1

سرتُ مع عبد الرحمن طهمازي مسافةً

كافيةً لأُبدي له إعجابي

بقصيدة غريغوري كورسو "الزواج"

(ترجمة توفيق صايغ).

قال لي طهمازي:

إنَّ المشكلة مع كورسو هو أنّه يكتب

متباهياً بكونه شاعراً.

بعد سنوات تعرّفت على كورسو في باريس

عن طريق الشاعر الأسود تد جونز،

في مكتبة شكسبير،

وسَرَعان ما جمعتنا البيرة

والثرثرة مع الآخرين في المقاهي الليلية

عرّفته على عبد الوهاب البياتي

الذي كنت أصعد معه كلّ ليلة،

سلالم باريس في مونمارتر...

فأجرى معه حواراً

نَشرَه في "الأقلام" أو "الآفاق".

لا أتذكّر، المهم

أنَّ صداقتي انتهيتُ منها بنتيجة:

كورسو، فعلاً

يتباهى بكونِه شاعراً.

لا أدري كيف استطاع طهمازي

أنْ يشخّصَ

من خلال قصيدةٍ واحدةٍ

في بغداد، أواخر الستينات

قرب مقهى المعقدين

حيثُ لا أحدَ يعرف من هو كورسو

شاعراً أمريكيّاً

مات بالتأكيد

متباهيّاً أنّه ابولو الإله

في عالمٍ

الشِّعر فيه

أصلا مُباهاة.

&

2& ظهيرة الانفجار

كتمثالٍ من حَجَر،

طلع الناسُ ثانيةً إلى الضوء...

هذه المرّة،

كان الشارعُ الذي وقع فيه انفجارٌ عنيفٌ،

هو موضوع اهتمامهم:

في نظر البعض

لا يزالُ مَعْلماً رغمَ الدمار الذي حلّ به،

وعند الآخر أنّه مجرّد أنقاضٍ.

وثَمَّ من يعتقد

أنّه من الضروري أخذُ صورة له

تُخلِّدَهُ في كُتبِ التاريخ.

"لكنْ"، قال مارٌ بهم،

"أيّة أهمية الآن لكلّ هذا...!"

لم يسمعْه أحد،

إذ كان الجميع قد عادوا

إلى الطرف الآخر من الظل،

بانتظار انفجار آخر

يرفع عنهم بلاطة القبر.

&

3

ساحةٌ صغيرةٌ

يفترقُ منها شوارعُ

كلُّ شارعٍ له بنايات

لكلِّ بنايةٍ سلالِم

ولكلِّ سُلّم نافذة

تعكسُ شجرةً بعيدةً

تَتساقطُ منها أوراقٌ على الأرض!

قال حارس إحدى البنايات

وهو يكنس الأدراج:

"كلُّهم الآنَ قد سقطوا،

والخريفُ لا يزالُ في أوّله"!

&

4

لا أدري مَن ورّطني...

كنتُ يافعاً

أحبّ السّينما،

أغانيَ عبد الحليم حافظ،

مماحكةَ بنت الجيران

اللعبَ في الشوارع

بين المِصرع والزّار...

ما علاقتي بالأدب

من أدخلني في هذا المعمعان

وعلّمني التمرد على الكبار.

لا أدري.

ربّما بسبب ذاك النّهار

حين كنتُ أطاردُ فتاة جميلة

دخلَتْ فجأةً مكتبة المثنّى

وحتّى لا أُكتَشَف إني أتابِعُها

رحتُ اقلّب الرّفوفَ

منتهياً بشراء كتابٍ لا على التعيين.

وحين خرجتُ

فتّشتُ عن الفتاة

لمْ أجدْها

نظرتُ إلى الكتاب

كان عنوانُه: "رسائل الأحزان" للرافعي

وما إن تصفّحته

حتّى شعرتُ أنَّ للكلمات أيضاً

أغانيَ وحانات،

صالات وملاعبَ

واكتشفتُ لحسن طالعي،

أنّ بيتَ الفتاة

يَقعُ بين السّطور

وكلّ ما عليَّ

هو أنْ

أطرق الباب.