: آخر تحديث

فلاح الجواهري: الحمى

يفتح طفل السابعة الباب الخشبي مقشر الالوان عند الفجر..  يخرج من باحة البيت الطيني..  يقف عند العتبة منبهرا من سعة المروج الخضراء امام عينيه.. 
يركض بين صفوف المزروعات الممتدة دون هدف امامه.. يقفز من صف مكورات الملفوف الى صف اللفت، الى صف اوراق البصل يانع الخضرة.. يعود بقفزاته وهو يكركر بصوت عال الى صفوف المزروعات السابقة وهو يسابق نفسه متقدما في الحقل.. يجيب على صياح الديك من بعيد مقلدا.. يصل الى جدول صغير تحف جانبيه اعواد الصفصاف ببراعمها الجديدة الخضراء ووريقاتها الرقيقة..  يستلقي بين الاعواد ويقلد صياح الديك من جديد وهو مستلق على ظهره..  يصل الى سمعه من بعيد نداء لميعة وهي تطل على الحقل من باب الدار يدعوه للافطار..  يقف وينصت لصفير القاطرة المقتربة من المحطة..  يركض عبر الحقل ويدور حول بيت مدير المحطة الطيني.. يتكررنداء لميعة وصفير القاطرة المتقاربة.. على رصيف المحطة يقف عباس بقامته المديدة وبدلته الانيقة والقرنفلة البيضاء تزين ياقتها والى جانبه يقف حارس المحطة ببدلته الكاكي وهو يهز الجرس النحاسي ترن ترن ترن ترن داعيا القطار للقدوم.. يتكرر صفير القاطرة وهي تبرز من خلف منحنى غابة النخيل مصعدة دخانها الابيض الاسود الرمادي الكثيف.. جوك جوك جوك.. جوووك جوووك جووووك..  قرقعة اصطدام العربات ببعضها..  صرير العجلات على حديد السكة.. 

غمامة حمراء تغطي مساحة الرؤية تتلامع فيها بقع مضيئة باحجام واشكال مختلفة.. حمائم ملونة وغربان تعبر مساحة الفضاء الضبابي بسرعة.. قرقعة معدنية ذات رنين قاسي..  مكعبات خشبية كبيرة ملونة حمراء وصفراءووخضراء وزرقاء تنهمر متساقطة من الغيوم العابرة فتخترق اعواد السقف وتسقط على ارضية الغرفة فتحدث قرقعة وصخبا..  القرقعة الرمادية المزرقة الصاخبة غيمة عابرة، تتكاثف فتحجب مجال الرؤية..  امواج من حزم ضوئية بنفسجية ووردية وزرقاء تتهادى طافية في الفضاء كاوشحة تلعب بها الرياح.. الجسد العاري الشاحب الضامر ينغمر بمياه مد متصاعد يصل حد العنق.. احساس ببعض الاختناق.. 

.. قطع جليد تطفو وتترجرج فوق سطح الماء.. صوت من الشاطيء البعيد يعبر فوق صفائح الجليد ويرن صداه عن قرب.. - إشــــرررب ! إشرب ! قــدددح المـ.... ــاء

..  عباس الطويل الانيق ذو الفودين الفضين وياقته بالقرنفلة البيضاء يرفعني ويطوح بي في الفضاء..  تغيم وتختلط معالم الغرفة الخضراء بسريرها الحديدي العريض و(الكنتور) الاصفرمقشر الصباغ، باحزمة الضوء المرسلة من بين قضبان الشباك الطويل وبذرات الغبار اللماعة السابحة في الحزم الضوئية، بشبحي لميعة وزهور وهما تتقلبان بمرح فوق اغطية الفراش العريض.. احط كريشة مترنحة بينهما على السرير..  ضجيج ضحكاتهما يرن طويلا في سمعي.. يلتقط عباس سدارته من عالقة

الملابس الخشبية الضغيرة المثبتة في الجدار الاخضر.. السدارة سوداء تشبه القارب المقلوب.. يفتح باب الغرفة فيظهر التنور في زاوية الدار مغمورا بالشمس.. بضع دجاجات تدور في باحة الدار المتوهجة بالضياء.. تصخب قرقعة الباب المصطفق وراء عباس وتطفو فوق الغرفة ظلال زرقاء وسكينة وردية شاحبة كابية.. ترن كركرات لميعة وزهور ككرات زجاجية ملونة تتراطم ببعضها.. 

.. نصفي الاسفل عار..  دغدغة لذيذة ساخنة تغمر عضوي الصغير وتصعد ببطء الى اسفل سرتي وعنقي ومنابت شعري.. ترن قهقهات الزوجتين بصخب من جديد.. يتربعان فوق فراش السرير متقابلتين امام نصفي العاري..  ارى فصوص خواتم اناملهما تتلامع بشكل عشوائي حول قضيبي الاحمر المتوتر.. تسري الدغدغة الساخنة متسلقة جسدي..  غمامة حمراء تلفحني بحرارتها وتلفني فتضيع كل المعالم

-إشرب !.. إشرب قدح الماء.. إشرب.. 

اجهد لافتح عيني..  شبح ضبابي ينحني متماوجا فوقي.. 

..  احس بالشبح يفرش فوق جسدي العاري رملاً نديا باردا.. ينهمر الرمل الندي البارد فوق جبهتي ورأسي.. 

.. ارتعاشة تجتاح جسدي كريح قطبية مسرعة موحشة.. غيمة بنفسجية تلف السماء

.. كرات شوك تتدحرج في الشارع الثلجي المقفر، الريح تصفر كذئب يعوي في برية مقفرة.. وجوه شمعية هنا وهناك تبان عبر نوافذ العمارات الكئيبة تبحلق احداقها دون هدف اوتعبير في فضاءات مجهولة.. 

.. شبحها الضامر يطل علي من عل بعينين دامعتين من شرفة شقتنا في آخر الزقاق

، من معالم شفتيها الباهتتين اقرء ما تكرر قوله :

-طرّه ؟!.. كِتبه؟!.. طرّه؟!.. كِتبه؟!.. طره.. 

جارنا الثمانيني سفين يدور حولي بوجهه الممتليء الاحمر وتدور حوله وحولي قططه الاربعة.. يهمس بحزن في اذني بان هره المعمر الاكبر مصاب بسرطان القولون.... يسأل سفين باسف حزين " هل نحن نغادر السويد لانه اخطأ مرة في القول امامي اننا ( يافلا انفاندرره ) نأتي فنستحوذ على اعمالهم.. يقترب شبح الرجل العجوز.... يهمس في اذني " انني احبك حقا واني لم اكن اردد الا ما يقوله الآخرون دون وعي لما اقول.. تعال معي، انني ادعوك لجولة في قاربي في ارخبيل ستكهولم وساحضر السندويجات والمشروب وعدة صيد السمك.. فقط لا تغادروا الى الجزيرة الضبابية البعيدة.. ساعود انذاك من جديد الى وحشة وحدتي المقيتة ". 

..  اكافح العاصفة وانا اسير في الشارع المقفر وإبر الصقيع المتطاير تنغرز في وجهي المتوزم..  حين انحرف لادخل زقاقا جانبيا، اغوص بركام الثلج لما فوق الكاحلين..  ادفع بوابة سوداء ثقيلة فتصر صريرا يقشعر له بدني.. ارتجف من جديد.. 

-انت عاطل عن العمل وتجلس الآن مع العاطلين عن العمل الاخرين وهنالك اعمال تنظيف وجمع قمامة. 

تقولها موظفة (الكمون) السمينة بصوت آمر ووجه صارم متوزم

اخرج هاربا الى الزقاق..  العاصفة الثلجية على اشدها..  سهام السقيع تنغرز في وجهي.. تركض موظفة (الكمون) السمينة في الزقاق ورائي صارخة و يهرول من خلفها عدد من موظفي المكتب، حمر وشقر وصفر، يرتدون معاطف طويلة سوداء وعوينات بعدسات ثخينة كبيرة.. 

.. اسارع الجري غائصا باكوام الثلج.. انحرف الى الشارع الرئيسي واتجه على عجل.. 

.. من على شرفة شقتنا المحها من جديد بشبحها الضامر تهز رأسها كالدمية الآلية المنصوبة ودموع قد تجمدت كالاْليء فوق وجهها المرمري واقرء شفتيها من بعيد :

" طره.. كتبه.. طره.. كتبه.. طره..  "

من وسط العاصفة الثلجية، يتصاعد بخار حارق.. ترتفع السحابة الحمراء ببطء من قدمي المنغرزتين في الثلج الى وجهي الملظوم بابر الصقيع.. تلفني ابخرة ذات رائحة توابل هندية..  يتصبب العرق وينساب كجداول صغيرة من جسدي غير انه سرعان ما يتجمد ويغلفني كتمثال بلوري.. تعود الابخرة و.. 

يعود الشبح للظهور.. ينخني فوقي.. يرش فوق جسدي العاري الرمل الندي البارد مرة اخرى.. 

صوت في مكبرة للصوت يرتفع :

" طرّه !.. كِتبه ! "

".. مستشفى بنغازي ودار وراتب مجز: هو كِتبه..  "

".. السويد ؟ المجهول ؟!.. اوربا الضمان !! : هو الطرّه.. "

"طرّه؟!.. كتبه؟!.. طره.. كتبة "

ويتعالى صوت المنادي

– " تعال ! تعال ! والعب طره كتبة.. تعال.. "

اقرء شفاهها من على الشرفة وهي تكرر و تتمتم مرتعدة في الشرفة وسط الثلج المنهمر الذي لا ينقطع من السماء، والريح تلعب بذؤابات شعرها :

".. طرّه..  كِتبة.. طرّه.. كتـ..  "

ارمي قطعة النقد المعدنية.. تسقط.. تدور حول نفسها وتهمد على رصيف الشارع.. اقف مشدوها منجمدا انظر بعينين جاحظتين دامعتين الى نقش راس الزعيم المحفور فوق(طرّة ) الصفحة المعدنية..  انحني ويكاد رأسي يلامس معدن العملة..  رأس الرئيس يرتفع وتحدق عيناه بغضب في وجهي. 

طائرة تعبر مجال الرؤية..  دوي الطائرة ومنظر الغيوم تحتي يبعثان القشعريرة..  اسخن من جديد.. المجهول ساخن ومحموم وصاخب وضاج ومدوّخ.. 

.. غثيان شاحب الصفرة.. تطول رغبة التقيؤ ويستمرالتعرّق.. 

تتهادى ببطء الغمامة الوردية الساخنة وتلف المشهد من حولي

-كاظم.. وينك يا نني.. كاظم.. كاظم نني وليدي المغدور..  يتعالى صوت نسوي متحشرج. 

يدور نني بين الازقة الضيقة المهجورة في حر الظهيرة حاملا بين ذراعيه اكياس الخضار وسفط ارغفة الخبز والعرق يغمر وجهه لاهثا من لفح جدران الازقة حوله.. يصل بابا عتيقا مهترءا مواربا عند آخر احد الدهاليز الضيقة ويدفعه بقدمه.. يهرع اربعة صبيان صغار يتدافعون بمرح وهم يركضون صوب الرجل الداخل " اجه كاظم.. اجه نني.. اجه كاظم.. اجه نني.. " ويتناهبون ارغفة الخبز من يديه..  تسقط اكياس الخضار وتتبعثر محتوياتها على احجار ارضية الدار.. يلتقطون بذرات الطماطم ورؤوس الملفوف والقثاء والباذنجان.. ام كاظم تركض تجاههم صارخة "خلوا اخوكم ياخذ نِفسـَه يا مكموعين بعد شغله وتعبه وهجولته بالبراري.. ابوكم النذل عباس ابو النسوان سوّد الله وجهه.. ابوكم السرسري النذل عافكم واخذ نسوان اثنين وخله اخوكم المسكين يبتلي بيكم.. ربي يهجْوّله مثل ما هجوّلكم..  "

.. ارتفع هتافها بالدعاء حتى اصبح صراخا متباكيا وعلت الولولة والضجيج واستحالت صخبا ساخنا.. سيول العرق الساخن تهطل من الغيمة العابرة الحمراء، قشعريرة وارتجاف وقرفصة.. 

.. ام كاظم تركض ورائي الى الزقاق المترب.. تصرخ مناشدة " دخيلك.. دخيلك.. شوف إلنا جارة.. دخيل امير المومنين.. دخيل الحسن والحسين.. " يزداد الضجيج وتطفو الغمامة الحمراء فوق الغرفة..  تهبط فتغرق كل الاصوات والمعالم. 

..  تبرز من الظلمة كسعلاة خرافية بشعرها الاصهب المعثكل المنكوش ووجهها المتوزم المليء بالنمش..  تتقدم والعينان محمرتان بالغضب والنقمة صوب الرجل المسجي على الطاولة الحديدية الملوثة بالقيء والبراز والذي اختلطت معالم وجهه وتخثرت كتل دامية عند اطراف اصابعه المتورمة..  تتقدم.. 

تتقدم وبيدها كماشة حديدية ضخمة مشرعة الفوهة..  الرجل يتوسل بصوت متهدج متحشرج " دخيلك.. ارحميني.. انا زوجك..  زوجك.. زوجك.. "..  رجلا الامن الضخمين بشاربيهما الكثين يقهقهان..  يحثانها بشماتة ساخرة : " اخصيه..  اخصيه.... ياالله..  اخصيييــــــــــه ".. 

تعلو القهقهة اكثر واكثر وترن في القبو المظلم.. 

..  صدى الكلمة يتكثف ويرتطم.. يتعاود ارتطامه بالجدران الخرسانية العاتمة..  تتكور الكلمة..  تتجوف..  تنتفخ.. تنفجر.. تتناثر حروفها وتتساقط على الارضية الملساء وتتقافز.. 

..  تعبر الغمامة الحمراء البنفسجيية من جديد مساحة الرؤية المضببة.. تلتف الغمامة في حزمة مخملية عريضة.. تعلق عند اعلى المشهد.. 

..  تنسدل ستارة الغمامة المخملية ببطء وهدوء ساكن..  يتصاعد تصفيق صاخب.. 

تبرق اضواء تغشي بصري وتبعث صداعا حادا له ضجيج ورنين.. 

اسمع صوتا يلتف ويرتفع مع ضباب وابخرة الوادي العميق الذي انا على حافته :

-اشرب قدح الماء البارد.. اشـــــشـــشـــرب


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات