قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

هوس التحقُّق هو أحد أنماط الوسواس التسلُّطي (القهري). يُصيب المرء على شكل تفقُّد إلزامي للأشياء الخاضعة لسلطته أو إرادته أو تلك الأشياء التي قد يُسأل عنها.

مثال على هوس التحقُّق
شاب في الثلاثين من عمره ويعمل كموظف في دائرة حكومية. يستيقظ صباحاً برفقة عُصابه الذي يرافقه كظلّ له طيلة اليوم، ويبدأ معه جولته التفقدية الصباحية قبيل مغادرة المنزل. يتفقَّد كل شيء يقع تحت نظره: مفتاح الكهرباء، صنبور الماء، مفتاح الغاز، سلَّة المهملات، وكل شيء في المنزل تقريباً. يخرج من البيت مغتاظاً فاراً من عُصابه، وعندما يصبح على بعد أمتار يعود مجدداً إلى المنزل ليتأكد من أنه لم ينسَ شيئاً! وكأن أحدهم قد وضع السلاح في رأسه لإجباره على فعل ما يفعله!
وعندما يبتعد عن المنزل مسافة لا يمكنه الرجوع بعدها تتسلَّط عليه أفكار جديدة مثل تفقُّد محفظة نقوده في جيبه أو مفاتيح المنزل أو القيام بعدّ العواميد التي يصادفها في طريقه إلى عمله... ولايبرح هذه الأفكار حتى يصل إلى مكتبه لتتسلَّط عليه أفكار جديدة وهكذا. فلا يرتاح إلا في نومه، لكن طبعاً بعد إغلاق عينيه وفتحهما عشرات المرات ليتأكد من أنه لم يفقد بصره!!

تحطيم القلق وتحقيق الأمان
مثل هذا الإنسان ببساطة محكوم عليه (بقرار ذاتي) أن يبقى يتفقَّد حتى الموت، دون كلل أو تعب أو هدنة. والسؤال هنا: لماذا يقوم هذا الشخص بكلّ تلك الإجراءات والتدابير الوقائية الفائضة عن الحاجة والمبالغ فيها؟
ومَنْ يستهدف بمحاولات إثباته أن كلّ شيء في مكانه وأنَّ كلّ شيء يسير على ما يرام، وأنَّ قوانين المنطق لا تشوبها شائبة؟ إن هذه الممارسات بالتأكيد هي المحطة الأخيرة التي يتم من خلالها تحطيم القلق المتزايد لديه، وهي على الرغم من كونها عصابية ومُضنية لصاحبها، إلا أنها ضرورية لتحقيق أمنه، وهي الوحيدة أصلاً القادرة على تحقيق ذاك التوازن وذاك الأمن بالنسبة إليه، فالجميع يسعى إلى تحقيق أمنه بالطريقة المتاحة التي تفرضها "الذات العميقة" بالتوازي مع الظروف المحيطة.
وباختصار شديد، فإن الحصر والقلق الزائدَيْن اللذين لم يتعوَّد صاحبهما على تفريغهما بشكل طبيعي، يعومان على سطح الشخصية لديه على شكل إجراء احترازي شديد ومضاعف وتعسُّفي هدفه تحصيل التوازن المفقود ليس إلا. ولعلاج هذا النوع من الأمراض النفسية لا بد من الإجراء (الإكلينكي) حيث يكون الطبيب أو المعالج النفسي قادرَيْن على معرفة أساس هذه المشكلة وعمرها والدوافع التي تقف خلفها.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.