وردوّهن...هيت

وردوّهن هيت واخطاه الدليلة والموارد غير هيت مقضباتي
روّحن مثل القطا صوب الثميلة ضمرٍ تضفي عليهن العباتي
واّهني الترف منسوع الجديلة ما ضواه الليل عند (مغرزاتي)
آه من قلبٍ على حامي المليلة لو تذكرت العصور الماضياتي
عصر من ينطح مقاديم الدبيلة لا بتي لا جا نهار الموجباتي
دون دين الله نتعب كل أصيلة نبذل المجهود دون مخاشياتي
من تعبث بالفرايض عزتي له نقعده حدب السيوف المرهفاتي
هذه القصيدة للملك عبد العزيز أل سعود من الشعر النبطي يذكر فيها مدينة هيت أنها مورد للماء لكنها ليست كالموارد الأخرى(مقضوبة)، بل أن القوافل يمكنها التزود منها بالماء دون مقابل، وهيت مدينة تقع على نهر الفرات مباشرة من جهة وعلى الطريق المؤدي إلى مدينة حلب الذي يشكل حافة الصحراء من الجهة الأخرى، وهي أيضاً سوقاً تشتري منه القوافل حاجاتها من التمر والدبس والأقمشة والحاجات الأخرى وتبيع فيه منتجاتها من السمن واللبن المجفف والجلود والأصواف وغيرها، وفي فترة الصبا كانت القوافل تنزل في أطراف المدينة، ورأيت في تلك الفترة أن قطعان الأغنام كانت تسير بخطوات متتابعة متناغمة على صوت جرس كان يعلق في رقبة كبش يسير مع القطيع يسمى (مرياع) وشاهدت أيضاً أجراساً كانت تعلق في رقاب الحمير التي هي واسطة النقل الوحيدة في دروب المدينة الضيقة وسألت في تلك الفترة عن سبب تعليق هذه الأجراس في رقاب الكباش والحمير وعن الفائدة منها إلا أنني لم أحظ بجواب، قد سمعت أيضاًً أن العمال من قبيلة الدليم الذين كانوا يعملون في بناء معسكر الحبانية بعد الاحتلال الانكليزي للعراق سنة 1918 قد خصصوا شخصاً يعزف لهم أثناء ساعات العمل على آلة (المطبق) التي تسمى (المجود) في بلدان عربية أخرى، وكانوا يجمعون له أجراً من أجورهم، وحين جاء المهندس الانكليزي يتفقد العمل خافوا وطلبوا من العازف التوقف عن العزف لكن المهندس الانكليزي طلب من العازف الاستمرار بالعزف وخصص له أجراً كأجر العمال الآخرين، وحين سألت عن السبب الذي دفع المهندس الانكليزي لتخصيص أجراً للعازف كأجور العمال الآخرين لم أجد أحداً يخبرني عن السبب.
وفي المرحلة الدراسية الثانية في المدرسة الابتدائية اختار معلمنا ومرشدنا المرحوم سعيد حمد عواد عدد من التلاميذ كَون منهم جوقة وطلب من أفراد الجوقة أن يعمل كل واحد منهم غطاء للرأس على شكل مخروط طويل من ورق المقوى مزين بورود من ورق ملون يتدلى من أعلى قمته خيط مربوط به جرس وكتب قصيدة من نظمه طلب من أفراد الجوقة حفظها ودربهم على القيام بحركات والتمايل وهم يحركون رؤوسهم عند قراءة القصيدة وفي أحد أيام الأسبوع في وقت إصطفاف تلاميذ المدرسة صباحا
قبل بداية الدرس الأول طلب من أفراد الجوقة الوقوف قي وسط ساحة المدرسة أمام التلاميذ جميعا وهم يلبسون المخاريط الملونة في رؤوسهم ويتمايلون ويحركون أجسادهم ورؤوسهم فتصدر الأجراس إيقاعات ولحناً ملائماً مع القصيدة التي يرددوها والتي أحفظ منها مقطعاً لا زلت أتذكره الآن:
چنڱة رنڱة چنڱة رنڱة
عدنا دجاجة تبيض بيض الغزلان
لا تمشي وحدك ياكلوك الصفران
چنڱة رنڱة چنڱة رنڱة
وفي المرحلة الدراسية الخامسة في المدرسة الابتدائية وجهنا معلمنا في درسي العربية والدين المرحوم الشيخ ضياء الدين محمد سعيد الهيتي لسماع المذياع (الراديو) والإنصات إلى تلاوة القران الكريم بالطريقة البغدادية بصوت المرحوم الحاج محمود عبد الوهاب والمرحوم الحافظ مهدي لتعلم تلفظ مخارج الحروف وتعلم
تجويد القراّن الكريم بالاستماع، وكان المرحوم الشيخ ضياء مفتي مدينةهيت وخطيب
الجمعة في جامع الفاروق فيها وكان عالماً متنوراً محباً للأدب والشعر والفكاهة له ديوان أدبي يعقد كل ليلة في بيته يقصده الشعراء والأدباء ويقصد المرحوم الشيخ الخطيب كل من ضاقت به السبل للإفتاء له من مدن العراق الأخرى ومن بعض البلاد العربية، وقد أفتى لرجل طلق زوجته وأراد إرجاعها لأنه يحبها ولا يقدر على مفارقتها قبل أكثر من 75 سنة حين لم يجد من يفتي له بإرجاعها أن تخوض زوجته في نهر الفرات حتى يصل الماء محاذاة صدرها وأن يعيدها زوجة ويقال ان مفتي الديار العراقية في ذلك الوقت المرحوم الشيخ أمجد الزهاوي قبل فتوى الشيخ الخطيب ووضعها فوق رأسه احترماً لمن أفتى بها، ومنذ ذلك الوقت أخذت أستمع الى تلاوة القراّن الكريم من الإذاعة العراقية ومتابعة بعض البرامج وغناء بعض المطربين مثل برنامج سير الزمن تقديم المذيع ناظم بطرس وأحببت المطرب المرحوم ناظم الغزالي وأخذت أترقب حفلته الغنائية على الهواء مباشرة من الساعة التاسعة والنصف حتى الساعة العاشرة ليلة الاثنين من كل اسبوع، وكان المطرب المرحوم ناظم الغزالي يغني في بداية الحفلة أحد المقامات العراقية ويليه بستة من البستات العراقية المعروفة و ينهي حفلته الغنائية بغناء أبيات من الشعر الفصيح وأبوذية ذات معنى يتوافق مع معنى أبيات الشعر الفصيح، وكمثال على ذلك يقول امرؤ القيس:
أيا جارتا إنا مقيمان هاهنا وكل غريبٍ للغريب نسيب
فإن تصلينا فالمودة بيننا وإن تهجرينا فالغريب غريب
هدر دمعي على خدودي يجارى
وعلينا كل شي المقدر يجارى
صليني ولا تعذبيني يجارة
غريب ولو هجرتيني خطية
وقد لا يعرف الكثير أن المطرب المرحوم ناظم الغزالي غنى قصيدة (للريل وحمد) للشاعر مظفر النواب بلحن ركبانية، (والركبانية لحناً هي ضرب من الحدوتقرأ منفردة أو في نهاية المقام خصوصاً الجاركاه والخلوتي أو عوضاً عن البستة) قبل غناء المطرب الياس خضرلها بما يزيد على ربع قرن من الزمن، ونشرت قصيدة (للريل وحمد) كاملة كما أتذكر سنة 1959 أو 1960 في مجلة المثقف العراقية التي أصدرها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وكتب لها الشاعر مظفر النواب مقدمة في
المجلة: (أحبت حمد وأحبها وكان حباً لطيفاً لون أيامها بالفرح، وانحدرت بقطار الجنوب بعد سنين من الهجر، ومرت بمشارف عشيرة حمد، لكنها لم تتحدث إلى حمد بل تحدثت إلى القطار وهذه القصيدة مهداة إليها والى صديقي ذو العيون الخضر المملوءة بأيام النضال)، ولا زلت حتى الآن رغم السنين البعاد أردد مع نفسي في بعض الأوقات هذا المقطع من القصيدة كما غناه المطرب المرحوم ناظم الغزالي ركبانية:
جيزي المحطة بحزن وونين يفراڱين
ما ونسونه ابعشكهم عيب تتونسين
ياريل جيم حزن أهل الهوى أمجيمين
وهودر هواهم ولك حدر السنابل ڱطة
وفي المرحلة الدراسية الثانية في جامعة بغداد عرفني صديقي الأديب القاص والروائي والسياسي إبراهيم أحمد على مطرب العراق الأول المرحوم الأستاذ محمد القبنجي، وكنت أذهب مع صديقي إبراهيم أحمد في بعض الأمسيات للجلوس مع المرحوم الأستاذ محمد القبنجي في مقهى صغير كانت تقع بين مطعم شباب الكرخ ومطعم القاهرة لا تبعدعنها السفارة البريطانية التي كانت تقع قريبة من منطق الشواكة إلا مئات الأمتار، وكان صديقي إبراهيم أحمد وأنا نسأل المرحوم الأستاذ القبنجي أسئلة عن المقام العراقي فكان يجيب على أسئلتنا ويحدثنا عن رحلته مع المقام العراقي، فأحببت المقام العراقي أكثر وأصبحت من عشاقه وأخذت أتردد إلى مقهى المقام العراقي، وهي مقهى صغير تقع في نهاية سوق الهرج في الرصافة مقابل الإعدادية المركزية، وفي أحد الأيام التي كنت فيها في المقهى وضع صاحب المقهى في جهاز الكرامافون أسطوانة وأدارها فانبعث من الاسطوانة صوت مطرب العتابة المعروف عكار (وهو والد المطرب المشهور المرحوم جبار عكار) وهو يغني بيتاً من العتابة:
حسافة يادهر أتميل وتعل
وحسباتك تفت الچبد وتعل
وتبني للعفون قصور وتعل
وتنزل بالكرام أهل السخا
وقد روى لنا شيخاً كان يجلس في المقهى بعد سماع بيت العتابة فقال:
كان المطرب عكار يجلس في إحدى مقاهي بغداد مع بعض المعارف، فوضع صاحب المقهى اسطوانة في الكرامافون وأدارها، فدارت الاسطوانة وسمع عكار بيت العتابة الذي سمعناه فبكى، فسأله أحد الذين كانوا يجلسون معه: كم أعطاك من قلت في حقه هذا البيت؟ فأجابه عكار: أعطاني 75وسبعون روبية(والروبية عملة عثمانية مقدارها 75 فلساً وهي عملة هندية أيضاً مقدارها 75 فلساً، تداولت بعد الاحتلال الانكليزي للعراق سنة 1918وقبلأصدار العملة الوطنية العراقية بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1920) .وحين كنا في الكتاب(الملا)نتعلم قراءة القراّن الكريم قبل الدراسة في المدرسة الابتدائية كان صديقي القاص والروائي إبراهيم أحمد يقود التلاميذ حين يختم أحد منا القراّن الكريم، وكان بقرا قصيدة ختم القران التي مطلعها:
باسم الإله الملك الدياني هو الرحيم الراحم الرحماني
وكنا نحن التلاميذ نشكل جوقة نردد بعده ما قد قرأه بنفس اللحن ونحن نتجول في دروب المدينة وكنا نستقبل بالزغاريد من قبل النساء وهن يقفن بأبواب بيوتهن حتى نصل إلى بيت من ختم القراًن الكريم فتستقبلنا أمه وجيرانها من النساء بالزغاريد أيضاً وهن ينثرن الحلوى فوق رؤوسنا وصديقي إبراهيم يعيد قراءة القصيدة ونحن نرددها بعده من جديد فتقوم والدة من ختم القران بتقبيل ولدها هي وجيرانها من النساء ثم يزغردن سويةً زغرودة واحدة بصوت واحد فيعم الفرح الجميع.
وكان صديقي إبراهيم أحمد في صغره ذا صوت جميل وكنا نصعد أنا وهو وبعض من كان معنا في المرحلة الأخيرة في المدرسة الابتدائية إلى منارة جامع الفاروق التي يبلغ ارتفاعها 36 متراً في كل يوم جمعة مع مؤذن الجامع للمناداة لصلاة الجمعة قبل إقامة شعائرها وقراءة بعض التواشيح الدينية، وكان صديقي إبراهيم أحمد يساعد مؤذن الجامع ويقرأ بعض القصائد التي كنا نحفظها في المدرسة بالحان جميلة ويدور في محيط المنارة ليسمع أهل المدينة المناداة لصلاة الجمعة كما كان يفعل المؤذن في وقت لم تكن فيه مكبرات الصوت قد نصبت في الجامع.
وفي مرحلة الدراسة الإعدادية صنع صديقي إبراهيم أحمد آلة القانون الموسيقية وأخذ يعزف عليها ويغني أمامنا نحن أصدقاؤه بصوته الجميل إلا أنه لم يلبث طويلاً حتى ترك العزف والغناء.
وفي المرحلة الثانية في دراستي الجامعية استطعت معرفة ما سألت وأنا صغير: لماذا كان العامل يعزف للعمال على اّلة( المطبق)، ولماذا كانت الأجراس تعلق في رقاب الكباش والحمير؟فعرفت أن و.ب ييتس كتب في دراساته: (إن العلاقة بين الموسيقى
الشكلية وبين الكلمة تصبح، برغم كل شيىْ، شيئا علميا، مثلما هي حال الاكتشاف الفني)، وأن العزف على اّلة( المطبق)، وأن أصوات الأجراس في رقاب الكباش وفي رقاب الحميرهي : إيقاعاً، ويفسر الإيقاع: (على أنه تعاقب أنغام منسقة، في عملية تتابع ألحان ووقت، ومنشؤه فيزيولوجي، بلا مراء، وربما كان متعلقاً بوجيب القلب ويشاطر الإنسان فيه سائر الحيوانات)، وقد تأنس الإيقاع عند الإنسان فأصبح مهمة اجتماعية هي: تنظيم إرادات الناس في أفعال متوافقة تنظم مشاعرهم لتقربها باستمرار بغية توحيدها على أساس من التعاطف المتبادل، ويمكن رؤية المتأنسن الناجم عن استخدام الأدوات أثناء العمل، وق عرف أن الأطفال عندما يتعلمون الكتابة يمدون ألسنتهم على إيقاع كفهم وأنهم يلفظون الكلمات بالصوت العالي، لا لأن أحداً يسمعهم، بل ليساعدوا أنفسهم على تسير القلم، وهذه الحركة غير إرادية تماما، والذي يحدث بالفعل، هو أنه يوجد( بث عصبي)يبتدئ من الأعضاء المحركة في اليد حتى المنطقة المجاورة للدماغ التي تراقب اللسان ولكن عندما تتحسن انفعالات الولد مع التجربة العلمية، يزول هذا البث العصبي، ويمكن التدليل على صحة ذلك بأغاني العمل وأغاني الحصاد وأغاني الغزالات وفي صيحات المجذفين، لان هذه الأغاني والصيحات الإيقاعية مهمتها تعجيل عملية الإنتاج، هذا كتبه( ك.بوشر)عن أغاني العمل الإنكليزية.
وفي هذه الفترة سمعت ممن له معرفة في قراءة المقامات أن: مقام البيات يقرأ لتفريج الهم، والحسيني يقرأ في حالة الترفه، والرست يقرأ للوقار، والأوج يقرأ حين استعادة الذكريات، والعجم يقرأ حين يكون الجو حماسي، والصبا يقرأ في حالات الحزن والشجن، والحجاز يقرأ في وقت الحجيج وفي الآذان.
وفي بداية المرحلة الدراسية الجامعية الثالثة تقريباً أنعقد المؤتمر الدولي للموسيقى العربية ببغداد(24 رجب138-28 تشرين الثاني 1964)، وصدر بمناسبة ذلك كتب عديدة تبحث في الموسيقى العربية، اشتريت منها واحداً هو(الدر النقي في علم الموسيقي) تأليف الشيخ أحمد عبد الرحمن القادري الرفاعي الشهير بالمسلم الموصلي ( المتوقي سنة 1150هجرية-1737 ميلادية تقريباً)، حققه وقدم له وعلق عليه المرحوم الشيخ جلال الحنفي، وكان هو الكتاب الأول في سلسلة كتب التراث الذي صدر عن وزارة الثقافة والإرشاد العراقية ndash;مديرية الثقافة العامة وطبع في مطبعة دار الجمهورية-بغداد 1964، وقد قرأت الكتاب في ذلك الوقت دون تمعن فيه وتركته، وقد وقع في يدي بعد ما يقارب الخمسين سنة، فقررت أن أقوم بعرضه لأنه رسالة مهمة في الأنغام والمقامات العراقية وتفرعاتها، كما قال المرحوم الشيخ جلال الحنفي في مقدمته للكتاب(فلقد أتاح لنا المؤلف بما عدده للمقامات والأنغام من الأسماء المترادفة والمتعددة شيئاً من الحال نهتدي به بعض الاهتداء إلى حقائق ضائعة في مسألة المقام العراقي...ويضيف المرحوم الشيخ جلال الحنفي: أما ما ورد
في غضون البحث في مسائل البروج والطبائع وبعض الأقاويل الأساطيرية فإن ذلك لا يطعن في الكتاب ولا يقلل من أهميته، فقد عجت كتب الموسيقى العربية منذ القرن الثالث الهجري بمباحث الفلك والنجوم والطبائع والاستقصاءات والعناصر، فربطت بين الموسيقى وبين الأفلاك والعوالم العلوية ربطاً محكماً..، ويضيف أيضاً: ولسنا من مشايعي المؤلف وأضرابه على مثل هذه الأقوال، ولكنا نرى أن من المهم إخراج المخطوط إلى عالم النشر ليضم إلى ما هنالك من المطبوعات القليلة المعدودة في البحوث الموسيقية عسى أن ينتفع به العاكفون على دراسة هذه النواحي..)، وعلى الرغم من أني أتفق مع ما كتبه محقق الكتاب المرحوم الشيخ جلال الحنفي في مقدمته للكتاب عن علاقة الأبراج بالموسيقى، إلا أني أود التصريح : أني قمت بتصحيح الدائرة الموجودة في الكتاب وأظهرتها بشكل صحيح في هذا المقال لوجود خطأ في طبيعة بعض الأبراج ..وقد أستدعى التصحيح أيضاً، تصحيح بعض ساعات قراءات المقامات وأوقاتها، وتطلب أيضاً تصحيح طبيعة الحروف بما يوافق طبيعة الأبراج
المعروفة(حسب معرفتي البسيطة في هذا المجال).
تضمن الكتاب على مقدمة وثلاث أبواب وخاتمة:
المقدمة: في بيان أصل المقامات ومن أين جاءت تسمية الموسيقى
الباب الأول: أن كل مقام كان لحن نبي من الأنبياء
الباب الثاني : دائرة المقامات وتعلقها بالبروج والأفلاك
الباب الثالث: طبائعها وما يوافقها من الأحرف حال قراءتها
الخاتمة: ما يوافق كل مجلس منها حسب طبائع المستمعين وكيفية قراءتها والتنقل من مقام إلى مقام وبأي منها يكون الابتداء والاختتام.
وجاء في المقدمة هو ما روي: أن موسى(كليم الله )عليه السلام أشتغل بالمناجاة لما حصل لبني إسرائيل التيه والعطش أربعين سنة، فجاء جبرائيل عليه السلام وقال: يا موسى إن الله يقرأك السلام ويقول أضرب بعصاك الحجر لترى قدرتي وحكمتي،
فضرب موسى بعصاه الحجر(فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً) فبان من كل عين صوت حسن غير الآخر، فمنها أخذت المقامات الاثنا عشر وهي أصلها..فقال جبرائيل عليه السلام (يا موسى اسق)، فاختصرت هاتان الكلمتان وجعلتا اسما لهذا الفن فقالوا موسيقى..
وفي الباب الأول جاء: روى عن بعض الفضلاء أن أصل المقامات سبعة وأن كل مقام كان لحن نبي من الأنبياء، لكن الرواية التي ذكرت في المقدمة (في التأصيل) أصح وأرجح..
الرست كان لحن اًدم عليه السلام حين قال((ربنا ظلمنا أنفسنا)) الآية.
العشاق كان لحن موسى عليه السلام لما قتل الفرعوني((رب اني قتلت منهم نفسا))الآية.
العراق كان لحن يوسف عليه السلام لما قال((رب السجن أحب اليَّ مما يدعونني إليه)) الآية.
ما وراء النهر كان لحن يونس عليه السلام لما وقع في فم الحوت((فنادى في الظلمات ان لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين)).
الحسيني كان لحن داود عليه السلام حين سجد سجدة التوبة ((واستغفر ربه وخر راكعاً وأناب)).
الحجازي كان لحن إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يذبح ولده إسماعيل((قال يا بنياني أرى في المنام اني أذبحك فأنظر ماذا ترى)) الآية.
والنوى كان لحن إسماعيل عليه السلام لما أجاب والده فقال(( يا أبت أفعل ما تؤمر))الآية.
هذه أصل المقامات إلى أن جاء من كان ماهراً في صناعة هذا الفن فاستخرج من هذه المقامات السبعة ألحاناً بحسب ارتفاع الصوت وانخفاضه( فصارت شعباً مأخوذة من الارتفاع والخفض)، ثم وزنها على البروج ألاثني عشر بحسب طبيعة كل مقام فصارت إثنا عشر مقاماً.
في الباب الثاني جاء: أن المقامات الاثني عشر مركبة من الأربع طبائع نارية وترابية وهوائية ومائية، فالراست طبعه ناري وبرجه الحمل، ساعته المريخ في الفلك الخامس يوم الثلاثاء، وله من الشعب النيريز، ويقال له باللغة الفارسية(ماية)، وبنجكاه ويقال له (مرغك)، وهو أول المقامات.
والعشاق طبعه هوائي برجه الجوزاء، ساعته عطارد في الفلك الثاني يوم الأربعاء، وله من الشعب البيات ويقال له( همايون)، وسيكاه ركب ويقال له (تركي حجازي)، وهو ثاني المقامات.
والعراق طبعه مائي برجه العقرب، ساعته المريخ في الفلك الخامس يوم الثلاثاء، وله من الشعب الصبا ويقال له (دوكاه ركب)، والجاركاه ويقال له (زوالة)، وهو ثالث المقامات.ويقال أن الملائكة تسبح بمقام( الجاركاه) لحلاوته ولذته.
والحجازي طبعه مائي برجه الحوت ساعته المشتري في الفلك السادس يوم الخميس وله من الشعب(المعا) ويقال له (دوكاه حجازي)، والحزين ويقال له (كوجك)، وهو رابع المقامات.
والزنكولة طبعه مائي برجه السرطان ، ساعته القمرفي الفلك الأول يوم الاثنين، وله من الشعب (العشيران) ويقال له( مبرقع)، والحزام ويقال له (بست نكار)، وهو خامس المقامات.
المخالف طبعه هوائي برجه الميزان، ساعته الزهرة في الفلك الثاني يوم الجمعة وله من الشعب (العزال) ويقال له نهفت، والصوفيان ويقال له(روي موزون) وهو سادس المقامات.، وقد روي أن روح اّدم لما أتوا بها لتدخل في قالب الطين استوحشت منه لأن الروح علوي والطين سفلي(ليس من جنسها)، فأمر الله ملكاً أن بدخل في ذلك القالب، فدخل الملك وسبح الله في جوفه وكان تسبيحه بمقام العزال فاستأنست الروح ودخلت، فلما استقرت خرج الملك من ذلك القالب، فلما انقطع ذلك الصوت همت الروح أن تخرج فاستوي اّدم جالساً فبقيت كلما تسمع لحناً تميل إليه
البوسليك طبعه ناري برجه الأسد، ساعته الشمس في الفلك الرابع يوم الأحد، وله من الشعب(النشابور)ويقال له سلمك، والنهاوند ويقال له(كوشت) وهو سابع المقامات.
الشاهنازطبعه ناري وبرجه القوس ساعته المشتري في الفلك السادس يوم الخميس وله من الشعب(المحير) ويقال له (بين البحرين)، والأوج ويقال له (محير أوج) وهو ثامن المقامات.
الحسيني طبعه ترابي برجه العذراء ساعته عطارد في الفلك الثاني يوم الأربعاء وله من الشعب(الحصار)ويقال له(عكبري)، وما وراء النهر ويقال له(كردانية) وهو تاسع المقامات.
المقابل طبعه ترابي برجه الجدي ساعته زحل في الفلك التاسع يوم السبت وله من الشعب(المالفت)ويقال له زوالة، والملفق ويقال له( وجه الحسيني) وهو عاشر المقامات.
النوى طبعه ترابي برجه الثور ساعته الزهرة في الفلك الثالث يوم الجمعة وله من الشعب(العريبون)ويقال له (نوروز عرب) و(السيكاه) ويقال له(نوروز عجم) وهو حادي عشر المقامات.
النوريز طبعه هوائي برجه الدلو ساعته زحل في الفلك التاسع يوم السبت وله من الشعب (نوريز روم)ويقال له (عراق عجم)و(النجدي) ويقال له( زركش)، وهو ثاني عشر مقام.وإن قيل كيف يمكن استخراج الشعبتين من مقام واحد ومن اين تستخرج؟
فذكر إبراهيم واسحق الموصلي، إن إحدى الشعبتين من(ابتداء المقام) والثانية من الميخانة .
هذه هي المقامات الاثني عشر مع شعبها فيكون مجموعا ستة وثلاثون مقاماً.
و في الباب الثالث جاء: أن من يعتني بقراءة هذه المقامات لابد له من معرفة طبائعها ومعرفة طبيعة أحرف الهجاء ليطابق بين طبيعة المقامات وطبيعة أحرف الهجاء عند القراءة، فالرست والبوسليك والشاهناز نارية، والحسيني والمقابل والنوى ترابية، والعشاق والمخالف والنوريز هوائية، والعراق والحجازي والزنكولة مائية، وما تشعب منها لحقه في طبيعته، وأن لكل حرف طبيعة أيضاً، فالألف والهاء والطاء والميم والفاء والشين والذال نارية، والباء والواو والياءوالنون والصاد والثاء والضاد ترابية، والجيم والزاي والكاف والسين والقاف والتاء والظاء هوائية، والحاء والدال واللام والعين والراء والخاء والغين مائية، فاذا أردت أن تقرأ بعض هذه المقامات فليكن في يومه وساعته، وان توافق حالة القراءة بقصيدة قافيتها حرف موافق طبعه طبيعة ذلك المقام، مثلاً إذا أردت أن تقرأ الرست فلتكن قراءته يوم الثلاثاء خامس ساعة مته فإنها ساعة المريخ، ولتكن قافية القصيدة أما الإلف أو الهاء أو الطاء والميم أو القاف أو السين أو الذال لان هذه الاحراف موافقة للرست، وكذلك كل مقام ماهو مخصوص به من الساعات في الليل والنهار حسب الجدول، وصفة هذا الجدول يبين ان ساعة الأحد مخصوصة لليلة الخميس وساعة يوم الاثنين ليوم لليلة الجمعة
وساعة يوم الالثلاثاء لليلة السبت وساعة يوم الأربعاء لليلة الأحد وساعة يوم الخميس لليلة الاثنين وساعة يوم الجمعة لليلة الثلاثاء وساعة يوم السبت لليلة الأربعاء، وأن ساعة التي أختص بها كل مقام تكون في أول النهار ثم في وسطه لان عدد الساعات سبعة ولابد من مرور اثنتي عشرة ساعة في كل يوم.
الجدول
وفي الخاتمة جاء: وأعلم أن الناس على طبائع شتى في اللطافة والكثافة وأنه لكل مقام مقام ومقال ولكل مكان رجال وحال..، فإذا كنت بمجلس المشايخ والصوفية فلتكن قراءتك(المقابل)و(نوريزعرب)و(الزنكولة)و(العريبون)لأن قلوبهم رقيقة من الرياضات والطاعات وطباعهم سليمة لطيفة من عظيم الجاهدات، فأدنى شيْ يؤثر فيهم ولأنهم أيضاً في احتراق من الأشواق، فلو سمعوا المقامات النارية لتمزقت قلوبهم لأن هذه المقامات ترابية ومائية.
وإذا كنت بمجالس العلماء فلتكن قراءتك بالعشاق والعراق والحجازي، لأنهم في غاية الحرارة من علومهم وهذه المقامات هوائية ومائية.
وإذا بمجلس أهل المناطق الباردة الثلجية فلتكن قراءتك بالرست والزنكولة والبوسليك والعراق لأن طبائعهم كثيفة باردة يحتاجون الى حرارة تؤثر في قلوبهم فالراست والبوسليك نارية.
وإذا كنت بمجلس عامة الناس فأقرأ المعا والعشيران والحزين والمحيروالشاهناز، لأن
أطباعهم كثيفة قوية، فالشاهناز والمحير نارية والمعا والحزين مائية.
فإن قيل إذا كان كل مقام مختصاً بساعة وتلك الساعة مختصة بيوم فلا يمكن قراءة كل مقام إلا في اليوم المخصوص فيه، الجواب ولو كان المقام مختصاً بساعته فيمكن
قراءته في غير يوم، مثلاً كالنوى فان ساعته الزهرة يوم الجمعة، ولكن يمكن قراءته يوم الاثنين سادس ساعة من الزهرة ويوم الثلاثاء ثالث ساعة من الزهرة كما في الجدول، وإذا أردت أن تقرأ مقاماً لابد أن تراجع يومه وساعته ليلاً أو نهاراً، وأن تراجع وزنه الذي يناسبه من الأوزان الستة، وأن تعرف (نمط) الابتداء وأن تنتقل من المقام الذي بدأت به إلى ما يناسبه وإن تختم بما هو مخصوص بكل مقام أصلاً كان أم فرعاً.أما الأوزان الستة فهي: الشاهناز والبوسليك والحصار والعراق والرست والزنكولة، وسميت هذه المقامات أوزاناً، لأن بها ارتباطا بجميع المقامات..
وأما أصول المقامات فهي أربعة: الأول الراست، الثاني العراق، الثالث الزنكولة، الرابع المقابل .
الرا ست يتفرع منه العشاق : النوى، البوسليك، الشاهناز، البنجكاه والنيريز.
العراق يتفرع منه: النجدي، الصبا، الجاركاه، الحسيني، الحصار، ما وراء النهر، الأوج والنيريز.
الزنكولة يتفرع منه: الحزام، العشيران، الصوفيان، البيات والعريبون.
المقابل يتفرع منه: المالفت، المعا، الحزين، الحجازي، السيكاه، العزال، المخالف والسيكاه ركب.
وإذا بدأت بقراءة الراست فأنتقل منه إلى النوى والعشاق والبيات وأختم القراءة بالحصار.
وإذا ابتدأت بالعراق فأنتقل منه الى النوريز والنجدي ونوروز روم وأختم بالعشيران.
وإذا ابتدأت بالحسيني فأنتقل منه الى النجدي والمحير والصبا واختم القراءة بالجاركاه.
وإذا ابتدأت بالبوسليك فأنتقل منه إلى الشاه نازوالأوج وأختم القراءة بما وراء النهر.
وإذا أبتدأت بالعزال فأنتقل منه إلى المخالف والصوفيان والحجازي والمعا والحزين والمقابل وأختم بالمالفت.هذا رأي وهناك رأي آخر هو: إذا أردت أن تقرأ بمقام فأنتقل إلى شعبته ثم أختم بما أبتدأت به.