كتب عدنان أبو زيد: لم يكن العام 2003 بالنسبة للرسام حسين اللامي، علامة فارقة في عمله كرسام، فقبل هذا التاريخ كان يرسم شخصية واحدة، هي صدام حسين، أما اليوم فهو يرسم صور زعماء العراق الجدد. وعلى الرغم من أن حسين يجني دخلاً جيدًا من رسمه لصور زعماء العراق الجدد في الوقت الحاضر، لكنه لا ينسى انه كان يحظى بالتكريم من الجهات الحزبية والحكومية أبان عهد صدام، وأغدق عليه مسؤولون الهدايا ومنها قطعة ارض لتفانيه في رسم صور صدام ومساهمته في نشر صور الزعيم في مناطق مختلفة في العراق. وبحسب اللامي فإن زعماء العراق الجدد خرجوا من تحت عباءة دكتاتور اسمه صدام حسين، فقد كانوا معارضين له لكنهم استنسخوه، ليتناسل عن ذلك زعماء دكتاتوريين صغار، لم يبتكروا حتى أدوات تسلطهم بل استعانوا حتى بأساليب صدام الدعائية ومنها جداريات صورهم التي فاقت صور زعيم العراق الراحل.

لكن السؤال اليوم.. أين صور صدام المليونية وهل ما زالت معلقة في بيوت العراقيين، أم أن حالها حال تمثال الفردوس الذي أطيح به عشية دخول القوات الاميركية إلى بغداد، وداسته أقدام العراقيين في الشوارع..

وبالنسبة للامي فمازال يحتفظ بصور صدام التي رسمها وهي بأشكال وأزياء مختلفة كان يرتديها صدام، وتمثل بالنسبة له تاريخًا فنيًا لا يفرط به.

لكن المفاجأة أن اللامي يعترف أن عراقيين يطلبون منه رسم صور صدام. ويضيف اللامي.. مازال عراقيون يعلقون صوره في البيوت، ومنهم بعثيون سابقون أو مواطنون يرون أن الوضع الحالي أسوأ مما كان عليه في عهد صدام.

وبحسب اللامي فإن مناطق الريف العراقي ما زالت ترى في عهد صدام خيرًا، لأسباب منها أن الفلاح العراقي كان يعيش فيquot; بحبوبة quot; بعد أن أغدق صدام الأموال الطائلة على فلاحي العراق لتشجيعهم على الإنتاج إبان فترة الحصار الاقتصادي في الثمانينيات.

ولا يحبذ عراقيون يعلقون صور صدام في البيوت أن يعلم الآخرون بالأمر، خوفًا من البطش بهم من قبل سلطات نافذة في عراق اليوم. وبالنسبة لـquot;سنة quot; العراق فإن الأغلبية تترحم على أيام صدام، حيث تعلق بيوت كثيرة من أبناء هذه الطائفة صوره علنيا حيث امتلكت هذه الطائفة الجاه والنفوذ في عهده، لكن هذا لا يعني أن صدام كان منبوذًا من الأغلبية الشيعية كلها، ففي بيت ( ح. ساجت ) وهو شيعي صورة كبيرة لصدام في غرفة العائلة، فمازال صدام بالنسبة إليه زعيمًا وطنيًا حافظ على أمن العراق واستقراره.
وبحسب ساجت فان خطأ صدام الوحيد أنه لم quot; يساومquot; وكان واثقًا من وقوف الشعب إلى جانبه في حربه مع الولايات المتحدة لكن الشعب خانه.
وبينما كانت صور صدام تمثل البوابة لكل مدينة عراقية حيث تنتصب جدران ضخمة عند مداخل المدن، فان تلك الجدران الضخمة مازات ماثلة للعيان لكنها تحتوي صور زعماء العراق الجدد.

ومازال الرسامون يعكفون على عادتهم في رسم صور الزعماء.. وبينما كان كريم لفتة من بابل يستدعى لرسم صور صدام، مقابل مكافآت، فان ممثلي الأحزاب يتوافدون عليه لرسم صور زعمائهم، لكن لفتة يعترف أن ثمة quot; ديمقراطية quot; في رسمه للصور، وهو يستطيع أن يرفض ذلك، أما في عهد صدام فلم يكن بوسعه الرفض. ورسم لفتة صورًا لزعماء دينيين تنتصب على شكل جدران في مداخل ثلاث مدن في وسط العراق.
وخلال هذا العام رسم صور صدام لأشخاص يدعون أنهم يفعلون ذلك بدافع الذكرى وليس حبا بصدام كما يصرحون. لكن لفتة يرى أن هناك من يعلق صور صدام في بيته، ولا سيما في مناطق الريف حيث يكن بعضهم حبًّا خاصًّا لصدام عكس أبناء المدن.

ويفسر أحمد الكربلائي هذا السلوك الاجتماعي إلى الضجر من الوضع الحالي، ليولد من جديد حنين إلى أيام ساد فيها الأمن وقل فيها المورد، وهذا نقيض الحال اليوم حيث انعدم الأمن وارتفعت القدرة الشرائية.

وطيلة السنوات الماضية رسم الفنان شبيب حمد صورًا لرئيس الحكومة العراقية، وزعماء آخرين، يفوق عددًا مرسمه من صور لصدام طيلة سنوات. ويرى شبيب أن طريقة التعبئة الإعلامية لم تختلف كثيرًا عما كان عليه الأمر في عهد صدام، ومثال ذلك بحسب شبيب صورة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي المحمولة على الأكتاف في بعض الاستعراضات العسكرية. وبحسب شبيب فإن ذلك تعبير عن هواجس النمط المتسلط أو الساعي إلى فرض السلطة حتى وإن كان باستنساخ نموذج كرهه العراقيون. وفي شمال العراق فإن جداريات صور جلال الطالباني والبارزاني، تحتضن بوابات مدن كردستان، حيث يتسابق رسامون عراقيون على إظهارها على أكمل وجه.

وكان حزب البعث بالعراق أنتج شخصية quot; القائد الضرورة quot; طيلة ثلاثة عقود بالتزامن مع إعادة تكوين حداثوي، بغية تفكيك بينة اجتماعية عشائرية قوية، ولم يكن ليحدث ذلك من دون نشر صور الزعيم في كل مكان. ورافق السعي لتكوين قاعدة تابعة للنظام توزيع المغانم والمكاسب على الموالين والأتباع ويحرم منها الخصوم والمنافسين السياسيين، ويستقطب المجموعات والعشائر والتجمعات، وكان quot;رسمة quot; صدام هي دليل الطاعة والخضوع، ويتوجب تعليقها لتأكيد ذلك.
بل أن سائقي السيارت فضلوا في حسنها تعليق صور صدام في سياراتهم تجنبا لشبهات quot; عدم الولاء quot;.

وحمل رسامون عراقيون لقب quot;رسام صدام quot; وكان فخورين في وقت من الأوقات بحمل ذلك اللقب لأنه يعني الجاه والسطوة والغنائم. وإذا كانت صور صدام قد انحسرت في العراق فأنها لازالت ماثلة للعيان بصورة جلية في شوارع المدن العربية مثل مدن المغرب العربي وفلسطين والأردن. ولا تخلو متاجر وسط عمان من صور زعيم يعدّه أردنيون وفلسطينيون بطلاً قوميًا وقف بوجه إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن الحاج خليل وهو صاحب مكتبة يقول إن عراقيين كثر يشترون صور صدام ويقبلونها أمامه. ويبيع السمهوري، وهو فلسطيني أصله من يافا صور صدام بشكل مفرط إلى درجة انه احتار في كيفية الحصول على امدادت لتلبية الطلب المتزايد بحسب تصريحه لوسائل إعلام. وباع السمهوري لوحة كبيرة لصدام يبدو فيها مبتسمًا ويرتدي حلة زرقاء بستين دولارًا لامرأة عراقية.

وفي الرمادي بغرب العراق ما زال الرسامون يرسمون صور الزعيم، وبحسب عبد الله الجبوري فإن صدام ببدلته العسكرية وهو يحمل البندقية ما زالت الصورة المفضلة لدى أبناء الرمادي الذين يحنون لأيامه.

وحتى في النجف وهي مدينة الشيعة المقدسة ويعدها بعضهم رمزًا لاضطهاد صدام للشيعة فإن ثمة بيوتًا تعلق صور صدام في الخفاء. وبحسب احمد الحسيني وهو نجفي ويقيم بهولندا..فإن بيوت نجفيين يعلقون صور صدام في غرف نومهم، كي لا يراها الآخرون لكنه يفسر الأمر على انه توق لأمن يفتقدونه اليوم. وبحسب الحسيني فان شجاعة صدام وتفرده وإقدامه تمثل لعراقيين واحدة من صفات الرجولة. لكن الحسني يعترف أن صدام اخطأ في تقديره لنتائج حربه في الولايات المتحدة. ويعلق بيت عراقي في النجف صورة صدام وهو يزور قبر الإمام علي في المدينة. يضيف الحسني. نظام صدام كان عراقيا حارب الفكر الطائفي الانقسامي شيعيا كان أم سنيًا.. ويضيف الحسني.. نريد صدامًا جديدًا للعراق، وبغير ذلك سيختفي العراق من الخارطة.

و (ع.م) يبلغ من العمر 55 عامًا من بيئة فلاحية يعلق صور صدام في مضيفه، مفسرا الأمر النحو التالي..لقد أغدق علي صدام بالمال والسيارات وكان يشجعنا على الزراعة أيام الحصار لاقتصادي، وكنا في بحبوحة فكيف يمكن أن نسى فضله علينا..

حميد الصالحي يقول.. وأنا أ انظر غلى صورته تمنيت أن يكون بيننا. لقد اشتقت إليه كثيرًا في ظل الصور الكثيرة المهينة اليوم والتي لم تنجح في إعادة تكوين عراق مستقر. ويضيف.. صور صدام حسين ستظل عالقة في الأذهان لأنه جعل العراق عزيزًا.

وكانت جولة في مكتبات عراقية وباعة كتب متجولين بحسب تحقيق سابق نشرته إيلاف بيّن إن الكتب quot;البعثيةquot; موجودة فعلاً على ندرتها، ويفسر rlm;rlm;( محمد على ) الظاهرة بأنها ليست غريبة فكتب البعثيين لم تمنع رسميًا بل انحسرت، ويمكنك أن تجد كتب صدام حسين وميشيل عفلق وآخرين من الكتاب والسياسيين القوميين في rlm;المكتبات وهي موجودة بجانب كتب ومجلات أخرى ممنوعة. لكن ( محمد ) يؤكد إن الكتب الدينية ( شيعية وسنية ) غزت الأسواق، وكتب اليسار والقوميين نادرة أمام تيار rlm;الكتاب الديني الجارف الذي يباع بسرعة ويتلقفه الناس.

( كامل الجزائري ).. ينظر إلى الأمر على أنّ العراقيين rlm;بدؤوا ينظرون إلى الوراء من هول ماعانوه، و( الجزائري ) مثقف عراقي ومدرس لغة عربية يعتقد إن الشريحة rlm;المثقفة بدأت تتداول كتب البعث القومية من جديد إضافة إلى كتب اليسار والماركسية بعد أن أغرقت الأسواق بالكتب الدينية لمؤلفين غير مختصين لا تعترف بها المراجع الدينية نفسها بل هي نتاج مرحلة الفوضى والاحتلال. rlm;

و( كامل ) على اتصال مع بعثيين يوزعون المنشورات rlm;وصور صدام ويهدون الكتب النادرة التي كانت في يوم من الأيام تملأ شوارع العراق من الشمال إلى الجنوب...وعن أهم الكتب المتداولة يقول ( كامل ) كتب صدام حسين ومؤلفات ميشيل عفلق تأتي في المقدمة لكن كتاب rlm;rlm;( محاولات اغتيال صدام ) موجود لدى الباعة المتجولين إضافة إلى كتاب ( البعث والعراق ) لميشيل عفلق rlm;حيث أعيدت طباعته بطريقة ( الفوتو كوبي )..ويروى ( الجزائري ) بيع كتب البعث واليسار لاتخلو من مجازفة، فمنتسبو الأحزاب الحاكمة لايسمحون بذلك rlm;ويهددون من يبيع هذه الكتب.

وفي بعض المدن العراقية يفترش بائعون الارض عارضين صور صدام المختلفة، ويقول الفتى حسين كامل.ز نعم أبيع منها ولولا ذلك ما عرضتها..ويستطيع ( حسن محمد ) أن يوفر لك أي كتاب تريده من كتب ( البعث )،، يقول حسين.. قل ما تريد وأنا اجلبه لك لكنه يبيح بالسر في الأمر فهو بحكم معارفه وعلاقاته فإن الناس يثقون به ويبيعونه الكتب التي احتفظوا بها من rlm;الزمان السابق، لكن ( حسن) لا ينكر أنّ هناك خلايا بعثية ناشطة توزع فكر البعث من جديد وهي نشطة وتتلقى rlm;إقبالاً من قبل الناس.rlm;

ويعلل ( حسن ) الأمر إن المثقفين يدركون إن الفكر القومي لم يكن سببًا في ما وصل إليه العراق بل يعود إلى rlm;التطبيق الذي ارتكب أخطاء قاتلة أسقطت البعث والفكر القومي، ولعل أهم الأخطاء بحسب حسن كان من الممكن تجنبها كما يرى بعثيون يلتقيهم ( حسن ) داخل العراق rlm;وينشطون في خلايا سرية لها قياداتها المحلية غير المرتبطة بالقيادات التقليدية لحزب البعث... rlm;ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصور معاكسة أيضًا. ففي سبعينات القرن الماضي كان سوق ( الفكر ) أحاديًا موجّهًا rlm;وكانت الكتب الدينية وكتب اليسار الشيوعي تمنع ويحاكم من يقتنيها، أما اليوم فإن هناك اتجاهًا لتعطيل حرية rlm;الفكر عبر تسييس الحياة الثقافية من قبل قوى نافذة، ولا سيما الدينية منها عبر منع الكتب القومية والاشتراكية rlm;والماركسية وكتب المفكرين المنفتحين على الأفكار الغربية...rlm;

يقول ( الجزائري ) انه يذهب إلى شارع (المتنبي ) كل جمعة باحثًا عن ضالته حيث أنواع الكتب من شتى rlm;المشارب والاتجاهات وليس سرًا لرواد هذا الشارع انك تحصل على الكتاب الذي تريد من كل الأزمة والعهود... ويضيف ( الجزائري ) كتب القوميين والبعثيين تجدها بسهولة في السوق وعادت إلى الظهور ويشتريها الناس، rlm;ربما لان الناس ترغب في النادر وما أصبح جزءًا من الماضي. ويروي ( صلاح الخفاجي ) لإيلاف انه كان شاهد عيان على حفلات حرق صور صدام و كتب البعثيين والشيوعيين والقوميين rlm;في الكثير من المدن العراقية عقب الاحتلال العام 2003، لكن يشهد اليوم انه صور صدام تعود على مهل لبيوت الكثير من العراقيين.