: آخر تحديث

أصل الفكر الاعتباطي

تعرَّضت سيدة بريطانية في مطلع التسعينيات لحادث بسيط أدى إلى وفاتها. وكان الغريب في الأمر أن سبب الوفاة لم يكن بفعل الحادث بل بسبب الكيفية التي تعاملت بها مع المشكلة. فقد كانت تعمل في حديقة منزلها، وخلال ذلك داست على مسمار انغرز في كاحل رجلها، وبدل أن تقوم بتطهير الجرح بعد نزع المسمار طلبت من ابنتها وضع هذا المسمار في كأس من الزيت! وبعد فترة من الزمن ماتت بسبب الكزاز الناتج عن الجرح.
لقد كانت تظن أنها بذلك الفعل تقوم بتزييت للجرح لكي يبرأ!
بيت القصيد هنا أن ما قامت به تلك السيدة لا يمثّل اجتهاداً فردياً أو عملاً من باب الابتكار، فهو ينتمي إلى نوع من أنواع الفكر الاعتباطي الذي كان يمارسه الإنسان القديم في ما سبق.
لدينا هذا المثال: إذا تعارك محاربان وقام أحدهما بطعن الآخر بسكين وبقيت هذه السكين معه ولم يمت غريمه فإنه تلقائياً، وقبل أي شيء، سوف يضع هذه السكين بالقرب من موقد النار المستعر ظناً منه بأن جرح غريمه سوف يلتهب وسوف يبقى متوهّجاً.
وإن حصل واستطاع المصاب انتزاع السكّين من عدوّه وصارت بحوزته فسوف يسرع إلى دفنها في مكان رطب لأن ذلك سوف يشفي جرحه أو على الأقل يُبقيه رطباً! وهو لا يفعل ذلك من باب الرمزية، بل هو مقتنع تماماً بأن ما يفعله هو وحده الصواب.
وهذا مثال واحد من بين عدد لا ينتهي من الأمثلة عن الممارسات والطقوس البدائية التي يعوزها المنطق.
السبب الذي يقف وراء كل ذلك نستخلصه من قول لـ تايلور: "إنها المغالطة ما بين الارتباط الذهني والارتباط الواقعي".
لكن ما هو هذا الارتباط الذهني الذي يستعمله الإنسان القديم لربط أحداثه الواقعية، ويخلط بينه وبين الأحداث الموضوعية؟
ثمة سياسة دماغية تقوم بربط الأحداث والصور من خلال رابطين اثنين هما التجاور والتشابه. وهذا القانون يظهر جلياً عندما نطلب من شخص ما القيام بعملية تداعٍ حرّ لذكرياته، لأنه سوف نلحظ تتالي عدد من الأحداث والذكريات اللامتجانسة والمتغايرة والتي لديها قاسمان مشتركان فقط هما التجاور الزمني والتشابه في تفصيل ما.
وهذه السياسة الذهنية يقوم الإنسان القديم بإسقاطها على واقعه المعاش واعتبارها معادلاتٍ تقود إلى نتائج منطقية ونافعة.
إنَّ مثالَي المسمار والسكّين لايختلفان كثيراً عن أفكار تنتشر اليوم بكثرة في مجتمعاتنا الحالية، أقل ما يمكن وصفها بأنها اعتباطية، مثل اختراع ارتباط بين عدد أحرف الاسم والحظ المرافق له واعتماد خارطة معينة كتبها أحدهم كمرجع!!
وقد انتشرت عدوى هذه الأفكار إلى أسماء المواليد الجدد واختيار الشريك وغير ذلك الكثير!!
والنتيجة المستخلصة هنا أن الإنسان القديم ما زال يعيش بيننا إلى الآن!

 كاتب وباحث سوري.
 


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. المقالة كلاسيكية
حسين - GMT الخميس 11 أكتوبر 2018 08:22
المقالة من المدرسة الكلاسيكية القديمة وافكارها شاعت في منتصف القرن الفائت، الآن علم النفس (مرفوقا بالفيزياء والعلوم العضوية) تقدم واجتاز هذه المرحلة.
2. تعليق حداثوي
بسبوسة - GMT الجمعة 12 أكتوبر 2018 12:57
أنا بإنتظار المقالة التي سيكتبها الأخ حسين عن علم النفس شريطة أن تكون ذات نكهة فيزياوية وفيها شيء من العلوم الطبيعية.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.