قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

بدءاً يدور الحديث عن عمارة مبنى فندق "سماء بيلا" Bella Sky في كوبنهاغن- الدانمرك، المصمم من قبل المكتب الدانمركي استديو "تغيّ إكس إن" Studio 3XN المنفذ سنة 2011 بمنطقة "آما" Amager في العاصمة الدانمركية. انه الفندق الاضخم في عموم اسكندينافيا، ويصل ارتفاع كتلتيه الاثنتين المؤلفتين لمبنى الفندق الى 76.5 متراً، وهو اقصى ارتفاع مسموح به في تلك المنطقة التى تعتبر قريبة من مطار كوبنهاغن الدولي.
تعد عمارة الفندق حدثاً ابداعيا لافتاً، ان كان لجهة المقاربة المعمارية ولغتها التصميمية، ام لناحية الحلول التركيبية المشكلة للمنظومة الانشائية لها. نحن، اذن، امام واقعة تصميمية فريدة اغنت بحضورها المميز المشهد المعماري للمدينة، وارتقت لتكون "ايقونة" معمارية في العاصمة الدانمركية! لكن عمارة مبنى الفندق، وان امتلكت خواص، أهلتها لتكون بمثل ذلك الحدث الابداعي اللافت، فانها مع هذا، ورغم "غرائبية" مقاربتها التصميمية، وهيئتها المغايرة والمختلفة، ما انفكت تعد امراّ "مألوفاً" ضمن "انساق" الاحداث المعمارية المتجددة وسياقاتها التى تشهدها البئية المبنية في العاصمة الدانمركية مؤخراً، هي الزاخرة بكل جديد ومختلف واستثنائي. جدير بالاشارة، ان الممارسة المعمارية الدانمركية، كما كتبنا مرة في دراسة سابقة عنها، ظلت لعقود من السنين مكتفية، وراضية، بطراز"الرومانسية الوطنية" ومقتنعة به، هو الذي انتشر ليس فقط في الدانمرك، وانما في عموم دول الشمال الاسكندينافي. وهو طراز معماري اقرب الى طروحات اسلوب "الفنون والحرف" Arts & Crafts الانكليزي، الذي شاع عند ملتقى القرن التاسع عشر مع العشرين. وكانت السمة البارزة لذلك الطراز، بالاضافة الى التشبث بالاساليب التصميمية المحافظة، الاهتمام الزائد بالتفاصيل البنائية والوصول بها لمستويات جد عالية من العمل الحرفي المتقن والبارع.
ظلت تلك المقاربة مهيمنة على المشهد المهني الدانمركي لعقود، رغم ظهور نتاج المعمار الحداثي "آنى ياكبسون" (1902 -1971) Arne Jacobsen، وابنيته العديدة المميزة والمختلفة، الا أن المشهد المعماري المحلي بقى امينا لانتماءاته السابقة وتمسكه في ذائقة كلاسيكية بدت وكأنها "خارج" الزمن الاوربي. ثم حصل تغيير آخر في الخطاب المعماري الدانمركي عندما برز اسم "يورن اوتزن" (1918 -2008) Jørn Utzon ، مصمم "دار اوبرا سدني" الشهيرة، لكن ذلك التغيير ظل تغييراً خجولا ولم تؤثر عمارة اوتزن بقوة او كثيرا في المشهد، لعدة اسباب (ليس هنا مكان طرحها ومناقشتها). بيد ان التغيير الحقيقي بدأ بالظهور عندما برز جيل جديد من المعماريين الدانمركيين الشباب الاكفاء والمبدعين في التسعينات وما بعدها، جاعلين من الممارسة المعمارية الدانمركية المحلية احد اهم مصادر التحول المعماري الاوربي ورافعته المؤثرة، والذين سعوا وراء الابتعاد قدر الامكان عن عمارة الذائقة الكلاسيكية المحلية، والتوجه نحو آفاق جديدة من الحداثة المعمارية، التى اضافت الكثير والحداثي (..وما بعد الحداثي ايضاً!) الى العمارة المحلية، مثلما اغنت تلك الممارسة ذخيرة المنتج المعماري العالمي، بامثلة تصميمية مبدعة ولافتة. ومكتب Studio 3XN مصمم فندق "سماء بيلا"، احد تلك المكاتب المعروفة التى تسعى بنتاجها المميز وراء اثراء البيئة المبنية المحلية، مثلما تطمح الى اغناء المنتج المعماري في خارج الدانمرك، بابنية ذات لغة تصميمية معبرة ولافتة في آن معاً.
يتشكل مبنى فندق "سماء بيلا" من كتلتين منفصلتين ومتقابلتين، يستندان على قاعدة اساسية واحدة، الا انهما يتفرقان حالما ينهضا فوق الارض، لكنهما يرتبطان، مرة اخرى، عند الطابق الاخير بجسر معلق في الفضاء. وتميل كتلتا المبنى بصورة مذهلة، بحيث يصل ذلك الميل الى مقدار 16 درجة (ويعد هذا الميل اكثر من ميلان "برج بيزا" (1173 - 1372) Tower of Pisaالمعروف في ايطاليا بحوالي ثلاث مرات، حيث يصل ميلان بيزا الى 5.5 درجة). كما ان هاتين الكتلتين تتحركان الواحدة عن الآخرى باتجاهين مختلفين، موفرة بذلك نقاط رؤيا نحو الخارج لجميع غرف الفندق من دون عوائق. لقد كان تبرير قرار المعمار اللجوء الى حل الكتلتين لمبناه، مرتكزا الى اشتراطات خصوصية الموقع، التى تحدد ارتفاعات المباني فيه. وبغية تلبية متطلبات برنامج المشروع القاضي بتوفير 814 غرفة فندقية مع خدماتها من مطاعم وقاعات اجتماع واحياز متنوعة تلبي خدمات فندق حديث، تم تثبيت الارتفاع عند الحد الاعلى المسموح، حيث جاء لك الارتفاع بمقدار 76.5 مترا (اي ما يتيح لتصميم 25 طابقا في كل كتلة من كتلتي المبنى حتى يتم تلبية ذلك الطلب).
يبقى قرار المصمم الاعتماد على خيار "الميل" لكتلته (وبهذة الجرأة الانشائية المدهشة)، يبقى قرارا مثيرا ودراماتيكياً بامتياز، يضفي على عمارة المبنى نوعا من التفرد "الفورماتي"، ويكسب هيئته قيمة استثنائية ضمن سياق البيئة المبنية المحيطة، ويؤسس بجعل المبنى ليكون بمثابة "ايقونة" معمارية في المشهد المديني كله. والخاصية الاخيرة، يطمح اليها المعمار، مثلما يسعى اليها بالحاح رب العمل ايضاً. ويثير مثل هذا الفعل التصميمي، الذي اداه معمار المبنى، بكفاءة نادرة، كثيراً من الاسئلة حول "ماهية" العمارة في الوقت الراهن، وهدفها المتوخى منها. وهي اسئلة جد مسؤولة تجيب عليها الممارسة المعمارية الحالية في كثير من البلدان باجابات متعددة، وطبعا متباينة. لكنها في كل الاحوال تظل تنطوي على حضور خاصية الاثارة والادهاش. اذ اتاح العمل بوسائل التقنيات المعاصرة ووسائطها، او ما يعرف بـ "تكنولوجيا المعلومات"IT Information Technology، الى ايجاد امكانات هائلة لتحديد اشكال المباني المصممة والى توفير بدائل عديدة لها. ولقد ساهم هذا العامل الحيوي والجديد في الممارسة التصميمية الى تغيير جذري في "مفاهيمة" العمارة وقيمها واهدافها. وينحو معظم المصممين، الآن، الي ايلاء جهد إضافي لناحية تحقيق شكل خاص لمبانيهم؛ شكل يكون، في الغالب الاعم، متفرداً ، ويتسم بالجدة وغير المألوفية ..وبالاثارة ايضاً. وهو ما نراه حاضرا بقوة في المشهد المعماري العالمي بالوقت الراهن.
يتوق مكتب Studio 3XN الى جعل سمات ذلك الطرح التصميمي، الذي اشرنا اليه تواً، وما يشي به من قيم، جزءاً لا يتجزأ من خصوصيات المقاربة المعمارية الخاصة به. فليست مبادئ الحداثة السابقة المألوفة ومخرجاتها، هي التى تحدد بالوقت الحالي، نوعية المرجعية التصميمية للفعل المعماري المجترح؛ وإنما النزوع نحو عدم الاكتراث بها، والقطيعة معها، وحتي التطلع الى نقيضها، ومخالفتها التامة والنأي بعيدا عن تأثيراتها، هو الامر المطلوب والسائد والمهيمن في الخطاب. وتبعا لذلك، علينا ان نتوقع، اذن، صنوف من "الفورمات" غير المالوفة، ونماذج من الهيئات غير المسبوقة، التى تولدها البرامج الكمبيوترية من اشكال مبهرة، عبر الحذف والاضافة المستمرتين، التى يتشارك العمل بها الكمبيوتر والمعمار الاستشاري مع فريقه التصميمي. جدير بالذكر، ان إكتمال شكل الهيئة الاخيرة لمبنى فندق "سماء بيلا" ساهم في الاشتغال عليها برنامجين كمبيوترين، هما برنامج ROBOT خاص بالحسابات الانشائية، و TEKLA، وهو برنامج معماري خاص، عمل مع الفريق التصميمي. استخدمت العناصر الانشائية مسبقة الصنع في اعمال المنظومة التركيبية لمبنى الفندق، ما اتاح سرعة عالية في التنفيذ، بحيث تطلب اتمام الطابق الواحد فيه، مدة بحدود 11 يوما فقط.
امتلك الفندق طابقا (الطابق السابع عشر) خاصاً "بالنساء"، ويحظر على الرجال البقاء في هذا الطابق بعد الساعة الحادية عشر مساءً . الا ان الدعوى التى اقيمت على ادارة الفندق من قبل "انصار" الرجال، في المحكمة الدانمركية، ابطلت سنة 2014 مقترح الادارة، وتم الغاء خصوصية ذلك الطابق!
فازت عمارة الفندق بجوائز عديدة بضمنها " الجائزة الدولية لسنة 2012" لافضل عمارة فندق في اوربا وغيرها من الجوائز المحلية والعالمية.□□

معمار وأكاديمي

الصور:

1- فندق "سماء بيلا" (2011)، كوبنهاغن، المعمار Studio 3XN، منظر عام.
2- فندق "سماء بيلا" (2011)، كوبنهاغن، المعمار Studio 3XN، منظر عام.
3- فندق "سماء بيلا" (2011)، كوبنهاغن، المعمار Studio 3XN، تفصيل.
4- فندق "سماء بيلا" (2011)، كوبنهاغن، المعمار Studio 3XN، منظر عام.
5- فندق "سماء بيلا" (2011)، كوبنهاغن، المعمار Studio 3XN، تفصيل.