قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

باسم النبريص: أن تبلغ الستين، لا زوجة ولا أولاد: لا وظيفة ولا شبكة أمان من أي نوع، ثم فجأة يباغتك المرض، وتحتاج إلى عمليّات، تعقبها فواتير باهظة عليك سدادها، خصوصاً وأنت مترحّل أبدي في بلاد غريبة، فهذا مؤلم. بل هذا قاس قسوة أن لا تجد كفافك المُستحَق، وأنت من أنت، فيما غيرك، ممن يتناسلون ويتشابهون كالضفادع، يجدون كل شيء ويبطرون من كل شيء.
آه يا خالد. ماذا فعلت ثقافتنا بنا أيها العزيز!
تضيع في قرية إسبانية، وأنت الشاعر المترحّل والمثقف الموسوعي، عاجزاً عن مداواة ألاعيب القدر، ومحتاراً كيف ستغطي نفقات عملية مفاجئة، لم تكن بالحسبان.
أنت يا واحداً من ألمع وأنبل وأعمق المثقفين العرب. عملية فتق بسيطة تُربك ميزانيتك التي ارتضيتها كفافاً من أول العمر إلى آخره، كي لا تدفع ثمناً لمُرابٍ سياسي أو لأُلعبانٍ اجتماعي، أو لصفٍ من الأمساخ بينهما.
أيها البكر، عن موقف ووعي، النظيف عن جهاد، الحقيقيّ كدفقة دمّ. ماذا فعلت بك الأيام وقد شطّ المزار؟
في لحظات ضعفك الإنسانيّ، وفي تخاذل جسدك عن حمل روحك الكبيرة، لم تجد أحداً، لا دولة ولا quot;صديق وقت الضيقquot;.
آه يا خالد. ماذا فعلت ثقافتنا بنا أيها العزيز!
أيام بورقيبة، سجنوك واضطهدوك، في ميعة الشباب.
أيام بن عليّ، سجنوك وكسروا كتفك، في فجأة الكهولة.
والآن يكمل المرض [من الداخل هذه المرة] ما فعله الطغاة.
ومع ذلك، تتحدّث عن محنتك كشأن عابر، لتعود وتتكلّم عن الكتابة [فالكتابة الجيدة نضال حقيقي] ولا بد أن يحتشد لها المرء، بالدم والعرق والدموع.
لكنني لا أبلع هذه الكلمات، على نبلها وألمعيّتها. لا لن أبلعها. وإذا كنت أنت، كمثقف راهب، تستطيع التعالي على شأن شخصيّ، مهما تكن قسوته، فإنّ من حق أصدقائك ومحبيك، أن يتألّموا، وأن يكتبوا، فالحال هو هو تقريباً، في هذه الصحراء الملحيةّ المترامية من ماء المغرب لماء عُمان.
إنه السؤال الجارح كسكين مجلوخ: لمَ يعني خالد؟
ولمَ يُترك لمصيره، مثقف كبير، هو ضمير شعبه وأمته، التي لم يخذلها يوماً، دون رعاية من الدولة التونسية؟ من شعب علّم العرب المحدثين كلهم معنى الكرامة ومعنى الكبرياء؟
آه يا خالد. ماذا فعلت ثقافتنا بنا أيها العزيز!
وماذا فعلت أنت بنفسك؟
وماذا فعلت بلدك بك ولك؟
لن أطيل. سأذكر قصة حدثت قبل شهور، لتعرفوا أي رجل هو هذا، وأية أخلاق يسمو بها في تفاصيل حياته اليومية وسلوكه، كأنه _حقاً_ طالعٌ من زمن الفرسان.
حين أرسلت إليه مخطوطة كتابي quot;زيارة إلى القدسquot;، وفي صفحة الإهداء اسمه، رجاني أن أرفع الاسم، وأن أضع مكانه اسم المثقف والمناضل التونسي عبد العزيز الثعالبي.
كتبَ يقول : [بالنسبة للإهداء أنا أزلت اسمي. ولديّ اقتراح أن يكون الإهداء لرجل تونسي عظيم هو الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كان أحد جنود القدس (...)
وهذا الرجل جار الحائط لبيت جدّي لأمّي. وعندما كانت طفلة كانت تلعب في بيت الشيخ الثعالبي، والثعالبي معاصر لسعد زغلول ولكن في رأيي هو أهم من سعد. كان زعيماً ومصلحاً من قامة الشيخ محمد عبده و جمال الدين الأفغاني.
فالرجل كان يتحرك في العالم الإسلامي يجوبه من تونس لمشارف الصين
وفي كلّ بلد يحل فيه يؤسس حزباً مناهضاً للاستعمار]
ولماذا هذا التغيير؟
[أريد لكتابك أن يكون وشيجة تحيي رابط تونس بفلسطين]

آه يا خالد النجار!