سردابquot; النصب، اُستغلت لغرض تلبية مستجدات المشروع، وصممت فيها احياز متممة الى ثيمة النصب، تتضمن فضاءات لمعروضات جديدة تحكي تاريخ وسير رجال العراق الذين عملوا بجد وبنكران ذات من اجل رفعة البلد وعلو همته، بالاضافة الى تمجيد quot;جنودهquot; المجهوليين الذين قدموا حياتهم دفاعا عن الوطن وشعبه. وبهذه الاضافات فان النصب المعاد، في اعتقادنا، سوف يغتني وظيفيا ورمزيا. فهو من جهة، سيحتفظ بشكله الاصلي المعروف، ومن جهة آخرى، سيظهر تصاديه مع المتطلبات التى تفرضها عمارة الحداثة وتقنياتها المعاصرة. □□
معمار وأكاديمي
مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون







التعليقات