: آخر تحديث
وقد تحول القصاصون الى الرواية

القصة القصيرة في العراق: مكانتها مميزة لكنها بحاجة الى الدعم!

 

  طالما توقفت متسائلا عن احوال القصة القصيرة في العراق، التي لم اجد اهتماما ملفتا بها خاصة بعد ان اتجه الكثير من كتابها الى الرواية ، وصرنا نقرأ لهم الروايات في كتب وتقام لها احتفاليات تواقيع يهتم بها الكثيرون، حتى اننا في كتاباتنا عنهم صرنا نرفع صفة (القاص) ونكتفي بـ (الروائي) ، واعتقد انها صفة تسعدهم اكثر ، حتى ان صاحب احدى دور النشر المعروفة في شارع المتنبي ببغداد اسرني ان كتب الروايات التي تطبع اكثر بكثير من كتب القصص القصيرة على عكس ما كانت عايه قبل عام 2003 ، مشددا على ان الاسباب تتمثل في عدم وجود الرقابة اولا ، وقد تحولت إدارة الثقافة من السلطة الى انفلات، فضلا عن عزوف القارئ عن القصة القصيرة والاتجاه للرواية بعد الفوز في جوائز  عربية وعالمية ، مشيرا الى ان الناس تبحث عن تجارب شخصية من خلال الأدب بعد فشل الايدولوجيات.
من هنا كانت نظراتنا تتطلع الى رفوف الكتب لتتعرف على المجموعات القصصية التي تقف بين الكتب الادبية الاخرى ، فلا نرى الا القليل وسط كم كبير من الروايات ، وان همس البعض في اذاننا ان القصة القصيرة تشغل مساحة جيدة من الصفخات الثقافية للصحف ، لكننا ارتأينا ان نتعرف على ما عند اهل السرد عنها .

احمد خلف : متطور بامتياز 
   فقد اكد القاص والروائي احمد خلف ان التطور هو امتياز القصة القصيرة الابدي ، وقال : يمتاز فن كتابة القصة القصيرة ، على منح كاتبها حرية تعبير فائقة الأهمية ، إذ من خلالها يتمكن ساردها من اقتناص الصغائر للتعبير عنها ، انها فن الممكن الذي ينطوي على فاعلية خاصة تدفع بالكاتب الى الشعور بالثقة في انه يروم المناطق الأكثر صعوبة ووعورة واذا كان فناناً متمرساً لن يعود من رحلته خائباً ويستطيع اذا ما تابعها ان يلمس الاشارات الخفية لعودة السرد القصصي الى مواقعه التي خاضها قبل بروز فن الرواية في السنوات الاخيرة ، لهذا يلاحظ صدور عدد من المجاميع القصصية العراقية وهي دليل عافية .
واضاف: لا ينكر المتابع الأدبي تطور القصة القصيرة في العراق حيث أصبحت ظاهرة إبداعية وثقافية متميزة جديرة بالدراسة والاهتمام الجاد ... ذلك امتيازها الابدي
 
شوقي كريم : الاقل خسائر والاكثر رقة
   اما القاص والروائي شوقي كريم فقد اوضح ما حدث للقصة وللرواية خلال الوقت السابق والحالي،وقال :القصة العراقية ومنذ انطلاقتها الاولى بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وهي تشكل هما وطنيا خالصا. استطاعت ان تثبت وجودها الناصع وسط السردية العربية التي كانت تزخر باسماء مهمة حفزت المتلقي العربي على متابعتها.
   واضاف : قدم القص العراقي في هذه المرحلة ذي نون ايوب وعبد الملك نوري وانور شاؤول وفؤاد التكرلي  وغيرهم من الاسماء ولكن الغريب في الامر ان العراق بدأ روائيا منذ البدايات حيث قدم سليمان فيضي الرواية الاستيقاضية.. وشكل تراجع الرواية امام القصة هما ليس في العراق فقط بل في عموم البلاد العربية.. ومع ظهور الترجمات وخاصة الروسية منها وهيمنة الشيوعية على الوعي الثقافي الجمعي صار تشيخوف المثل الذي يقلد.. والمثل السردي الذي يسعى السراد العرب لبناء قصصهم على منواله.. في مرحلة الستينيات كان المد السارترلي مؤثرا واستطاعت القصة احتواء هذا المد حيث تسيد القص العراقي عموم المشهد الاحترافي السردي ظهر عبد الرحمن الربيعي وموسى كريدي ويوسف الحيدري وغازي العبادي وتبعهم محمد خضير.
وتابع : واستمرت لعبة القص في سبعينيات القرن المنصرم وماتلاه.. لكن الاحداث الغريبة التي حدثت في عموم الوطن العربي جعلت المتلقي يرغب بالرواية لانها تشبع غرائزه القرائية وتمنحه فرص للتأمل والغور عميقا في الذات الانسانية،وصاحب هذا ترجمات لكبريات الروايات الحديثة بمدارسها المتعددة ولم يبتعد المشهد السردي العراقي من هذا التأثير الذي صار مباشرا عندها تقدمت الرواية على القصة دون ان تمحوها اذ تظل اللون السردي الاقل خسائر والاكثر رقة.
واضاف ايضا : الرواية العراقية اليوم تشكو قلقا معرفيا وانهمارا غير مسبوق ،لعل الاحصائيات التي اجريناها تشير الى ذلك ٧٥٠ رواية خلال هذه المدة القصيرة ونحن في ازدياد.. ولكن هل يمكن ان نسمي هذا الكم الورقي روايات.. ما الاسس التي كتبت بموجبها؟..، هل قدمت مايدهش من حيث البناء واللغة.. ستظل هذه الاسئلة وغيرها الكثير بحاجة الى مباحث نقدية تتفحص المشهد وتشير الى الصحيح منه والضعيف.

حسين رشيد : عودة القصة القصيرة قريبا
فيما اكد القاص حسين رشيد ، ان عودة القصة القصيرة ستكون قريبة، وقال : قبل سنة تفريبا في مناسبة ثقافية حوارية قلت ان السنين المقبلة وربما العقد المقبل سيكون للقصة القصيرة التي ستعود وتفرض نفسها، بعد اسابيع وفي معرض اربيل الدولي للكتاب واثناء تقديمي للروائي عبدالله صخي سالته عن عودة القصة القصيرة قريبا كان جوابه انه قرأ قبل اشهر مقالا في احد الصحف الانكليزية لكاتب معروف تنبيء بعودة القصة القصيرة الى واجهة السرد من جديد .. 
واضاف : العراق كبقية دول وبلدان العالم تاثر بموجة الرواية العالمية خاصة ما بعد الالفية الثانية وبعد التغيير النيساني في السنة الثالثة من الالفية ومع فسحة الحرية وسيل الاحداث وحقبة الدكتاتورية وجد الكثير من الادباء ان الرواية هي من يفي بالغرض التدويني والكتابي لكن لو عدنا الى بدايات الكتاب سنجد ان جلهم كانت بدايتها قصصية ثم انتقل الى الرواية واعتقد ان عدد غير قليل منهم سيعود الى القصة خاصة ان الرواية الحديثة لم تعد الرواية ذلك الفن السردي المتوقف عند حدود الأشخاص والزمان والمكان.
 وتابع: تداخل القوانين والتطور الحياتي والاتصال المعلوماتي فرض نفسه حتى على الرواية، اذ اختزال الكثير من السرد الوصفي وحتى الحوار أخذ يختفي من الرواية الحديثة السريعة الحدث ومتعددة الضربات وكأنها مجموعة من القصص القصيرة جدا او قصة طويلة متشعبة .
 
كاظم الميزري : تحتل مكانة كبيرة
الى ذلك قال القاص كاظم الميزري : لاتزال القصة القصيرة تحتل مكانة كبيرة في الوسط الادبي وقد توسعت بعد التغيير وظهرت اسماء كثيرة ومتميزة في هذا اللون الادبي بسبب الانفتاح الكبير على الاداب العربية والعالمية ولعل لخصائص القصة القصيرة التي تعتبر من الفنون النثرية السردية اثر في التوجه لكتابتها لانها تعتمد الايقاع السريع والذي يتماشى مع ايقاع العصر ولكونها تعتمد حدث واحد وشخصية محورية واحدة لذلك للمسابقات والفوز له اثر في التوجه لكتابة القصة لكن في الاونة الاخيرة وبعد الانفتاح الواسع على الروايات العربية والعالمية اخذت الرواية تاخذ مداها وبدات تظهر روايات لكتاب عراقيين واصبح الزمن أذا جاز التعبير زمن الرواية.
واضاف : الرواية في الحقيقة فن غربي لما هي القصة واول مابدا في روسيا وبلدان اوربية اخرى وانتقل للمنطقة العربية،ان كثرة الاحداث والظروف التي مر بها العراق من انظمة عسكرية ودكتاتورية وحصار واحتلال والاحداث الاخيرة من طائفية وظهور داعش وفر مادة كبيرة وكثيرة ومتنوعة للكتاب في تناول هذه المراحل والصراعات والاحداث مما وفر مادة خصبة وارضية لتناول هذه الاحداث على شكل روايات تنوعت اساليبها حسب رؤية الروائي من الناحية النفسية والاجتماعية ونظرته للبشرية والكون وللعالم والحضارة كلها عوامل ساعدت على انتشار الرواية بالاضافة للنتائج التي بدات تحصدها الرواية العراقية في المسابقات العربية والدولية وظهرت اسماء حققت انجازات كالروائي احمد سعداوي وراسم قاسم وسعد محمد رحيم ونصيف فلك وغيرهم كل هذا ساعد على تسيد الرواية المشهد الادبي في العراق

 علي لفته : عملية تغريب القصة أضرّت بالمتلقّي
 من جهته ، اكد القاص والروائي علي لفته سعيد، ان عملية تغريب القصة أضرّت بالمتلقّي، وقال : أمام  التحولات في الفن القصصي وما رافقها من عمليات تجريبٍ ومن ثم تجارب الحداثة التي لا تتوقف، وهو أمرٌ أعطى للفن القصصي أمكانية إعطاء أمره ليكون فنًّا صعبًا من جهةٍ وفنًّا غايةً في الجمال من جهةٍ أخرى، إذا ما أحسن القاص من اختيار أدواته لأن الحداثة تدخّلت ليس على مستوى التسطير القصصي وفحواها التدريسي من وجود ثيمة ومقدمة وعقدة ونهاية، بل إن الأمر تعدّاها كما تعدى خصائص الفنون الأخرى أو الأجناس الأدبية الأخرى بعد أن أصبحت عملية تداخل الأجناس ضرورةً انتاجيةً، لفهم التحوّلات التي طرأت على الوعي والثقافة والإنتاج والانفتاح والفكر في المساحة العربية، وهو الأمر الذي أدّى الى حصول حالتين في هذا الفن تحديدًا وهما أقرب الى حالة الشعر بعد تحّوله الى النصوص النثرية. 
واضاف : هاتان الحالتان أو النتيجتان اللتان يمكن عدّهما إجابةً على سؤال مفترض مفاده: الى أين يمكن أن تسير القصة القصيرة؟ ونقول إن أولى الحالتين هو صعوبة كتابة قصة لها موازين فكرية محدّدة، بمعنى إن التجريب أضحى عاملًا مهمًّا من عوامل تفعيل المخيلة لدى المتلقّي ومغادرة المخيال لدى المنتج الذي صار إنتاجه على محك أصالة التلقّي الذي نحتاج الى قدرةٍ كبيرةٍ لفهم الواقع الذي اختزلته القصة.. أما الحالة الثانية وهي الحالة السلبية فإن عملية تغريب القصة أضرّت بالمتلقّي، لأنه يشعر بصعوبة الامساك بنتائج القصة وفحواها والوصول الى لحظة الإمساك بالتأويل الذي يريده القاص ومشاركته فعل القص.

زهير الجبوري : الدعم الكافي لحضورها لم يتوفر
الى ذلك رأى الناقد الادبي زهير الجبوري، ان القصة القصيرة تنتمي إلى نخبويتها، وقال : القصة القصيرة في العراق .. حالها حال اي فن أدبي خاضع للتطور .. مهما كانت النقلات الكبيرة التي شهدتها الرواية .. لأن القصة فن خاضع للعب النصي اللغوي ..بمعنى تتمتع باشتراطات الكتابة السردية المؤطرة بلغة شعرية أو شعرية الكتابة .
واضاف : ولأن الرواية تفتح مغاليق الاجتماعي والتاريخي والمثيولوجي.. فإن القصة بقيت ضمن بنائها اللغوي من جانب فني.. بمعنى لغة التكثيف والايجاز يخضع بشروطها، القصة عكس الرواية ..القصة فن تجريدي بالدرجة الأساس .. بينما الرواية فن الخطاب السوسيولوجي أو السياسي .. تقف عن منظومة كبرى .. وهذا ماجعلها تخاطب الواقع بصراحته .. وتدخل عبر الميديا إلى الفنون الأخرى ..وتكون من جانب آخر ذات مسحة اقتصادية
وتابع : هناك مسابقات كبرى للرواية ..وهناك قراء كثر لها .. بينما القصة تنتمي إلى نخبويتها، فالقصة العراقية حاضرة بقوة في الساحة المحلية أو العربية.. لأن القاص ناسج مثقف ويمتلك وعي في الصياغة والبناء واختيار الموضوعات .. إلا أن الدعم الكافي لحضورها لم يتوفر .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات