: آخر تحديث
بيل برايسون: تعرّفْ على تاريخ العالم من دون ان تغادر بيتك:

ماركس كان يضاجع خادمته وفيرجينيا وولف كانت تهين خادماتها!

تتميّز كتب الأمريكي-البريطاني  بيل برايسون المولود عام 1951 بالطرافة في تناول المواضيع، وبالجاذبية في الأسلوب، وبالسلاسة في اللغة،  وباليسر والدقة في تقديم المعلومات سواء  كانت علمية أم تاريخية أم أنثروبولوجية أم جغرافية أم غيرها. لذلك تحظى كتبه التي ترجت الى جل اللغات بشهرة عالمية واسعة. كما أنه أحرزت على جوائز مرموقة في كل من بريطانيا حيث يقيم راهنا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث ولد ونشأ.  أما في العالم العربي فلا يزال بيل برايسون شبه مجهول إذ لم يترجم من كتبه إلى حد الآن غير كتاب واحد :"موجز تاريخ كل شيء تقريبا".
وخلال هذا الصيف كان كتاب بيل برايسون:"في بيتك : موجز  تاريخ الحياة الشخصية"، والذي  ترجم إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان: "تاريخ العالم من دون أن تغادر بيتك" من الكتب التي استمتعت بقراءتها، ومنه حصلت على استفادة كبيرة. بل أنني وجدت في هذا الكتاب العديد من الفصول التي ذكرتني بالجاحظ في كتابيه الشهيرين :"البخلاء"، و"الحيوان"، وأيضا في رسائله     . ومثل  الكتب السابقة يمكن أن  يقرأ هذا الكتاب كرواية، أو كبحث تاريخي، أو أنثروبولجي، أو اجتماعي أو تاريخي. بل  قد  يقرأ أيضا كبحث فكري عن التطورات الكبرى  التي حدثت عبر التاريخ البشري.
وكعادته اختار بيل برايسون الطرافة روايا التاريخ من خلال الأدوات المنزلية البسيطة مثل الملعقة والشوكة والمطبخ والساعة والملح والتوابل والخدم والقبعات والفساتين والأحذية  والكيفية التي بنيت  بها المنازل في بريطانيا في العصور الوسطى وغير ذلك.  ومن خلال هذا الكتاب نتعرف على شخصيات سياسية وأدبية وفلسفية وعلمية، وعلى جوانب مخفية من حياتها الحميمية.
في الفصل الأول، يروي بيل برايسون تفاصيل  مُثيرة عن معرض  لندن العالمي  الذي انتظم في ربيع عام 1851.  وقبل ذلك، اقترح موظف  معروف بذكائه وحسن تدبيره يدعى هنري كول كان قد زار المعرض العالمي الذي انتظم في  باريس عام 1849 بناء قصر بلوري  في حديقة" هايد بارك" لاحتضانه. وقد تم افتتاح المعرض   في أول شهر مايو-أيار 1851 بحضور الملكة  فيكتوريا التي أشادت به واصفة يوم الافتتاح ب" يوم من أعظم أيام التاريخ".  وقد بلغ زوار المعرض 110000 بينهم عجوز في الثمانين من عمرها نالت شهرة في كامل أنحاء بريطانيا التي كانت في ذلك الوقت "امبراطورية لا تغرب عنها الشمس" لأنها قطعت مسافة تقدر ب400 كلم لحضوره.

وفي  السنة التي انتظم  فيها المعرض، كان عدد سكان لندن  يبلغ 20959477نسمة جلهم من العمال. وفي كتابه :"العمال والفقراء في لندن" وصف هنري مايهيو العمال بأنهم "بروليتاريون في حالة غليان دائم ولهم آراء متطرفة". وكانت لندن في ذلك الوقت أعظم مدينة في العالم.وكانت  قد بدأت تتمتع بمرافق  هامة مثل القطارات  والمحطات الكهربائية والمجاري  والحدائق. في الآن نفسه كان المدينة "الأكثر صخبا والأكثر عفونة ونتونة أيضا". وهذا ما تكشفه لنا الكتب الصادرة في تلك الفترة خصوصا روايات شارل ديكنز.
وفي الفصل  المخصّص للمطبخ، يتحدث  بيل برايسون عن رواية يروي فيها صاحبها ويدعى سمولاّت تفاصيل الحياة اليومية  في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر. وهو يقول بإن الحليب الذي يتمّ توزيعه في سطول غير مغطاة غالبا ما يتلوث ببصاق المصدورين، وبغبار الشوارع الوسخة، وبقيء الرضع، وبالحشرات التي تكثر في   الأحياء القذرة، وبمضْغات التبغ.  ويقول برايسون أن سمولاّت قد يكون بالغ في وصفه للحياة في بريطانيا لأنه ألف كتابه وهو بعيد عنها إذ أنه كان يقيم في إيطاليا وفيها توفي  عقب مرور ثلاثة أشهر فقط على صدور كتابه.
ويشير برايسون أن زوجة الكاتب الشهير شارل ديكنز،   الليدي ماريا كلوتاربوك،  الفت كتابا عن فن الطبخ اختارت له عنوان:" ماذا نأكل هذا المساء". وما يزال  هذا الكتاب الذي نال شهرة عند صدوره خصوصا لدى الأوساط الغنية مرجعا أساسيا للتعرف على  الوجبات الشهيرة في ذلك الوقت. أما كتب السيدة ايزابيلا بيتون :"كتاب الاقتصاد المنزلي" فقد حصل على شهرة أكثر اتساعا  من كتاب زوجة شارل ديكنز إذ أنه انتشر حتى لدى الطبقات  المتوسطة والفقيرة، وظل مرجعا مهما للطبخ البريطاني حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
ويستعرض  بيل برايسون تفاصيل  تعامل بعض المشاهير مع خدمهم. وهو يقول بإن كارل ماركس كان يقيم في حي"سوهو"  بلندن في بيت لم يكن يتسع لأفراد عائلته. لذا كان  يعير فراشه أحيانا لكاتبه الخاص الذي يدعى بيبر. ورغم ضيق البيت  كان ماركس يجد دائما فرصة للاختلاء  بخادمته. ومنه انجبت  طفلا جاء الى الدنيا  في نفس السنة التي انتظم فيها المعرض العالمي بلندن .
وفي مذكراتها  تبدو فيرجينيا وولف  دائمة الانشغال بخادماتها، دون أن تخفي تذمرها  منهن. وعن واحدة من خادماتها كتبت تقول: "إنها-أي الخادمة – في مرحلة بدائية : بلا  تكوين، وبلا تربية أو ثقافة بحيث نحن لا نرى غير عقل انساني يتلوى عاريا". وبالنسبة لها تبدو الخادمات  المتجمّعات في المطبخ شبيهات  ب" سرب من الذبابّ. وأمّا  الكاتبة الأخرى  ادنا سانت فانسان ميلاّي  وهي معاصرة لفيرجينيا وولف فقد كتب تقول:" الكائنات الوحيدة التي لا أتحملها هي الخادمات.  هن بكل بساطة لسن كائنات بشرية".
ولم يكن  المفكر الشهير توماس كارليل صاحب أرفع كتاب عن الثورة الفرنسية، والمشهور بأقواله المأثورة مثل" حاول ألا" تفقد تلك النعمة التي هي الضمير" رحيما بخادماته. ومع زوجته كان يفرض عليهن أعمالا شاقة، بل أحيانا مستحيلة. فإن تقاعسن  عن أدائها، طردن بطرق خالية من أية رحمة أو شفقة. وكان يفرض على الخادمات النوم في غرف باردة، وفي القبو في ليالي الشتاء. وكانت زوجته دائمة التذمر من كل الخادمات. وفي كل مرة  تدبر حيلة   لطرد هذه أو تلك. فذات مرة ادعت أنها وجدت خادمة سكرانة  حد التلف بحيث لم تكن تعي ماذا تفعل وماذا تقول. كما أنها حطمت كؤوسا وكراس.  ومرة أخرى زعمت أن خادمة وضعت طفلا غير شرعي في غياها وغياب  زوجها ولطخت   المناديل بالدم. وفي النهاية  بلغ عدد الخادمات اللاتي تمّ طردهن من بيت توماس كارليل 34 خادمة !
ولم يكن صامويل بيبيس الذي  كان عضرا في البرلمان البريطاني، ومؤلف أشهر مذكرات عن الحياة في لندن في العقد الثاني من المنتصف الثاني للقرن  السابع عشر محتلفا في تعامله مع الخادمات عن  توماس  كارليل. بل قد يكون أشد قسوة وشراسة منه. وكان يكلف خادما شابا بضرب وتأديب الخادمات بالسوط، وبحبل مبلل وعليه الملح.  وكان يطرد أيّ خادمة  تتفوه بكلمة يعتبرها هو "بذيئة". وتمّ طرد أخرى لأنها كسولة أو لأنها تجرأت  على أت ترتدي فستانا جديدا أمام سيدها أو أمام سيدتها. وفي مذكراته لم يخف  صامويل بيبيس أنه كان يمارس الجنس مع العديد من النساء في غفلة من زوجته. وبعضهن كن خادماته.  وروت خادمة أنه كان يختلي بها في المطبخ ويداعب نهديها وهو في أقصى درجات الهيجان الجنسي. وكان صامويل بيبيس يطلب من خادماته  أن يسرّحن شعره، وأن ينظفن انفه وأذنيه. ومرة اكتشف أن رئيس الخدم  يمارس الجنس مع احدى الخادمات فطرده. ولكي ينتقم منه، أشاع رئيس الخدم  المطرود لدى  الخصوم السياسيين  أن سيده "بابوي"(أي خاضع للبابا) وهي تهمة خطيرة في بريطانيا في تلك الفترة.  وبسبب ذلك سجن صامويل بيبيس في قلعة لندن الرهيبة، ولم يطلق سراحه الاّ بعد أن تراجع رئيس   الخدم عن أقواله. ...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.