قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

بقيت لاكثر من عقدين من السنين، أعيد على مسامع "طلابي" بمدرسة العمارة البغدادية قيمة وأهمية ما أُجترح، يوما ما، من حدث معماري فذ وغير مسبوق، في مدينة "أُوترخت" Utrecht الهولندية؛ واعني به "فيلا شرويدر" (1924) Schroder House المصممة من قبل المعمار "غيريت توماس ريتفيلد" (1888 -1964) Gerrit T. Rietveld في ضواحي تلك المدينة النائية. وفي كل مرة، وفي كل سنة، عندما <أصل> مع طلابي الى الحدث "الاوترختي"، استعيد مع نفسي "حلم" رؤية الفيلا، يوما ما، واقعياً، متخيلاً وقوفي باحترام جم، وأعجاب كبير ازاء تلك "اللحظة" الزمنية، التى اسست للحداثة المعمارية، وابانت على نحو واضح ومباشر، اهداف تلك الحركة الطليعية واظهرت انموذجها التصميمي المكتمل ..والراقي! وها انا، اخيرا، بعد عقدين ونيف ايضا، منذ ان تركت بلدي و"مدرستي"، اقف قبالة ذلك المبنى المتواضع في ابعاده (يمتلك المبنى حوالي 10 امتار في الطول و7.7 متر في العرض و6 امتار في الارتفاع)، هو الذي استطاع ان يرسي بهيئته المميزة مبادئ الحداثة المعمارية ويرسخ قيمها الجديدة. والحق ان ظهور فيلا "شرويدر"، كان مباغتاً للوسط المعماري الملء، وقتذاك، بانواع من سرديات "لبيانات" Manifests نظرية، طمحت غالبيتها الى تحقيق تغييرات راديكالية في المفاهيم وفي الخطاب؛ مثلما كان ذلك الظهور مفاجئا للمعمار نفسه! كأن الحداثة بقيت تنتظر احداً "لتمثيلهاا"، وشخصاً "لتجسيدها" مادياً؛ كأنها سيان لديها عن من يؤدي هذه المهمة: معمار بارع، ام هاوٍ قليل الخبرة! فـ "نجار الخزائن" (الذي كانه ريتفيلد، ما بين 1911 - 1919، وفيما مضى صبيا متدربا في معمل نجارة والده مابين 1899- 1906، قبل ان يأخذ دروسا في العمارة بمدرسة ليلية بين 1911 – 1915 ليتخرج لاحقا معماراً!)، لم يعرف، قط، بانه سيكون ذاته "الامل المرتجى" للقيام بتلك المهمة الرائدة.
فـ "ريتفيلد" وان عرف بالاوساط الفنية الرائدة مصمما بارعاّ للكرسي الشهير "الاحمر والازرق" (1918) <المتكون من 15 شريحة من خشب الزان، ولوحتين مستطيلتين، وعدّ ظهوره، حينذاك، رمزاً لحركة "دي ستيل" De Stijl الطليعية الهولندية وعنواناً لها>؛ لكنه من جانب آخر، لم يكن مهنياً متمرساً معروفاً فيما يخص الشأن المعماري. بيد ان ظهور "الكرسي" اياه، مهد الطريق له لينظم الى تلك الحركة الفنية الرائدة التى تاسست في 1917 بمدينة "ليدن" Leiden، والتى دعيت، اولاً، بـ "اللدائنية الجديدة" Neoplasticism، قبل ان تسمى، لاحقاً، بـ "دي ستيل"، على اسم المجلة التى ظهرت كلسان حال لتلك الحركة الفنية. كانت "دي ستيل" بمثابة النسخة الهولندية ضمن "نسخ" اوربية عديدة، مثل حركة "الكونستروكتفيزم" الروسية، وقبلها "السوبرماتية" Suprematism ولاحقا "الباوهوس" الالمانية، و"اسبيري نوفو" الفرنسية وغير ذلك من الحركات الرديكالية المتخم بها، وقتذاك، المشهد الاوربي وخطابه اثناء فترة الحرب الاولى وما بعدها، والتي سعت غالبيتها وراء تغيير الذائقة الجمالية وتبديل المبادئ الفنية السائدة، وارساء قيم فنية ومعمارية وتصميمية جديدة، وحتى غير مسبوقة! مثلت "دي ستيل" ملتقى ً وتجمعا لفنانين ومعماريين ومصممين (في البدء اساساً هولنديين)، مثل الفنان "بيت موندريان" Piet Mondrian، والمعمار "ج. ج. ب. اود" J.J.P. Oud، و"غيريت ريتفيلد" وغيرهم من المعماريين والفنانيين، ومعهم طبعاً منظر المجموعة المعمار "ثيو فان دوسبيرغ" (1883 -1931) Theo van Doesburg الشخصية الفنية النافذة متعددة المواهب، الذي اختطفه الموت بعمر 47 سنة، وهو في ذروة عطائه الفني والتنظيري اثر "سكتة قلبية" مفاجئة. كتب "ثيو فان دوسبيرغ" في العدد الاول من مجلة "دي ستيل" سنة 1917، بان حركته مع زملائه الاخرين كانت "ردة فعل" ضد ما يسمى بـ "الباروك الحديث" الذي تبنته مدرسة امستردام التعبيرية المعمارية، لكنه كان يؤمن بوجهة نظر محددة، جعل منها مقاربة خاصة به، تختصر اشكال تناغم العمل الفني وتناسقه في محض عناصر هندسية. وقد اثرت هذه المقاربة، لاحقا، تاثيرا عميقا على تطور العمارة والفن. كما كتب يوما من ان مفهوم "اللدائنية الجديدة" يعني فيما يعنيه، من ان بلوغ الفن الاصيل، والدنو من اعلى اشكال الفن، يمكن تحقيقهما ليس عبر محاكاة مناظر طبيعية عادية، هي التى نراها حولنا كل يوم، وإنما التعبيرعنهما من خلال مٌثل عليا ومبادئ روحية انسانية سامية. فالفن يتعين عليه ان يعكس الحياة الجوانية للطبيعة البشرية، وليس معنياً بتكريس "اوهام" الخارج الكاذبة!
كما حدد "ثيو فان دوسبيرغ" مفهوم "العمارة المستقبلية" من وجة نظر "اللدائنية الجديدة" (اي من وجة نظر "دي ستيل")، بكونها عمارة يغلب عليها "البساطة والاختزال والوظيفية، وهي غير "رسمانية"، لكنها ديناميكية، والاهم انها نقيضة للتكعيبية (!) شكلاً، وضد التزيين لوناً". وهو ما سعى "غيريت ريتفيلد" وراء تمثيل تلك الخصائص المحددة معمارياً، وعكسها لاحقا في مبناه السكني "فيلا شرويدر" في اوترخت. وبهذا الصنيع الرائد، اظهر المعمار "المغمور" درجة عالية من الاحساس والاستشعار بوقوع "لحظة" زمنية فارقة: هي "لحظة الحداثة" المعمارية؛ اللحظة الفاصلة بين زمنيّن: قبلها، لم تكن "الحداثة" المعمارية قد ولدت، وبعدها امست اياها، ظاهرة مهنية فاعلة ومؤثرة!.
والحق ان لا احداً من المعماريين، في ذلك الحين، استطاع ان يوظف كلمات "دوسبيرغ" المحددة للعمارة الجديدة، مثلما فعل "ريتفيلد"، رغم ان تلك الاوصاف والمحددات كانت معروفة للكثيرين، ومعروفة جداً لمناصري "دي ستيل" على وجه الخصوص، الا ان "ريتفيلد" فقط (ولابأس من التكرار، لجهة قيمة المجترح "الريتفيلدي" وأهميته!)، تمكن من "اقتناص" تلك "اللحظة"، ويخرج لنا <فيلا شرويدر>! مرة كتب "عمنا" <الجاحظ> (ابو عثمان بن بحر الكناني البصري 779 -868 م.): " .. والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والحضري والبدوي، والقروي والمدني وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك"! نعم، <الشأن> يكمن في كل ذلك، وخصوصاً في "..تخيرّ اللفظ،...وجودة السبك"، فالمعاني معروفة، وهي مشاعة، وهي فوق ذلك.. "مطروحة في الطريق"!
عليّ تذكرّ، ايضاً، وانا في تداعياتي ازاء "اللحظة" المعمارية الحداثية اياها، السيدة "ترس شريدر" Truus Schrader (1889 – 1985)، زوجة (ارملة) المحامي السيد ف. شرويدر F. Schroder، (التي تعرف "الدارة" باسمه)؛ والتى واكبت عملية التصميم والتنفيذ مع المعمار، وقبلت ان تسكن في تلك الدارة الاستثنائية مع اطفالها الثلاثة طوال حياتها ولحين وفاتها سنة 1985. اذ لولا شخصيتها التائقة للجديد، ولولا موافقتها على مخطط المعمار بتلك الصيغة التى شيدت بها الدارة، ما كان لنا ان نتوقع "حدوث" تلك "اللحظة " المعمارية الفارقة.
ولكن ما هي طبيعة وخصوصية هذه العمارة: عمارة الدارة، التى وصفت دوما بالفريدة، والاستثنائية والطليعية، وغير المسبوقة؟! تبدو الفيلا من الخارج بجدرانها المصبوغة بالالوان اياها، التى لطالما ذهبت "دي ستيل" بعيدا في التأكيد على استخدامها والاقتصار عليها، وهي الصبغات الاساسية: الاحمر والازرق والاصفر، وقليلا من البني مع الاسود والابيض. كما ان عمارتها تدرك ليس بكونها كتلة، وانما باعتبارها فضاءً محاطا؛ فالحجم يتجزأ، هنا، الى اسطح لجدران منفصلة، والتى بدورها تتفكك وتنقسم الى عناصر وفتحات محفورة، تصل الفضاء الداخلي مع العالم الخارجي. وفيها يحافظ كل عنصر من عناصر المبنى على ذاتيته البصرية. وقد استطاع المعمار ان يحرز مثل هذا التأثير بجعل الاسطح او الاعمدة الحاملة تتمدد بعيدا عند نقطة التلاقي بينهما. (وهو حل تعلمه جيدا من اشتغاله كثيرا في الاعمال النجارية!). بيد ان "رديكالية" الحل التكويني للفيلا يمكن ان تكون في تصميم حيز الطابق الاعلى، الذي جاء على نحو "فضاء حر" خلوا من اي تقطيع او تجزئة، عدا جدران ثابتة قليلة تحيط بحيزي الحمام والتواليت فقط. على ان هذا الفضاء الفارغ والفسيح، يمكن له بسهولة ان يتجزأ الى ثلاث غرف عبر قواطع متحركة يمكن طيها "وخزنها" داخل جدران الشقة. وعدّ هذا المقترح التصميمي، وقتها، بمثابة اضافة مميزة وفريدة في تصاميم "تابلوجية" الموضوعة السكنية! ثمة اتصال عضوي بين الداخل والخارج، ينزع "ريتفيلد" الى تحقيقه في تكوينات دارته الشهيرة. فبمجرد فتح النوافذ الواسعة المصممة لهذا الغرض تنشأ تلك العلاقة العضوية ما بين داخل الشقة وخارجها، وخصوصا في الركن الجنوبي الشرقي منها، حيث تعمد المعمار ان تكون تلك النوافذ الاعرض في كل الشقة.
والحق، فان عمارة " فيلا شرويدر" بامتلاكها لمثل تلك الخصائص، عُدت من اجمل النماذج السكنية التى انتجتها عمارة الحداثة؛ انها، وفقا لاحد النقاد، المبنى الاجمل والاكمل الذي فيه تجسدت "روح" الحداثة، وقيمها. انها، في هذا المعنى، تفوق حداثة ويناعة كل ما صممه المعماريون الحداثيون في موضوعة " الدارة" السكنية، بما فيها اعمال " لو كوربوزيه" العظيمة، ومن ضمنها " فيلا سافوي" الشهيرة.
عندما وقفت قبالة "فيلا شرويدر" بزيارتي الخاصة لها في اوترخت، كنت اعي قيمة صنيع ذلك المعمار "الاوترختي" وأهمية اضافاته للمعجم الحداثي الذي بدأ يتكون، وقتذاك، ويظهر في المشهد كحدث مهني وثقافي لافت. لكني مع هذا، احسست بنوع من دهشة ممزوجة بالذهول لقدرة استشراف "ريتفيلد" وسعة حدسه في التطلع نحو الامام وتبيان مزايا وخصائص عمارة المستقبل! فما هو مجترح امامي، العائد الى سنة 1924، لا يشي فقط بعما ستؤول اليه العمارة لاحقاً؛ وانما يطمح الى "تمثيل" تلك العمارة الآتية وتجسيدها في "فورم"، ينهل من المستقبل لغته ومقاربته ..ايضا؛ اكثر بكثير لما ينزع ليكون مجرد "قطيعة" عما سبقه! وهنا، في هذا الجانب تحديداً، تكمن أهمية صنيع "غيريت ريتفيلد" المعماري وقيمة دوره الثقافي الرائد.
ومع ان المعمار، لاحقاً، صمم العديد من المباني بعد تلك الدارة، الا انه لم يقترب من مستوى القيمة التصميمية "لفيلا شرويدر". بل وحتى تصاميمه المهمة مثل "جناح هولندا" في بينالي فينسيا (1954)، وكذلك قاعات معرض "دي زونيهوف" De Zonnehof في مدينة "اميرسفورت" Amersfoort (1959)، ومبنيه الاثنين اللذين نفذا في امستردام بعد وفاة المعمار وهما "معهد تعليم الفنون والحرف" (1967)، ومتحف "فان كوخ" (1970)؛ لم تكن تكوينات غالبيتها تضاهي ما تم احرازه، يوما ما، في ضواحي مدينة "اوترخت" او ترتقي اليه، لا من ناحية اللغة، ولا لجهة التنطيق! كأن "ريتفيلد"، وقتها، استجمع قواه كلها، وحشد مقدرته وجهده واجتهاده وافرغها في إنجاز رائعته "الاوترختية" لوحدها. وظل، هو ذاته، طوال الوقت متحيراً، اذ لم يستطع تفسير كيف تسنى له عمل ذلك! كأنه يستعيد، في حيرته هذه، مقولة "القديس اوغسطين" (354 – 430 م) وجوابه المٌلغّز المشوب بتعددية المعنى، حينما سئل عن الزمن؛ " - ماهو الزمن؟ اذ لم تسألوني ماهو، فاني اعرفه؛ واذ ما سألتموني ماهو، فانني لا اعرفه!". ولحين وفاته، بقى "غيريت رتفيلد" يشار اليه، اساساً، بكونه مصمم "فيلا شرويدر" فقط، بيد ان هذا كان كافيا لان يمنحه مجدا مهنيا كبيرا، ويكسبه شهرة واسعة سواء في بلده هولندا او في خارجها.
في عام 2000 ادخلت منظمة اليونسكو مبنى "فيلا شرويدر" في اوترخت، ضمن <لائحة التراث العالمي> الواجبة الحفاظ!.
معمار وأكاديمي

الصور:
1- فيلا شرويدر (1924)، اوترخت / هولندا، المعمار: غيريت رتيفيلد، منظر عام.
2- فيلا شرويدر (1924)، اوترخت / هولندا، المعمار: غيريت رتيفيلد، منظر عام.
3- فيلا شرويدر (1924)، اوترخت / هولندا، المعمار: غيريت رتيفيلد، تفصيل.
4- فيلا شرويدر (1924)، اوترخت / هولندا، المعمار: غيريت رتيفيلد، منظر عام.
5- فيلا شرويدر (1924)، اوترخت / هولندا، المعمار: غيريت رتيفيلد، منظر داخلي.