: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

انهارت الديمقراطية الليبرالية... فكيف نعيدها إلى الحياة؟

 
تمر الديمقراطية في أيام عصيبة. فرياح التغيير في مناطق عدة من العالم ترسم معالم انهيار الليبرالية يومًا بعد يوم. كيف السبيل إلى إحيائها قبل أن تصير رميمًا؟
 
إبتسام الحلبي من بيروت: تمر الديمقراطية في أسوأ أزمة لها منذ ثلاثينيات القرن الماضي. فعدد الدول التي يمكن وصفها بالديمقراطية يتقلّص. وأصبحت السلطة في يد زعماء ورجال أقوياء في بلدان كانت تبدو ذات يوم وكأنها تتحول إلى دول ديمقراطية، خصوصًا روسيا وتركيا ومصر. 
اليوم، نجد على رأس الولايات المتحدة التي تُعتبر محرك إرساء الديمقراطية في معظم فترة ما بعد الحرب، رئيسًا سخر من منافِسته بهتافات مثل "اسجنوها" ورفض أن يقول إذا كان سيقبل نتيجة الانتخابات في حال لم تكن لصالحه.
لكن، ما هي طبيعة هذه الأزمة بالضبط؟ وما الذي يقودها؟ يتميّز كتاب ياشا مونك "الشعوب مقابل الديمقراطية: لماذا حريتنا في خطر وكيف ننقذها" The People vs Democracy: Why Our Freedom is in Danger and How to Save It (منشورات جامعة هارفارد؛ 393 صفحة؛ 29.95 دولارًا، 17.99 جنيهًا إسترلينيًا) بجودة إجاباته عن هذه الأسئلة، ويوفر المؤلّف مزيجًا رائعًا من الخبرة الأكاديمية والحس السياسي. والجدير ذكره أن مونك يدرّس في جامعة هارفارد، حيث شغل نفسه بجمع بيانات استطلاعات الرأي، لكنّه نشأ في ألمانيا الغربية قبل عام 1989، حيث لم يكن التمييز بين الديمقراطية الحقيقية والزائفة أكاديميًا فحسب. وفي هذا الكتاب، يتكبّد عناء عدم استخدام المصطلحات التي يعتبرها الكثير من المعلّقين حول هذا الموضوع أمرًا مفروغًا منه.
 
جانبان للديمقراطية
يجادل مونك قائلًا إن هناك جانبين للديمقراطية الليبرالية. الأول يركز على النصف الأول من المعادلة: حماية الأفراد من طغيان الأغلبية من خلال الضوابط والتوازنات والحقوق المحدّدة، بينما يركّز الثاني على النصف الآخر: وضع السلطة في يد الناس. بالنسبة إلى معظم فترة ما بعد الحرب، ترافق هذان الشكلان من الديمقراطية الليبرالية مثل التفاح والفطيرة.
لكن اليوم، تتصارع الإرادة الشعبية بشكل متزايد مع الحقوق الفردية. والنخب الليبرالية تنوي استبعاد الناس من القرارات الهامة، ولا سيما حول الهجرة في حالة الاتحاد الأوروبي، باسم "الحقوق" ؛ وفي الوقت نفسه، يرغب الشعبويون في الاستغناء عن المجاملات الدستورية باسم "الشعب".
إذًا، يتم تعريف السياسة من خلال معركة متنامية بين الديمقراطية غير الليبرالية، أو الديمقراطية من دون حقوق من ناحية، والليبرالية غير الديمقراطية، أو الحقوق من دون ديمقراطية من ناحية أخرى.
يكمن السبب الأكثر وضوحًا لانقسام الديمقراطية الليبرالية إلى أجزائها الأساسية في النمو الاقتصادي البطيء. فمن عام 1960 إلى عام 1985، تضاعف دخل الأسرة الأميركية التقليدية. ثم بقي منذ عام 1985 كما هو بينما شهدت أقلية صغيرة من الأميركيين زيادة في إيراداتهم. وتميل النخب الليبرالية إلى تفسير هذا الاختلاف من حيث قوانين العولمة. أما الشعبويين فيقدّمون تفسيرًا أكثر قتامة: هذه النخب تستخدم مزيجًا من قوة الضغط والتواصل الشخصي والخبرة التكنوقراطية للتلاعب بالنظام لصالحها، ومن المعروف أنّها تفعل ذلك من خلال إنقاذ البنوك بأموال دافعي الضرائب.
 
ثورة الإعلام
يشير مونك إلى تطورات أخرى تساعد في تفسير الانقسام. فثورة وسائل الإعلام الاجتماعية تقوم بنقل السلطة من حراس البوابات الإعلامية التقليدية إلى محاربي الكمبيوتر المحمول. وبالإضافة إلى تمكين الأشخاص الخبيثين من نشر أخبار مزيفة، كما لاحظ الكثيرون، فإنّ هذه الثورة تسهّل أيضًا على الأشخاص الخارجيين جذب الانتباه إلى استغلال المنصب للمنفعة الشخصية. أن التنوع المتزايد للمجتمعات الغربية، مدفوعًا في جزء منه بالهجرة، وفي جزء آخر بفكرة تمجيد المجموعات المختلفة لاختلافاتها بدلًا من تبني أعراف مهيمنة، يقوم بتسييس مسألة الهويات العرقية، مع عواقب قد تكون متفجرة. ويقلب رجال الأعمال السياسيون السياسة من خلال الاستحواذ على الأحزاب القديمة، مثل دونالد ترمب، أو إنشاء أحزاب جديدة، مثل بيبي غريللو الإيطالي، مستغلّين الاستياء المكبوت لدى النخب القديمة، ومستخدمين وسائل الإعلام الجديدة لإيصال رسالتهم بصراحة ووضوح ومن دون تلطيف.
لكن، في ما يخصّ مسألة ما ينبغي فعله حيال هذا الوضع الكئيب، فمونك أقل إقناعًا كثيرًا. يقدم بعض الاقتراحات الشجاعة، ويجادل قائلًا إن النخبة التكنوقراطية بحاجة إلى تعديل طموحاتها. وكلما حاولت حماية مجالات مهمة في صنع القرار، ولا سيما الهجرة، من إرادة الشعب، خلقت المزيد من الاستياء المتفاقم.
كما يحث صانعي السياسة على التركيز على تدجين القومية بدلًا من محاولة تهميشها باعتبارها بقايا مفارقة تاريخية، ويدعم فكرة تكريس المزيد من الجهود لتحويل الأطفال إلى مواطنين من خلال التربية المدنية. وهنا، يخاطر وزملاؤه الأكاديميون العازمون على تقديم الحضارة الغربية على أنّها تاريخ للقمع، بتقويض أي إيمان في الديمقراطية ربما يكون متبقيًا لدى طلابهم. 

قراءة تأديبية
مع ذلك، فإنه يقضي وقتًا قصيرًا جدًا في التعامل مع الفروق الدقيقة في هذه الأفكار، على سبيل المثال، كيف تقنع النخبة التكنوقراطية الأوروبية بالاستماع إلى أصوات الشعب عندما تحثّها جميع الحوافز البيروقراطية على تجاهلها. 
يلقي عددًا من الملاحظات المبتذلة حول "إصلاح الاقتصاد"، وكأنّ لا وجود لمقايضات صعبة على سبيل المثال بين رفع مستويات الإنتاجية وتدمير الوظائف المستقرة. ويبدو الأمر كما لو أن ناشري كتاب مونك طلبوا منه تقديم نهاية سعيدة على غرار أفلام هوليوود، بعد كل الدماء المسفوكة، فراجع ببساطة الاقتراحات بدون أي اقتناع حقيقي.
"الشعوب مقابل الديمقراطية" قراءة تأديبية. يقدم هذا الكتاب الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن المعركة بين الديمقراطية غير الليبرالية والنخبوية الليبرالية ستصبح أشد ضراوة، ما يدلّ على أن المبشّرين بالانفتاح، أي الشباب، هم في الواقع أكثر تشككًا في الديمقراطية من أولئك الأكبر منهم سنًّا. لكنّه يثير القلق عن غير قصد لأنّ الوصفات التي يعطيها لإنقاذ الديمقراطية هي أضعف بكثير من التفسيرات التي توضح سبب تعرّض هذه الديمقراطية للخطر.
 

أعدّت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/news/books-and-arts/21738862-yascha-mounks-diagnosis-more-convincing-his-cure-how-liberal-democracy-fell-apart?frsc=dg%7Ce


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.