قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يرى الفيلسوف الفرنسي كليمان روسيه (1939-2018) الذي ألف كتابا بديعا عن الضحك عند برغسون، أن الفيلسوف الأصيل كائن يتميّز ب"غريزة فريدة من نوعها". لكن كيف تكون هذه الغريزة عند فيلسوف عظيم مثل نيتشه ؟ عن هذا السؤال هو يجيب قائلا بإن هذه الغريزة تكمن في امتزاج الفرح بما هو تراجيدي في الحياة البشرية. وهذا ما يعكسه عمله الفلسفي الذي حمل عنوان :”جذور التراجيديا". وكان كليمان روسي قد كتب دراسة حملت عنوان :”هل من الممكن معاشرة نيتشه أم يصعب ذلك؟". وهو يعتقد أن نيتشه كان سيء الحظ من جوانب مختلفة. من هنا ندرك أسباب وخلفيّات الصور المزيفة التي يتمّ تداولها عنه. فمن نكد الطالع مثلا أن أخته اليزابت فورستر، وأيضا زوجها الذي كان نازيا مشهورا قاما بخيانته، مقيمين معسكرات لشبان من الجنس الآري في أمريكا الجنوبية حتى قبل أن يصل هيتلر الى السلطة. وهذه الأخت وزوجها استحوذا على آثار نيتشه في فترة كان فيها قد فَقَدَ عقله تماما، وراح ينحدر الى هاوية الجنون التي ابتلعته في شهر يناير-جانفي 1889 ليجعلوا منه الفيلسوف الرسميّ لنظام سياسي يتصف بالهيستيريا والعنف. ويعتقد كليمان روسي أنه كان بإمكان نيتشه أن يكون من أوائل المرشحين للدخول الى السجون والمعسكرات لو عاش في فترة حكم هيتلر. الفضل الوحيد الذي يعود الى شقيقته هو أنها قامت بالتعريف بآثاره هو الذي كان بالكاد يبيع عشرين نسخة في السنة الواحدة من أيّ كتاب من كتبه التي كان يقوم بنشرها على حسابه الخاص. ومن نكد الطالع أيضا بحسب روسي أن هايدغر حظي بشهرة واسعة خصوصا في فرنسا. وهو يقرّ بأن هايدغر كتب نصوصا جميلة.. غير أنه لم يأت بالجديد في مجالات كثيرة كان قد سبق التطرق اليها منذ عصر أفلاطون. ولكن هايدغر دأب طوال الحرب الكونية الثانية على التحدث عن نيتشه في محاضراته. وفي الحقيقة أنه كان يسيء له لأنه كان يقتصر على جعله حلقة وصل بينه وبين هيغل وكانط. ثم أنه كان يستعين بكتب لم يكن نيتشه قد كتبها مثل" إرادة القوة" التي كانت بالأحرى تلعب دورا غامضا وصغيرا عند صاحب :”هكذا تكلم زرادشت". وبذلك يمكن القول بإن هايدغر لم يستند فقط الى كتاب مزيف، وإنما هو زعم بأنه اعتمد على ما يمكن أن يكون نيتشه قد "استشعره"، إلاّ أنه فضل اخفاءه، أو الاحتفاظ به، والذي يمكن ان يكون فلسفة هايدغر نفسه!”. ويضيف كليمان رويسيه قائلا بإن نيتشه كان مثل سبينوزا يرى أن الحقيقي يكمن في العلاقة مع الواقع من دون أي التباس، أو تحفّظ. أما هايدغر فهو من الفلاسفة الذين يرفضون ما هو حسّيّ، ويفرقون بين درجة أساسيّة و"أنطولوجيّة" للواقع، وبين درجة غير أساسية وغير "معرفيّة له”. وهي نفس اللازمة القديمة التي دأب الفلاسفة على ترديدها منذ برمينيدس، والتي تقول بإن الواقع الحقيقي يكمن في ما وراء الظاهر، وفي ما وراء الحسيّ، وفي ما وراء كل مقاربة موضوعيّة. ومعنى هذا أن هايدغر قام هو أيضا بتزييف فلسفة نيتشه لتكون في خدمة فلسفته!".
ويرى كليمان روسيه أن فلاسفة اليسار الفرنسين من أمثال فوكو ودولوز ودريدا قاموا هم أيضا بعملية تزييف لفلسفة نيتشه ليجعلوا منه فيلسوفا "ثوريّا"، و"يساريا". وهو أمر لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال.
ويعتقد كليمان روسيه أن الفهم الشائع عن "الإنسان الأسمى" عند نيتشه خاطئ هو أيضا. وهو يفسر ذلك قائلا بأن المقولة التي تلخص بحسب رأيه فلسفة نيتشه برمتها هي التالية:”الفرح أكثر عمقا من الحزن". والقضية الأساسية لدى نيتشه هي بالفعل :كيف يمكننا أن نقول "نعم" للحياة التي هي قاسية ومرعبة؟ لذا فإنه يرى أن "الإنسان الأسمى" ليس المتفوق على الآخرين مثلما فهم ذلك النازيون العنصريون ،وإنما هو ذلك الذي يقدر أن يقوم بما لا يستطيع الآخرون القيام به، وذلك الذي يجهد نفسه لبلورة مفهوم يساعدنا على تحمل أعباء الحياة ومتاعبها الجسيمة. وكان مونتاني يقول بإن العمل الأشد عسرا هو أن نعيش. وقبله كان لوكريتوس قد أقرّ بأن العيش من دون أوهام هو العمل الأشد صعوبة. من هنا يمكن أن نقول بإن الإنسان الأسمى عند نيتشه هو الذي يسعى إلى تجاوز صعوبة الحياة. وهذا ما أدركه جيل دولوز بعمق حيث ركز على قولة نيتشه :” يتوجب علينا أن ندافع دائما على الأقوياء ضد الضعفاء". فالضعفاء يدافعون عن أنفسهم ضد صعوبة الحياة بالغل والغيظ. أما الأقوياء فيفعلون ذلك من دون أن يكونوا في حاجة الى عكاكيز. وما يمكننا أن نستخلصه من فلسفة نيتشه بحسب كليمان روسي هو أنه ليس علينا بأن نجد متعة في الآم الحياة وأوجاعها، وإنما ينبغي علينا أن نتمسّك بفرحة الحياة رغم الجوانب المأساوية للواقع وللوجود.
ويحرض كليمان روسي الناس على مواجهة واقعهم حتى ولو كان هذا الواقع مخيفا ومنفّرا ومزعجا للأسباب التالية: فهم لا يعرفون من هم، ولا من أين أتوا. ثم إنهم منَذُورون للشيخوخة والموت. وانطلاقا من هذه المعطيات يمكنهم أن يصبحوا أشقيا، أو سعداء، يحرصون على التمتع بكل لحظة تمر. لذلك هو يعتقد أن الفرق بين الانسان السعيد، والانسان المكتئب والشقي يكمن في رغبة الاول في التمتع بملذات الحياة، وشبه انعدامها أو انعدامها عند الثاني. ومعنى هذا ان الاكتئاب والشقاء يتميز كلاهما بغياب الرغبة سواء كانت هذه الرغبة جنسية، أم رغبة في التمتع بملذات الحياة في الأكل والشراب والسفر وبقية الملذات الأخرى. وأفضل العوالم بالنسبة لكليمان روسي ليس ذاك الذي نحصل فيه على كل ما نبتغي، وإنما ذاك الذي نتطلع فيه إلى الحصول على ما نحن نرغب في الحصول عليه.
وفي مجمل أعماله هاجم كليمان روسي الأيديولوجيات بجميع أصنافها، معتقدا أنه يجب الحذر من كل انسان مثل كارل ماركس، أو لينين، ينتصب أمام الناس ليؤكد لهم أنه قادر على أن يجعل حياتهم أفضل. وهو يضيف قائلا بإن العباقرة المصابين ب"فيروس الخير" هم الأشد خطرا على البشرية. واليوطوبيات عبر مختلف مراحل التاريخ كانت سببا في العديد من الكوارث عوض أن تصلح من أوضاع المجتمعات. واليوم يمكن اعتبار العولمة يوطوبيا جديدة. والمساندون لها يكررون على المستوى السياسي أفكار أفلاطون الذي كان يُفَضّلُ الأفكار على الأشياء الملموسة. أو هم يصرخون مثل بودلير:" في أيّ مكان...في أيّ مكان...شرط أن يكون هذا المكان خارج العالم". لكن ليس عند هؤلاء سوى الأوهام إذ أن السعي لتغيير عالم سيء بعالم أفضل فكرة عبثية وحمقاء. لكن هذا لا يعني أن كليمان روسي مناهض للتقدم. فالواقعيّ في السياسة لا يعني أن يكون رجعيا أو محافظا. وهو يعتبر أن الواقع هو الأساس الذي لا مفر منه، ولا غنى عنه. انطلاقا منه نحن نعمل، ونفكر، وليس انطلاقا من مفاهيم تجريدية غامضة.
ويقرّ كليمان روسي ب"موهبة" ميشال فوكو الفلسفية لكنه لا يتفق معه فيما يتعلق بنقده لعنف البورجوازية، ولعلاقات الهيمنة التي تمارس في المدارس، وفي المستشفيات، وفي السجون. كما أنه يعارض فتنة فوكو بالمجانين، ويرفض فكرته التي تقول بإن الأطباء هم الذين ابتكروا الجنون. بل أن فوكو كان يناقض نفسه بنفسه. ومرة كانت هناك سيدة تعاني من مرض نفسيّ حاد. وكانت تحضر دروسه، وتكتب له الرسالة تلو الأخرى، وتلاحقه في الشارع، وفي المقاهي والمطاعم التي كان يتردد عليها. وعندما تمكن من التخلص منها بطريقة لم يرغب في الإفصاح عنها، أخذت تلك السيدة تمارس الضغوط ذاتها على كليمان روسي. فلما اشتكى أمرها لميشال فوكو ، نصحه هذا الأخير قائلا :"في حالة كهذه... ليس هناك سوى طريقة واحدة وهي أن تشتكي أمرها للشرطة".
ويقول كليمان روسيه بأن مفهومه الخاص للعمل الفلسفي يقوم على عدم معالجة قضايا تتصل باللحظة الراهنة إذ أن الفلسفة بالنسبة له منذ جذورها الأولى الصينية، والهندية، والاغريقية لم تكن بأي حال من الأحوال مرتبطة بالواقع السياسي الراهن، ولا بما هو يومي، وعابر. إن مهمة الفلسفة بالنسبة لكليمان روسي هي معالجة القضايا التي ليس لها ارتباط بالظروف، وإنما بمسائل ورهانات أكثر عمقا، ولها صلة بالوضع الإنساني، وبكينونة الأشياء بصفة عامة. وفي مجمل مؤلفاته هو تطرق إلى مثل هذه المسائل المستمدة من ما يسمى ب"الفلسفة الأولى". والهدف الأساسي لهذا الفلسفة لا يكمن في تحقيق الرقي المادي السريع، وإنما في توفير المزيد من الأنوار، والحصول على معرفة أفضل للإنسان، وللأشياء