: آخر تحديث

كلهم مفكرون عظام!

  


منذ فترة طويلة انكب الرجل على أوراق سمر يسطر عليها وصفا؛ أراده طويلا لأهل مدينته والقرى المحيطة بها. سمع كثيرا عن عائلة في قرية نائية أن أفرادها كلهم مفكرون عظام.  قرر أن يشد الرحال إليهم. ثمة بائع جوال يبيع المزامير لأطفال القرى امتدحهم قائلا، إنهم لا يرسلون أبناءهم إلى المدرسة؛ لذلك هم يشترون منه كل زماراته لهم، يهشون بها الطير عن الزرع، الذي دائما يأتي ضئيلا فاسدا! غمته حكايتهم ووجدها لا تدل على أنهم مفكرون، ومع ذلك اشترى حلوى بسيطة لأطفالهم وغذ السير إليهم! جلس قبالة رب العائلة المسن وهو يقدم له أفراد عائلته الكبيرة: هذا "شمس الدين الكاشف" بحر في الفقه، وحجة في الفتوى، كلمته فيصل بين الحق والباطل. وهذا "شهاب الفحل" المفكر العربي الكبير ،فيلسوف ، أفكاره الآن تدرس في الجامعات العالمية،  ألم تسمع به؟. "سحاب المرجل" الشاعر والمفكر العربي العظيم البارز في الاقتصاد هو الآن مرشح لجائزة عالمية كبرى، سينالها حتما ويبني بالمال زريبة لأبقارنا.  "خولة الفتون"  أستاذة عربية عظيمة هي الآن مدعوة لدولة أوربية لتلقي محاضرات عن حقوق المرأة في بلادنا. "صائل المرشد" الروائي والمفكر العربي الجهبذ توصل إلى نظريات  جديدة كثيرة في تحليل تاريخنا العربي؛ ستجعلنا نستعيد كل حقوقنا المغتصبة!  
بعد أن جلس:
ـ  أما أنا فرئيس مجلسهم، لا أحب الحديث عن نفسي، من مدح نفسه ذمها!
نعم كلنا هنا مفكرون!
سأله:
ـ أين مؤلفاتكم، مقالاتكم؟ 
قال: 
ـ  لقد تهرأت لكثرة ما تداولتها الأيدي، أرسلنا ما تبقى منها للتصحيف والتجليد المذهب!
 نهض قائلا:
ـ  تصور حتى حمارنا مفكر،تعال معي ، سأريك ذكاءه ونباهته!
اقتاده إلى مكان خلف المضيف يقف فيه حمار مرقط أقرب للوحشي، أخذ يهز ذيله كأنه يرحب بهما،  تناول الرجل علبة سجائر من جيبه، لوح بها أمام عيني الحمار، علق في رقبته كيسا صغيرة، وضع فيه نقودا. قال انتظر دقائق، سيذهب إلى سوق القرية، ويأتيني بالسجائر! وفعلا لم تمض سوى لحظات حتى دخل الحمار عليهم يسير كأنه ضابط بمشيته الطاووسية،  واخرج الرجل السجائر من كيس رقبته قائلا:
ـ   أرأيت؟ الكل هنا يفكر؟ ربما لا تصدق لو قلت لك حتى كلابنا وضفادعنا وبعوضنا وديكتنا تفكر، نحن كلنا مفكرون!
قال الرجل في نفسه إنها هبة كبرى، ها قد وصلت! وقرر أن يطرح السؤال الذي يشغلنا جميعا: 
ـ  هل أسعفتني؟ ما حل قضية بلدنا وقد تناهبته كما تعرف حروب وكوارث كثيرة بين أبنائه!
 مد رب العائلة يده إليه ليحمله على الوقوف. وقف مرغما،  قال هيا معي، تبعه، وقف به أمام حماره، انتفض الرجل مستنكرا:
ـ ما هذا؟ قضية وطننا تعرضها على حمار؟  ومفكروك  الفطاحل، ماذا يفعلون في مجلسهم؟ ألا يفكرون؟  
قال :
ـ مجلس مفكرينا هو الذي أحالها لحمارنا بعد أن اختلفوا حولها كثيرا! منذ سنوات ونحن كل يوم نصرخ في أذني الحمار بقضيتنا فلا يجيب، لكننا لن نيأس، وسنبقى ننتظر رأيه، ليتك تهتف بها معنا في أذنيه؛ فأنت ضيفنا، ربما يستحي منك، ويلقي علينا بالحل المنتظر!
انتفض غاضبا: 
ـ ما أتيت إليك لتهينني وتضعني مع حمارك!
تركه ومضى راجعا للمدينة،متأسيا لحال أهل هذه القرية التي يلجأ مفكروها العظماء كما يقولون إلى الحمار يستشيرونه! كيف تبخرت عقولهم من رؤوسهم؟ هل هي لعبة رئيس مجلسهم بعلبة السجائر هي التي قلبت جماجمهم؟ أم هناك قوة خفية لا أدركها أعمت أبصارهم؟  يبدو لي الحمار أكثر حكمة منهم، فهو في صمته الطويل كأنه قال؛ لاشيء لدي لكم،  اذهبوا لمكان آخر ،  لكنهم ظلوا يواصلون الصراخ في أذنيه، والحمار استأنس بأنفاسهم؛ تزيل عنه الذباب والحكة، وتضع الكثير من البرسيم أمامه! وهكذا يمضي الزمن بهم وبالحمار والبلاد والناس والدماء.  هرع الرجل إلى أوراقه  وسجل "في قرية تابعة لمدينتنا العريقة أفراد عائلة كثر، يدعون أنهم وحميرهم وديكتهم وبعوضهم وثيرانهم وكلابهم، كلهم مفكرون عظام، زرتهم ولم أجد صاحب عقل فيهم سوى حمارهم، لكنهم  على ما رأيت ولمست سكارى بغرورهم، غافلون عن مصيرهم ، وللله في خلقه شئون وشجون!"   
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات