عبد الله كرمون من باريس: قضى ويلي رونيس وترك مرمّلة سلالم منطقتي منيليمونتون وبيلفيل الباريسيتين. وخلف آلة تصويره على طرف طاولة، مسلما شمعته التاسعة والتسعين لأمر الانطفاء قبل يومين. لعل الأمر لم يكن حدثا مفاجئا، لا للرجل ولا لعشاق فنه، مادام قد تعب من الجري وراء الأشباح التي منحها ألقا يليق بكائنات نورانية، ملتقطا بعدسته لحظة الوهج التي تقف فيها.
قلت تعبا، لأنه هو من وظف الكلمة قبل سنوات، إذ أكد أنه لم يعد يستطيع الركض خلف طرائده، وصار مكتفيا بالنظر من نافذته على الحياة التي تسيل أسفل دون أن يكون بوسعه أن يفعل أي شيء من أجل أن يجسد بعضا من ملامحها مثلما كان دأبه من قبل؛ أي قبل أن يدب دبيب الشيخوخة في عروق قدميه ويديه.
عرف الرجل بدماثته وحسه الإنساني العالي، هذا من جانب أخلاقه. أما فنه التصويري فيشكل مدرسة خاصة انضوى تحت لوائها فوتوغرافيون آخرون.
الذي أفضله لديه، على روبير دوانو مثلا، هو حرصه، في الغالب، على تلقائية صوره، ما يمنحها مشروعية فنية فريدة. إذ يقتصر على قوة عدسته واختياره الزمان والإطار كي يفجر طاقة فنية هائلة.
الآن، وقد التحق بأنداده، أو بأجمل صوره، لا يمكننا القول عنه بأنه مات. ألم يكن من جعل حية في ديمومة عبر الزمن، باريس الثلاثينيات والأربعينيات، بل باريس حياته، التي صار يكتشفها على مر الأيام. لقد كان مؤرخا من طينة مخالفة. وكان شاعرا حقيقيا عبر صوره.
لقد خلف كتب صور عديدة جمع فيها أهم صوره. سواء تعلق الأمر بصور متفرقة أو بصور تنضوي تحت موضوعة معينة، مثال ذلك صور العري أو أيضا كتابه الجميل quot;قطط ويلي رونيسquot; الذي ضمنه صور قطط المنزل الريفي الذي قضى فيه إحدى إجازاته فيما مضى.
نعرف جيدا أن هذه الفترة بالذات وفي ذلك المنزل بالتحديد رأت صورة quot;العري الريفيquot; النور، والتي تظهر فيها زوجته آن_ماري عارية، أمام المغسل تنعش وجهها بماء يوقظها من قيلولة رائعة، وقد غمر النور الزوالي الغرفة. سيكون من نافل القول أن هذه الصورة من أعزها إلى نفس ويلي رونيس.
قبل الحديث عن القطط، أجد أن صور ذلك المنزل الريفي، تشكل في نظري، ليس فقط ألبوما جميلا ورائعا، وإنما أعتبره مونوغرافيا منزل قروي، تسجل حياة أهله وأدواتهم ومعمار بيتهم وظروف الحياة والتي كانوا يحيونها حينه. فنرى السلالم القديمة وثمة عدل هنا وقُفة هناك، كي نبصر مصباحا بتروليا معلقا على حائط، وكل ما يدل على حياة بسيطة وقروية ينبعث من تفاصيل لا تخطئها العين في صور ويلي رونيس. أما القطط فلها عالمها الخاص في صوره. حيث تكون نائمة، مطاردة لطريدة، ولم ينس الفوتوغرافي أن يردف الصورة بالكلمة معلقا عليها. مثال القط الجالس على سلمة درج والتي كتب تحتها: quot;عندما أضجر أنتقل إلى سلمة أخرىquot;. أو صورة ذلك القط الرافع بصره أعلى، والمصيخ السمع quot;في الأعلى صوت غريب، يلزم أن أصعد كي أتفقد المكان وأرى ماذا يحدث تمquot;. أو القط المتعلق بأغصان شجرة متمددا في مرونة quot;أتذكر أنه كانت لي رغبة دفينة في أن أتحول إلى فهدquot;.
غير ذلك لقد تأبدت سلوكات وحركات وهيآت القطط في صور ويلي، وليس من المبالغة ذكرها من بين القطط التي عرف بها مشاهير آخرين آمثال كوليت وبودلير في quot;أزهار الشرquot;.
إنها مجرد التفاتة سريعة إلى الرجل الذي فارقنا، كنوع من التحية، وكوفاء دائم إلى جمال صوره، التي ستخلد ويتجدد لا محالة حبها لدى الأجيال القادمة.

[email protected]