: آخر تحديث

في "قميص يوسف" عائشة موماد تواصل ترجمات رباعيات الرومي

تعدّ هذه الترجمة "قميص يوسف.. رباعيات مولانا جلال الدين الرومي" والتي تضم جملة مختارة من رباعيات مولانا استمرارًا لجهود المترجمة والباحثة المغربية عائشة موماد في تقديم جملة من أشعار مولانا الصوفية إلى اللغة العربية. فقد سبق لها ترجمة بعض أشعاره وعددًا من الدراسات الغربية التي كُتبت عنه وعن تعاليمه الصوفية، نُشرت في كتاب "الرومي بين الشرق والغرب" الصادر عن دار المحروسة بالقاهرة. كما شاركت في مؤلف جماعي عن التصوف المولوي بترجمة لدراسة عن تعاليم مولانا الروحية، صدرت في مركز "المسبار" بالإمارات، إضافة إلى ترجمات أخرى نشرت في مواقع عديدة، ثم صحّ العزم منها لنقل مختارات من رباعيات مولانا (أكثر من ٣٠٠ رباعية) صدرت في بيروت قبل عامين، ولقيت قبولا من كثير من القراء، فسجّل جزء منها صوتيًا وكُتبت لها مراجعات عديدة.

المختارات الجديدة التي صدرت أخيرا بالتعاون بين دار المحروسة ودار طواسين قدم لها الباحث والكاتب خالد محمد عبده الذي رأى أن مولانا جلال الدين الرومي اشتهر بكتابه المثنوي، وهو عمل شعري تعليمي أراد أن يقرّب من خلاله مفاهيم التصوف الإسلامي، سرد فيه الكثير من القصص والحكايات متأسيًا بما وجده في القرآن الكريم الذي حوى قصص السابقين وطويت في داخل كل قصة منه عبر ودروس لا يزال الناس يتدارسونها حتى يومنا هذا. وقد اعتمد فيه القصة والحكاية قالبًا لسرد أفكاره كما فعل من قبله فريد الدين العطار في مؤلفاته الشعرية الصوفية، فالحكاية تقرّب الكثير من المعاني الغامضة، وتجعل الأفكار المجردة في إطار تطبيقي يسهل على المتلقي أن يستفيد منه، كما أن القصة تجدد المعاني القديمة وتضيف إليها.

وأضاف عبده أن المثنوي لم يكن وحده النصّ الشعري الذي أملاه الرومي على تلميذه حسام الدين الملقّب بـ "بايزيد الزمان، وجُنيد الوقت"، كما لم يكن أجود نصّ شعري بلغ الذروة في الإبداع والإتقان، بل يرى الدارسون لأدبيات مولانا أن أفضل نصّ شعري كتبه هو غزليات شمس تبريزي أو كما يُسمى أحيانًا الديوان الكبير، وفيه جزء لا يستهان به من الرباعيات وبعض الأشعار العربية، انتبه إليها غير واحد من الدارسين وعمل على تحقيقها ودرسها وترجمتها. يقول الأستاذ إبراهيم الدسوقي شتا في هذا الشأن: وأعظم أشعاره لم ترد في كتابه "المثنوي المعنوي" كما هو سائد، بل إن هذا الكتاب نُظم لعامة المريدين عندما طلبوا منه كتابًا تعليميًا على منوال حديقة الحقيقة لسنائي.

وقال عبده "أما عمله الأعظم بالفعل فهو ديوان غزلياته الذي سمّاه باسم أستاذه "ديوان شمس الدين التبريزي"، وهذا الديوان الذي يحتوي بين دفتيه على اثنين وستين ألف بيت يُعدّ من أعظم ما أُلف في التصوف الإسلامي. ومن الممكن أن نجد فيه شاهدًا على أي فكرة طرقها الصوفية في أسلوب شعريٍّ حافل بالوجد، يصعب على أي ترجمة مهما بلغت من الإتقان أن تحتفظ بروحه. والرباعيات من أعمال مولانا جلال الدين الشعرية، ويصل عددها إلى 1659 رباعية منسوبة إليه، كما تصل في بعض النسخ الفارسية المحققة إلى 1983 رباعية. يختلف عدد الرباعيات المنسوبة إلى مولانا جلال الدين الرومي من مخطوطة إلى أخرى اختلافًا كبيرًا، بل ومفرطًا أحيانًا. وكثير من المجموعات الكبيرة تتضمن رباعيات منسوبة إلى شعراء سابقين ويمكن اعتبار انتسابها للرومي غير صحيح -حسب وصف فرانكلين لويس في كتابه الرومي شرقًا وغربًا. لكن طبيعة الرباعيات من حيث هي نوع أدبي موجز وعميق المعنى وشفهي أساسا جعلت كثيرًا منها ينتقل من شاعرٍ إلى آخر.

ولفت إلى أنه من جملة الرباعيات ما كُتب في الأصل باللغة العربية، ومن أمثال ذلك قوله:

لو كان أقلّ هذه الأشواق

للشمس لأذهلت عن الإشراق

لو قسّم ذا الهوى على العشاق

العشر لهم ولي جميع الباقي.

***

قد صبّحنا الله بعيش ومُدام

قد عيّدنا الله وقد تمّ صيام

املأ قدحًا وهاتِ يا خير غلام

كي يسكرنا ثم على الدهر سلام.

***

السّكرُ صار كاسدًا من شفتيه

والبدر تراه ساجدًا بين يديه

بالحسن عليه كلّ شيء وافر

إلا فمه فإنه ضاق عليه.

***

أهوى قمرًا سهامه عيناه

ما شوّش عزم خاطري إلا هو

روحي تلفت ومهجتي تهواه

قلبي أبدًا يقول: يا هو يا هو.

وأوضح عبده أن البحث عن الذات كان من المحاور التي تطرقت لها الرباعيات، مجسدة في السماع والدوران الذي يرمز إلى دوران الكواكب حول الشمس، يقول مولانا:

يرقص الصوفي كالذرات وما للموسيقى إلا أن توقظ أسرار القلب.

فالبحث عن السر يكون فينا، وفينا يوجد الكنز الخفي. هنا نلامس نقطة مهمة- كما تخبرنا إيفا دوفيتري ميروفيتش في مقدمتها لرباعيات مولانا- نقطةٌ يتطرق إليها علم النفس المتعالي للرومي الذي يتأثر بشكل كبير بالمسافة التي توجد بين "أنا" الحياة اليومية و الـ"هو" الإلهي. رؤية العالم والأشياء من هذه الزاوية مفصّلة بدقّة وعناية في المثنوي، على المستويين الظاهر والباطن. لكننا نجدها ملخصة في الرباعيات دون شرح أو تعليق.

وأشار إلى أنه في الرباعيات كما في باقي أعمال مولانا جلال الدين الرومي، يبقى العشق الموضوع الرئيسي المتناول: غياب وحضور المعشوق، آلام العاشق وحوار العشاق الذي يمزج بين الشوق واليأس، الألم والفكاهة. وقد قدم بيير روبن أربع عشرة رباعية، ترجمت إلى اللغة الفرنسية عن ترجمات نيكولسون الإنجليزية في مقال في Cahiers du Sud عام 1955، لكن آثار الرومي كانت قد صارت قبل ذلك ميسرة جدا للقراء الفرنسيين في سبعينات القرن العشرين من خلال الترجمات الكثيرة للسيدة إيفا دوفيتري ميروفيتش. فقد ترجمت إيفا أكثر من ألف رباعية اعتمادًا على نسخة فروزانفر والتي تتضمن ألفين

رباعية، وقالت باستحالة ترجمة كل تلك الرباعيات خوفًا من خيانة جمالها الأصلي. فقد اضطرت إلى القيام بتصنيف صعب ومرهق للحفاظ على جمالية هذه الأشعار الشفافة حيث تتلون كل درجات الأحوال الروحية بألوان قوس قزح: الرغبة والانفعال والحلم والكآبة والشوق. وترجم آصف خالد جلبي إلى الفرنسية مائتين وثلاثة وسبعين رباعية، نُشرت بإستنبول عام 1946، من أصل ألف وست مائة وستة وأربعين لولد جلبي أفندي، أحد أحفاد مولانا جلال الدين الرومي، الذي نُشرت ترجمته بالمجلة الفارسية "اختر" بإستنبول عام ١٨٩٤.

ورأى عبده أن ترجمة عائشة موماد تذكّرنا بالحلاج وقصته على الصليب حينما نزلت من جسده قطرة دم ورسمت على الأرض اسم الجلالة "الله". فالترجمة بالنسبة لها -كما يظهر لقارئ ثمارها- حبّ وعشق ولقاء مع عالم تحيا بالعيش فيه. ليست الترجمة نقلا لكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي ترجمة لروح مولانا جلال الدين الرومي لكي تجد طريقها إلى قلوب المحبين. ويظهر في كثير من الرباعيات التي نقلتها أنها غارقة ومستغرقة في كلمات مولانا، يجري القلم بما يريده الله وييسر لها السبل في إتمام ما تريد إبلاغه، فالغوص في التجربة الروحية لمولانا أمر صعب جدا، والعلاقة الوطيدة بين الصور الدنيوية والحقائق الروحية الغامضة هي التي تجعل أشعار مولانا فريدة من نوعها. لكن المحبة سرّ عظيم وثمرتها أعظم في حياة الإنسان.

نماذج من الرباعيات ترجمة عائشة موماد:

بحثتُ عن روح، في بحر من المرجان، مخبأة تحت زبد محيط سري. وعبر طريق ضيق، في ليل قلبي، سافرتُ وسافرتُ، فوصلت إلى صحراء.

****

أيها الصاحب! نحن قريبون منك في الصحبة، أينما حطت أقدامك نكون التربة. كيف يكون ممكنا على طريق العشق، أن نرى العالم من خلالك ولا نراك؟

***

أيتها الشمعة، كأن لك عادات أهل التصوف. فلك الصفات الست لأهل الصفاء. قيام الليل وإشراقة الوجه والشحوب، وحرقة القلب ودمع العين واليقظة.

***

وضعنا الثقة بالله وحده، ثم رحلنا، تخلينا عن عشق العالَمَين، ثم رحلنا. كانت الروح في القفص، لكن القفص أحس بالضيق، فحطمنا القفص ثم رحلنا.

***

يا لغرابة البشر! تقتلهم الروح، الغريب أن يقتلهم ماء الحياة.

إن باحوا تهدر دماؤهم، وإن كتموا العشق قُتِلوا به.

***

سألتُ الناي:" مم تشكو؟" "كيف تئن دون لسان؟" أجاب الناي:" فُصلتُ عن قصب السُّكَّر، ولا أستطيع الحياة دون أنين أو شكوى.


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. إلى من يهمه الأمر
بسبوسة - GMT الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 02:45
شعر جلال الدين الرومي أجمل بكثير مما قرأت. الجانب الرّوحي والجمالي مفقود في القصائد أعلاه. ملاحظة: مولانا رومي لم يكتب شعراً بالعربية ولا حتى باللغة التركية.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات