: آخر تحديث

المثقف وأزمة العقل الجمعي!

الثقافة : كما أعتقد هي مزيج من القيم والسلوك والفكر .. تعكس ما ينتجه عقل الانسان ووجدانه في بيئة معينة أو مجتمع واحد .

والمثقف : مرآة ناقدة ومعبرة.. أما لثقافة مجتمع محدود بسياجات فكرية تمنعه أن يتجاوز تلك الثقافة المقننة أما بدين أو عادة وتقليد فيكون مثقفا محليا .. 

أو أنه مرأة تجاوزت بمساحتها العاكسة حدود الواقع الذي صنعها لتصبح مرآة لثقافات متعددة عبر التعمق في معارف وتجارب متنوعة لمجتمعات متعددة .. فيكون مثقفا عالميا .. أو كونيا ، همه الانساني أوسع من أن ينتمي الى عرق واحد .. أو لون واحد .. أو دين واحد .. .

فيكون الانسان اينما كان أخيه ..

 وتكون الأرض بكل أرجائها وطنه ..

 وخير البلاد على وجه الأرض .. ما حملك. كقول الامام علي .

أي: ما يمنحك العزة والأمن والسلام والحرية!

وأجدر المثقفين بالإسم  ( مثقف) : هو ذلك الذي يغوص في أعماق المعارف والثقافات المتنوعة  .. يقوده عقله المتسلح بوسيلة الشك المنهجي بحثا عن الحقيقة .. ومؤمنا بعظمة العقل الذي ميز الله به الانسان على سائر المخلوقات وأمره كثيرا أن يعتمد على ذلك العقل وهو يتأمل .. ويتخيل .. ويتدبر .. كي يرى الحقيقة بعين عقله .. لا بعقل غيره .

وهذا ما دفع مفكرا فلسوفا كالفرنسي التنويري ( ديكارت) أن يطلق عبارته الشهيرة( أنا أفكر أنا موجود) بعد أن شكك في كل المسلمات التي وجدها تاريخا بين يديه يجب أن يؤمن به دون شك .. فقلب المعادلة واتخذ من الشك منهجا يصل به الى اليقين حتى تجلت له حقائق كثيرة وعن طريقها آمن بالله متيقناً وأدرك أن العقل عندما يكون متجردا من خرافة المسلمات فلابد أن يشع نوره ليرى مابعد الظلمة .. شمسا مشرقة لكل عقل جعل من التفكر وسيلته ليتعرف أولا على حقيقة نفسه قبل أن يتعرف على ماهو خارجها .. وسبحان من قال: وفي أنفسهم أفلا يبصرون؟ 

وقال ( أفلا يعقلون)؟!

أفلا يتفكرون ... أفلا يتدبرون؟!

أي أن الإنسان ملزم باستخدام عقله ليتفكر في الأمر ثم يتدبره ... كي يصل الى الحقيقة ( النسبية) وليست الكاملة عبر سلسلة منهجية من التعقل والتفكر والتدبر .. وآليتها الشك المنهجي والسببي الذي يتخذ من المنطق قاعدة للانطلاق نحو ملامسة الأشعة .

وتظل الحقيقة الكاملة عصية على كل عقل مهما اكتسب من عمق المعارف والذكاء .. لأن في اكتمالها يتوقف العقل عن التفكير .. لكن الارتقاء في نسبية الوصول الى أعلى مستوياتها .. إرتقاء للإنسان الساعي نحو الكمال دون أن يكتمل .. والعقل  المستنير هو الذي لا يكل ولا يمل السعي نحو الكمال المعرفي حتى وهو يدرك ان الكمال نسبي وليس مطلقاً.. لكن البحث عن الكمال في حد ذاته ( كمال مطلق القيمة نسبي التحقق) 

فتحدد تلك النسبية بمستوياتها المختلفة أفضلية العقول والمجتمعات التي تتبوأ مراكز الريادة  .. كل حسب ما ساهم به من تفكير وابداع للعقل المفكر !

وكلما تدنى مستوى نسبية الارتقاء للوصول الى الحقيقة عند واقع معين .. كلما كان أقرب الى العيش .. أما مُستعمراً.. أو متخلفا .. أو عرضة للإنقراض ! 

وتتحد العقول المفكرة .. أو التي لا تفكر  في نقطة التقاء هي (العقل الجمعي ) 

ذلك الذي يمثل أغلبية ما تنتجه العقول في واقع معين .. فإذا كان المجتمع .. أو الواقع .. أو البيئة .. يقوم على صناعة الفرد المستقل والمتميز بصفاته وقدراته عن الآخر .. فإن ذلك الواقع أو المجتمع سيصنع عقلا جمعياً يتحد في الأهداف ويتمايز في الأفكار والطرائق مما يجعله مجتمعاً قويا منتجا ومبدعا .. 

أي أن الفرد ذو العقل المستقل هو اللبنة الأولى لبناء عقل جمعي لمجتمع من عقول متفردة .. فيكون البناء من الأسفل الى الأعلى ..واذا كان المجتمع أو الواقع يقوم على العقل الجمعي الذي يلغي قدرات الفرد .. فإنه  سوف يعيش أزمة في مجتمع أو واقع متماسك الشكل ، لكنه هش البناء الداخلي .. بحيث تتم عملية البناء مlن الأعلى الى الأسفل .. لتشكل بنيانا من أفراد بلا قدرات .

أي أننا نستطيع أن نتخيل كيانين لعقلين جمعيين .. أحدهما :

أساسه الفرد المستقل .. المتميز .. ليؤسس المجتمع القوي .. المنتج .. وهو عقل جمعي يفكر بوعي ، وسأسميه( العقل الجمعي الإيجابي)

والآخر : أساسه الجماعة الهشة القائمة على إلغاء الفرد .. المسلوب الارادة والقدرة التي تجعله منتجاً .. ومبدعا .

وهو عقل يستورد ثقافته وأفكاره من مخزون ( اللاوعي) فلايرتبط بالحاضر ولا يسير نحو المستقبل ودائما يعيش في الماضي( العقل الجمعي السلبي).

وتكون علاقة المثقف بإحدى العقلين الجمعيين .. :

إما مثقف مستقل ومتميز ينتمي الى ( مجتمع) لا يؤمن بتميز الفرد .. وغالبا ماتذوب فيه العقول المتفردة بتميزها خدمة للجماعة.

وهنا .. يعيش المثقف المتميز  أزمة العقل الجمعي السلبي ويقاسي عذابا لا يساويه عذاب .. فلا أقسى من معاناة مثقف حقيقي وخاصة المثقف الذي يمتلك بعض ملكات العقل أو الوجدان الإبداعية .. حين يجد نفسه معزولة في مجتمع ( شكله متجانس) وهو ليس الا كيانا هشا يقوم على أنقاض المبدعين فيه.

أو يكون المثقف المتميز ينتمي الى عقل جمعي  إيجابي تأسس بعقول الأفراد المتفردين بصفاتهم المتنوعة .. وهنا يجد المثقف ظالته .. ويتحرر من عُقد الجماعة وشروطها ليبدع وعيا جمعيا مع بقية العقول المستنيره.. وهذا مانراه في المجتمعات التي صنعت بعقولها الحضارات واستمرت تتطور .

و الأمر الخطير لو إنتمى العقل الجمعي القائم على إلغاء الفرد فيه : الى مجتمع يسود فيه( الجهل المؤسس) وهو الجهل الذي يتعلمه الناس في منابر المدرسة او الجامعة او أي من منابر التأثير و المعرفة.. 

فتكون الوسيلة ( تنويرية) 

والمادة( جهل)

والنتيجة ( وعي مجهل) !

ويتطور ذلك الجهل المؤسس حتى يصل الى درجة الجهل ( المقدس) بحيث تتحد التصورات الجمعية لتمثل ضميرا جمعيا مقدساً .

ثم يصبح الجهل المؤسس المقدس: 

جهلاً مؤكداً : بحيث يصبح مع مرور الوقت واقعاً لا يقبل الشك .. 

ومثلما يقولون فإن الجاهل : يؤكد .. والعالم : يشك!!

والجهل المؤسس المقدس  المؤكد: 

هو من وجهة نظري أخطر أزمات العقل الجمعي الذي يقود الأمم الى الانهيار الاخلاقي والقيمي والحضاري .

لقد افترض دوركايم العقل الجمعي كشيء موضوعي ناتج عن دمج وتجاذب النفوس الفردية بعضها بالبعض الآخر، فهو كائن نفسي جديد، أو ان له شخصية نفسية من جنس جديد. وبذلك يتميز الشعور الجمعي عن الشعور الفردي كلياً، وان قوانين الأول تختلف عما لدى الثاني، فالكل هنا لا يمثل مجموع الأجزاء، بل شيئاً آخر تختلف خواصه عن الخواص التي تحمله أجزاؤه الداخلية. ويمكن تشبيه ذلك بالمركبات الكيميائية مقارنة بعناصرها الأساسية، كعلاقة الماء بعناصره المؤلفة من الأوكسجين والهايدروجين، فأقل ما يقال هو أن الأوكسجين يساعد على الاشتعال والهايدروجين يشتعل، لذا فالمناسب من التفاعل بينهما هو أن يفضي الأول منهما إلى إشعال الأخير، لكن ما يحدث هو شيء آخر مناقض لهذا بالتمام، ففي نسبة محددة - ذرتا هايدروجين لكل ذرة أوكسجين - يتكون الماء الذي خاصيته هو أنه لا يشتعل ولا يساعد على الإشتعال، بل يفعل العكس في إخماده للإشتعال، وبالتالي فخاصية الماء تخالف خاصية كل من الهايدروجين والأوكسجين . وقد قدّم دوركايم بعض الأمثلة المقربة للمعنى الذي يريده، مثل تشبيه الأمر بالخلية الحية مقارنة بعناصرها الضمنية، فهي لا تمثل مجموعة هذه العناصر، وانما الكل الذي يتميز عن أجزائه، وكذا الحال فيما يخص المركب الإجتماعي مقارنة بعناصره الضمنية من النفوس الفردية. لذلك كان علم الإجتماع علماً مستقلاً عن علم النفس]. انتهى قول دوركايم .

وللعقل الجمعي  تأثير على المثقف ( المستقل) .. وأقصد العقل الجمعي السلبي ( القطعاني) بشكل خاص ،المستمد فكره من اللاوعي الجمعي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات