سمير طاهر:تكتمل هذه السنة مئة عام على رحيل الروائي والمسرحي والشاعر والكاتب السياسي والرسام والمصور أوغست ستريندبيرغ، الشخصية الأكثر إثارة للجدل في كل تاريخ الثقافة الاسكندنافية، والكاتب الذي هز الحياة الفكرية في السويد هزة أخرجتها من الظلام الى النور. وللأسف فبرغم أهميته هذه لم يحض القارئ العربي بترجمة وافية لأعماله، فما نقل منها الى لغتنا قليل جداً، مثلاً بضع مسرحيات من بين 60 مسرحية كتبها، أما رواياته على أهميتها فبالكاد يعثر على واحدة منها في المكتبة العربية. فلتكن هذه المناسبة فرصة لكي أدعو المترجمين العرب الى سد هذا النقص وتعريف الجمهور بأعمال أحد أعظم عباقرة الأدب في العصر الحديث، عبقرية تبجلها الاحتفالات الاستثنائية التي شهدتها بلاده من أقصاها الى أقصاها وستتواصل طوال العام، حيث عرضت مسرحياته الشهيرة الى جانب مسرحيات تدور عنه، وأفلام ومسلسلات تلفزيونية عن حياته، بالتزامن مع محاضرات ومعارض ونشاطات متنوعة كثيرة بما فيها حتى جولات مشي ثقافي في الشوارع التي شهدت خطاه وفعاليات في الساحات والمكتبات العامة. باختصار، هذه السنة هي سنة أوغست ستريندبيرغ بامتياز. احتفاء لم يسبق أن منحه المجتمع على امتداد تاريخه لأي شخصية أخرى.
من الصعب ـــ والحق يقال ـــ الاحاطة بهذا العبقري في مقالة. ليس فقط بسبب غزارة انتاجه وتنوعه، ولا بسبب تعدد مجالات تفوقه من الأدب الى الفن الى المواقف السياسية، وإنما لأن حياته نفسها هي من التقلب والتنوع ما يستغرق كتباً. وهذه ليست مبالغة وإنما بالفعل هناك كتب تخصص كل منها في فترة أو مرحلة أو جانب من جوانب هذه الشخصية.
من استقراء حياة ستريندبيرغ تبدو عبقريته ـــ في تقديري ـــ نتاج مزيج من ثلاثة عناصر: التناقضات المجحفة التي تعرض لها أو شهدها على امتداد مراحل حياته؛ والوعي المرهف بها؛ والاحساس القوي بأناه. أو ببساطة، هي روح التمرد على الظلم مهما كانت أشكاله. في سن الثامنة فقد أمه، وبعد سنة تزوج أبوه للمرة الثانية، وفي خلال هذه التغيرات كانت المسافة تزداد اتساعاً بينه وبين أبيه (البورجوازي المنحدَر، المثقف، لكن quot;البارد المشاعر، القاسي والمهيمنquot; كما يصفه أوغست) واستمرت من سيء الى أسوأ سنة بعد أخرى. وحين كان في سن السابعة والعشرين علم بأن أباه أوصى بكامل إرثه لشقيق أوغست وحرمان الأخير من أي نصيب فتشاجر معه وكان ذلك آخر لقاء بينهما حيث قاطعه أوغست حتى موت الأب بعد سبع سنوات من ذلك.
في مسيرته العلمية والمهنية ظل هذا المزيج الثلاثي نشيطاً، مثمراً حين يتحول الى أدب، هدّاماً حين يتسبب في ضياع الفرص وتدمير العلاقات. وبدا تنقله غير المفهوم بين فروع الدراسة والمهن وكأنه بحث عن الذات. يبدأ الدراسة في الجامعة ثم يتركها بعد فصل واحد؛ يشتغل في التعليم بعض الوقت ليمول دراسته للطب؛ يجذبه التمثيل ويعمل ممثلاً ثانوياً ثم لا يلبث أن يقطع هذا ليعود الى الدراسة الجامعية، التي يحرم منها بعد فترة بسبب اعتراضاته وشجاراته الدائمة مع المدرسين. ولم يستقر إلا عندما حصل على وظيفة في المكتبة الملكية، وهي الوظيفة التي لها الفضل في إغناء ثقافته وانطلاقه في عالم الكتابة. في هذه الفترة أصدر أولى وأشهر أعماله الروائية: الغرفة الحمراء (1879) لتصير حدثاً فاصلاً في الأدب السويدي حيث أدخلت هذا الأدب الى عالم الحداثة، كما كانت أول ظهور للأتجاه الطبيعي في السويد، وهو اتجاه سيعززه ستريندبيرغ بعد عدة سنوات بمسرحيات: الأب؛ الآنسة جوليا؛ الدائنون. وفي هذه الفترة أيضاً كتب أولى مسرحياته: الأستاذ أولوف، التي حين عرضت لم يعلم الجمهور أنها كانت تتويجاً لقصة كفاح عنيد: فحين قدمها المؤلف الشاب أول الأمر الى مسابقة الأكاديمية السويدية فشلت في المسابقة، فأرسلها الى المسرح الملكي فلم يقبلوها كما هي بل طالبوا المؤلف باجراء تعديلات عليها وحذف ما اعتبروها مقاطع عدمية، ففعل وعاد إليهم بها فطلبوا تعديلات أخرى ففعل أيضاً وهكذا خمس مرات أكلت منه خمس سنوات. هذه الادارة الثقافية الرجعية ستكون هدفاً لنقده السليط ومعها كل النظام الملكي والكنيسة والقيم الاجتماعية السائدة، نقداً وصل ذروته في كتابه quot;المملكة الجديدةquot; الذي أثار ضده زوبعة من العداء السافر كان من أمثلته كتاب ألفه أحد القساوسة بعنوان quot;أدب ستريندبيرغ والانحرافات بين فتيان المدارسquot;! ونتيجة لهذه الحملة أجبر على مغادرة البلاد الى فرنسا وسويسرا، لكنه واصل من هناك الكتابة بغزارة فأنجز روايات ومسرحيات ومجموعات قصصية رسخ فيها خطه في نقد الواقع بأسلوب فني، وهو ما قربه من فكر الشباب وزاد من انتشار أعماله، الأمر الذي أقلق النظام وإدارته الثقافية فوجهت له تهمة التجديف بالدين والتشهير استناداً الى فقرات من المجموعة القصصية quot;الزواجquot; وقدم للمحاكمة. ومع إن المحكمة حكمت ببراءته إلا ان ما تخلل القضية من اتهامات كيدية، وما تكشف عن دور القصر الملكي فيها وكذلك دور الملك شخصياً الذي كان يريد أن يمنع نشر الكتاب، وجو التآمر والتحريض الاعلامي عليه، كلها أثرت على صحته النفسية، فانفجر مهاجماً الملك ورئيس الأكاديمية السويدية (التي تمنح جائزة نوبل) وأعضاءها quot;الهواةquot; على حد وصفه. يذكر ان الأكاديمية كانت وقتها محكومة بادارة رجعية الفكر ومتحجرة الذهنية وظلت تقابل ستريندبيرغ ازدراءً بازدراء حتى آخر لحظة؛ وعندما رشح لجائزة نوبل في أواخر حياته استبعدته الاكاديمية بتبريرات واهية فثارت موجة من الاحتجاجات والمظاهرات وأطلق أنصاره، بمبادرة من رسام اشتراكي، حملة تبرعات لجائزة أسموها quot;جائزة نوبل المضادةquot; أو quot;جائزة الشعبquot; بلغ مجموع المساهمين فيها (وغالبيتهم من عامة المواطنين) 40 ألف شخص، فجمعت ما يعادل في أيامنا 300 ألف دولار، ومنحوها له باسم الشعب! وعادت هذه الأموال الى الشعب ثانية حيث تبرع أوغست بمعظمها لمؤسسات مدنية مثل خزينة دعم العاطلين عن العمل. قدمت له هذه الجائزة في آخر عيد ميلاد له، 22 يناير 1912، حيث قصدت بيته مسيرة شارك فيها 15 ألف مواطن من محبيه. لم يكن ذلك أقوى لطمة على وجه الاكاديمية السويدية ولجنة نوبل البورجوازية وحسب، وإنما كان حدثاً ليس له نظير في تاريخ الأدب في العالم.
مثلما كان أوغست رائد الاتجاه الطبيعي في الأدب السويدي برواية quot;الغرفة الحمراءquot;، ورائد مسرحية الفصل الواحد، فقد كان في رواية quot;ابن الخادمةquot; رائداً لاتجاه جديد عرف بالأدب العمالي استمر عقوداً طويلة بعد ذلك. لكن يجدر الاستدراك هنا الى نقطة مهمة هي ان سترينبيرغ، العصي على التقولب الآيديولوجي، كان ينطلق في ثوريته من منطلق فردي محض هو عشقه للحرية ورفضه الصارخ للعلاقات غير العادلة سواء كانت على مستوى شخصي أو عام، ولهذا جاء هجومه على الطبقة العليا والملك والجيش والمؤسسة المحافظة نابعاً من طبيعته المحض. وقد تلقي هذه النقطة ضوءاً يفسر تعقيد علاقته بالأدب العمالي وبالحركة العمالية. فالأدب العمالي الذي افتتحه هو لم يستمر فيه وإنما ـــ انسجاماً مع تحرره الفني وسعيه الدائم للتجديد ـــ جرّب في أعماله اللاحقة نهوجاً أخرى تاركاً هذا النهج لكتاب آخرين واصلوه. وبالنسبة للحركة العمالية، التي كانت في أوج قوتها وتؤسس تنظيماتها السياسية، فقد كان متشككاً فيها وتصور ان العقيدة الاشتراكية تعني الالحاد، هذا في الوقت الذي كان فيه الاشتراكيون يستلهمونه ويناصرونه في صراعه مع القصر وكان المضمون الجوهري للاشتراكية يجري في دمه وينطق به قلمه! غير إنه في أواخر حياته كان له اتصال مع عدد من المسيحيين المؤمنين من أعضاء حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي وأدى ذلك الى توسيع معرفته بهذا التيار ومنذ ذاك صار يصف نفسه بشكل علني بأنه quot;مسيحي واشتراكيquot;.
أوغست تجريبي كبير، لا يتردد من سلوك طريق جديد عليه أو تجريب أسلوب لم يستخدمه هو ولا غيره من قبل (أليس هو من سهر الليالي بين المحاليل الكيمياوية لاثبات فكرته بامكانية تحضير الذهب في المختبر؟!) وهذا يتطلب خاصتين كانتا على الدوام جزءاً من شخصيته: إيماناً قوياً بالذات، وجرأة. لذلك سيلاحظ القارئ أنه ثمة بين عمل وآخر من أعماله مسافة فكرية وفنية واسعة بشكل لم يحصل مع أي كاتب آخر. فمن الواقعية الى الطبيعية الى النفسية الى الخيالية الى الرمزية الى التاريخية يتنقل متسائلاً وباحثاً. والسر في هذا هو انه لم ينطلق من فكر معين ليقرأ العالم وإنما انطلق من نفسه ليتلمس العالم ويحسّه. وإذْ سار على هذا النهج طوال حياته الفكرية فقد كان حصاده النهائي هو إن السويد بعد أوغست ستريندبيرغ لم تعد هي نفسها قبله.
ينطبق على هذا الرجل مثال الشمعة التي تحترق لتنير للناس. فما حققه من اختراقات في الفن وما قام به لتقريب بلاده من المستقبل كان دوماً على حساب صحته الذهنية وسلامه الروحي. ثلث حياته قضاها خارج بلاده. نوبات عصبية وفترات اختلال ذهني قاربت الجنون. زيجات وطلاقات عاصفة. تشهير. محاربة. كل هذا ولم يحدث أن أعطى لنفسه أوصافاً كبيرة كالتي نطلقها عليه اليوم. كان يرى نفسه كاتباً حراً مستقلاً يريد أن يعبر عن آرائه ويتقبل عواقب هذه الآراء دون شكوى. بهذا التواضع صنع له مجداً أبدياً.
ستوكهولم