قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

”لم تكن بيني وبين أندريه علاقة عابرة إنما هناك افتتان متبادل“

ليلى ألكسندر گاريت
ترجمة وتقديم علي كامل

كان تاركوفسكي راوي حكايات رائع. حكى لي عن طفولته، عن «أمي العزيزة» هكذا كان يناديها بمحبة، عن والده، عن طفليه، عن أخته مارينا‪،‬ عن الحياة في موسكو، عن لقاءه بأصدقائه وهم يسيرون مع كلبه ويتطلعون نحوه وهو يدخن ويحتسي الفودكا… «حين كنت شاباً، كنت مختلفاً تماماً. لقد كنت شرساً وسريع الغضب لسبب أو لآخر، إلا إنني نضجت كثيراً مع تقدم العمر».
يمكن للمرء مشاهدة تفاصيل حياته بدقة أكثر في كل مشهد وفي كل لقطة من أفلامه. كان أندريه يسألني كل صباح عن «الأجرام السماوية»: «حدثينا عما يجري في السماء اليوم؟». «أين القمر؟ ما الذي يخبأه لي اليوم القادم؟».
كان يطرح مثل هذه الأسئلة بالرغم من حقيقة أنه كان متردداً بل خائفاً من معرفة كل شيء عن مستقبله. كلانا أندريه وأنا ننتمي إلى برج الحوت وهو ما يعني عادة وبصفة خاصة القدرة الشديدة على الإدراك وحياة فانتازية وأحلام نبوئية، إلا إن أندريه كان يفسر ذلك على أننا أشبه برمز لبرج الحوت، فهو ينشطر إلى نصفين: نعوم هنا، لكن غالباً ما ينتهي بنا الأمر إلى البقاء حيث نحن، لذا يصبح اتخاذ قرار نهائي هو أحد الأمور الأكثر صعوبة في العالم، وهذا يعني أيضاً أننا أشبه بالأسماك نشعر أكثر مما يمكننا التعبير عنه عبر الكلمات.
كان يقول لي في بعض الأحيان: «ألا تشعرين بالخوف؟ إن كشف الحجاب عن مثل هذه الأسرار هو بمثابة خطيئة. لماذا تريدين معرفة ما يخبئه لك المستقبل».
حاولت أن أوضح له أن اهتمامي بعلم التنجيم وسواه من الظواهر الغامضة لا يعني على الإطلاق أنني أريد رؤية المستقبل إنما كنت أوّد فهم ما يحدث لي وما الذي يحفز أفعالي وسلوكي.
لقد كنت أفكر مثلما كان يفكر كاتبنا الروسي إيفان بونين، وكلينا نعشق بونين، بإن الـ (أنا) هي جزء من الطبيعة وينبغي عليها أن تتفاعل معها وتستجيب لجميع ما يحدث فيها. والحياة، مهما يكن نوعها، لها وجود يتخطى تخوم هذا الكوكب. فضلاً عن ذلك، فقد ساعدني التنجيم أن أكون أكثر تسامحاً إزاء الآخرين عموماً.
كان أندريه يستمع لي باهتمام وأظن أنه كان يتفق معي في حججي واستنتاجاتي رغم أنه يعارض فكرتي بشأن رؤيتي إلى المستقبل.
«لكن ماذا عن الأحلام» قلت ذلك وأنا أواصل حججي ورؤيتي.
«لقد قلتِ بنفسك أن أحلامك غالباً ما تتحقق».
«نعم، هذه حقيقة»،
«ولكن الأحلام شيء مختلف تماماً. الأحلام هي لُغز حقيقي… وهو السر الذي يكمن وراء نصف الوجود البشري. تصوري، أنني أنام نصف عمري وعندما أستيقظ أندفع على الفور مسرعاً لعمل أفلام. إنه أمر غير معقول!».
أندريه شخص مفعم بالتناقضات، فهو من جانب مفتون كان أكثر من أي شخص آخر بمشاكل الحياة والموت ووجود الله وعلم الإنسان
وعلم النفس والغيبيات.
ومن جانب آخر كان يشعر أن ليس من الصواب أن يعرف المرء الكثير، وإن ثمة شيء ما خبيث وآثم بشأن القيام بذلك.
«ينبغي على الإنسان أن لا يدس أنفه في أسرار الخالق» كان يقول.

(وهذا ما حلمتُ به، وهذا ما أحلم به،
وهو الذي الحلم سأحلم به مجدداً،
وكل الأحلام هذه ستكرر نفسها وتتناسخ،
وسيأتي الوقت الذي تحلم بالحلم الذي حلمتُ به يوماً…) أندريه تاركوفسكي

في سيرة حياته (المصباح السحري) كتب إنغمار بيرغمان أن تاركوفسكي هو الأعظم من بين جميع صانعي الأفلام فهو يحلق في
فضاءات الأحلام بشكل طبيعي تماماً، ولديه القدرة على إضفاء مسحة درامية على أحلامه بالشكل الفني الأشد صعوبة ولكن الأكثر مرونة وسلاسة.
«كنت طوال حياتي أقرع باب الأحلام في حين كان هو يتجول في داخلها باعتداد وثقة بالنفس» يقول بيرغمان. مضيفاَ في مقطع آخر قائلاً:«تاركوفسكي، بالنسبة لي، هو الأعظم، فهو من ابتكر لغة جديدة تتوافق مع طبيعة الفيلم وتجسد الحياة كأنعكاس، كحلم».

أوّد أن أحكي لكم عن حلم واحد محدد يُرينا أندريه أنه فنان نبوئي عظيم ومخرج سينمائي رائع قادر على تحقيق أحلامه وتحويلها بنجاح إلى شاشة السينما.
في مساء يوم أحد قائظ اتصل بي ليخبرني بأن لدينا مواجهة مثيرة جداً للاهتمام في اليوم التالي مع المنتجة المنفذة للفيلم لأنه حلم حلماً ويريد تصويره!.
ينبغي لنا أن «نسلح أنفسنا بالصبر لإقناعها لترخي محفظتها قليلاً» قال.
في ذلك الحلم رأى أندريه نفسه ميتاً مُلقى على أريكة ودخل الغرفة عدد من الأشخاص وركعوا أمامه. ثم رأى أمه في المرآة وهي ترتدي ثياباً بيضاء مثل ملاك. رأى أيضاً مشهداً يظهر مباشرة من خلال شخصية فرويد: فتاة عارية تطارد ديك.
كان كل شيء أشبه بفيلم في حركة بطيئة.
ورأى في ذلك الحلم أيضاً إمرأة تجلس عند قدميه ظن أنها شخص يعرفه لكن حين استدار رأى أنه وجه غريب.

نجح أندريه في إقناع إدارة الإنتاج في تصوير مشهد الحلم هذا رغم تعدد المشاكل المتوقعة وغير المتوقعة وتم بالفعل تصوير المشهد! ومن أجل تغطية المال الذي أُنفق على تصويره قام الفريق بأكمله بعمل إضافي ليوم واحد.
ترك أندريه جزءاً صغيراً فقط من ذلك المشهد في النسخة النهائية لفيلم «التضحية» أثناء عمله في مرحلة المونتاج وقد حظي ذلك المشهد باهتمام الجميع لأنه تم تصويره بلقطة واحدة طويلة دون توقف وفي ظروف إضاءة غير مألوفة وفي شكل سوناتا ذي حركات ثلاث.
كان الكاتب المسرحي أوغست سترندبيرغ قد سمى مسرحيته الأخيرة من مجموعته مسرحيات الغرفة بـ «السوناته الأخيرة»، وحين كتب مسرحيته «سوناته الشبح» استخدم شكل سوناتة البيانو رقم ٢ لبيتهوفن المتألفة من ثلاث حركات.
عندما شاهدتُ مشهد الحلم لأول مرة أحسست به كما لو أنه «سوناته الضوء» لتاركوفسكي ومدير تصويره نيكفيست. إنه يبدأ في «إيقاع ضوء النهار» وينتقل إلى «إيقاع ضوء المساء» ثم يعود إلى «إيقاع ضوء الصباح».
تم استخدام هذا المشهد بأكمله في الفيلم الوثائقي (ذكريات تاركوفسكي) الذي أخرجه مساعد المونتير مايكل ليزيزياوفسكي.

إيبو ديمانت المنتج التلفزيوني الألماني مخرج الفيلم الوثائقي عن تاركوفسكي (البحث عن الزمن المفقود) عندما رأى «مشهد الأحلام»، قال:«إنه المشهد الفذ والأكثر قدرية للفيلم برمته حيث تنبأ تاركوفسكي فيه بمصيره القادم».
إن الخاصية التي تميز أفلام تاركوفسكي عن أفلام الآخرين هي قدرته على تحويل أحلامه إلى داخل أفلامه:
«وسيأتي الوقت الذي تحلم بالحلم الذي حلمتُ به يوماً…»
وهكذا فهو يتركنا دائماً نتساءل عن تلك الأحلام.
ما يميزه كمخرج سينمائي عن غيره من المخرجين هو انفتاحه غير العادي والرغبة في مشاطرة الرؤى والتصورات المتمثلين في عالمه الأشد خصوصية. إنه نزيه وصادق نحو فنه ومهمته الفنية.
تاركوفسكي يتناول معضلات الحكماء ببراءة ونقاء طفل، ولم تكن لديه خشية من طرح تلك الأسئلة التي لن تستطع البشرية العثور على أجابة لها مطلقاً، لكن يتعين عليه طرحها!. إنه خال من العداء والحقد في جرأته وانفتاحه. الكثير من المخرجين يستخدمون أفلامهم كوسيلة للاختباء من أنفسهم ولهذا السبب لم يفلحوا في العثور على الدليل الذي يرشدهم إلى قلوب مشاهديهم.
«ينبغي أن نكون أنفسنا، يجب أن يتحلى المرء بالشجاعة ويقول: هذا أنا، إنني هكذا». تلك كانت عقيدته الفنية. وهو كثيراً ما كان يقول: «ينبغي على الفنان أن يكون على شاكلة الخالق نفسه».