قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

سمع ديفيد، كثيرا وأخيرا، العديد مما يقال عن الحاسة الأخيرة التي تجاوز صيتها سالف الحواس. تلك التي لا يستطيع الإنسان تحديد مبتدئها ومنتهاها، لا سيما وإن سلم هذا الإنسان بالطرح الفلسفي- أو العقدي- القائل إنا كنا دوما ههنا.. وسنظل.
هنا تبدو الحياة أكثر عمقا بكثير من مجرد محطات في رحلة سفر، ينبغي على كل الركاب ترك حافلتها عند المحطة الأخيرة.. ولربما يصلح هذا دليلا آخر على ضعف الكائن البشري، فهو الوحيد من بين الكائنات من تجرأ وادعى القوة. كما ادعى، فيما ادعى، أنه نجح في تحييد قوى الطبيعة.. لا بل وتمادى إلى حد القول إنه يسخرها أَمة للأمم، وأنه يقدر على إسكات غضبها، تماما كما تسكن الأقراص الفوارة التي صنعها حديثا الألم.. المسكين!
.. لما بدت شمس الأصيل تتثنى، مُعدة بدلالها الأميري متكأ لها في الأفق، أخذ ديفيد مجددا فاصلا عن كل ما هو فيه، دون الانفصال عنه. لتضيق عيناه مرة أخرى وهو يواصل فك السيل المنهمر من تلغرافات الإشارات، سيل لم يتوقف مذ دخل الغرفة، فتحدثه ذاكرته مجددا:
لحظة.. لحظة، أليس المكتب المجاور لهذه الغرفة هو نفسه المكتب الذي نسيت فيه شيئا ذات يوم، فلما عدت متعقبا إياه فوجئت باجتماع تفاجأ المجتمعون فيه أني رأيتهم كذلك؟! ألم تكن شمس يومها كهاته؟! أليست طريقة حديث هذه "الجثة القاتلة" هي نفسها.. ألا يمكن أن يكون هذا هو نفسه ذاك، وأن تكون الطبخة التي كانت تعد بعشية- ارتبك خلالها الطباخون حين فتحت الباب فرأيت أمورا كانت أبعد ما تكون عن "العادية"- هي نفسها طبقنا اليومي اليوم؟!
.. رباه ما كل هذا بحق السماء!
كذلك زفر ديفيد زفرة داخلية أخرى، لقد كانت توقعاته للسنة الجديدة تقول في شقها العام إن عشرينيات أي قرن قرن هي "مطبخه الداخلي"، وأنها ستشهد بلا شك شيئا استثنائيا. أما في الشق الشخصي فقد كان يلخص كل شيء بأن يصر في كل مرة أن "الأمر لا يمكن أبدا أن يستمر هكذا".. هكذا! رغم أن لا شيء كان يوحي فعلا بذلك.. وأن الأمور، كل الأمور، كانت تسير في منحى يجعل منها "عادية جدا" وبطريقة نمطية قاتلة.. لكن ليس إلى حد النيل من عناد ديفيد الذي ورث جينات جيدة جدا منه، دون أن يكون على يقين من سوء ذلك أو جودته.. فكان الظن! ذلك الذي لا يغني من الحق شيئا، غير أنه يجعل من يحترفه أبعد ما يكون عن فقر المعنى.. لله درك يا ديفيد!
أما في الشق الثاني من الشق الشخصي، ففيه كان يقين ديفيد وحدسه أصفى من ماء الخلجان شبها بعين المرأة التي علمت الحب وأشياء ما كانت أبدا في الحسبان، كما قال نزار في قصيدته الشهيرة. لقد كان موقنا بإصرار لا يدري هو نفسه سره أن هذا الصراع بينه وبين القدر، بهيجانه وسكونه، وبتبادل أدوار السخرية والسباب الذي شابه، وبتمسك كل بنظرته للأمر ككل، سينتهي لا محالة بأن يصلبه القدر، حقيقة أو مجازا.. لا يهم، فكل ما كان حدسه يقول هو أن لا مكان لشخص مثله في حياة كهذه يتسع لقوتين قهريتين في آن، وبما أنه الحلقة الأضعف، والأقدر إلى ذلك على وقف زحف السلسلة، فإن مصيره المحتوم هو هو نفسه مصير صديقه.. ولتوقع أمر كهذا فالأمر لا يحتاج حتى إلى حدس...
- .. الأمور ليست دوما كما تبدو سيد ديفيد.
- توقع الكثيرون بالمناسبة أن نهاية، كالتي تنذرنا بها، قريبة لا محالة. لكن الطريقة، طريقتك، صنعت الفارق والمفاجأة. فما السر فيها؟
- .. ما فيها من سر! الأمر ملغز مشكل عليكم ليس إلا، إذ إن إصراركم على الإعراض عن الجوانب المهمة والأهم في كل هذا، في مقابل تشبثكم المرتبك بالعودة إلى سابق عيشكم كيفما اتفق لأمر ملغز بحق! على أن الفارق ليس في عنصر المفاجأة، بل في عنصر البداهة.
- بداهة قدرة الفيروسات على الفتك بالإنسان؟
- بل بداهة أن يكون لعائلتنا شرف وضع نقطة النهاية، بهامش صفر من التعقيب.
- كيف ذلك؟
- حسنا، لو اختير للنهاية أي سبيل غير هذا فستكثر التعقيبات، ولن يعدم الكائن البشري في ذلك المعاذير، وأنا إنما جئت لأخرسه، لا لأحاور جداله العقيم. فلو كانت النهاية بالأسلحة النارية، لتعذر بعذار الحماية.. أن يحمي نفسه من أخيه، لا غير ولا عجب! ولنا في ذلك عودة. ولو أن النهاية كانت بالأسلحة النووية، فسيتعذر بـ"الأغراض السلمية"، وأن قصده من ذاك شريف نبيل بريء، ألا وهو أن يرحم رحم الأرض من نزف الوقود الأحفوري! غير أن لا عذر للكائن البشري في تطوير أسلحة عنوانها الواضح والعريض، ومنذ البدء، أنها النهاية العصية على السيطرة. إذ يكفي ذكاء الصواريخ والقنابل الذكية لملء غباء الآدميين ههنا، وهنا يبلغ الذكاء الاصطناعي منتهاه في خلقه روبوتات تفي بغرض القتل في الحرب، وهو قرار ما هي إلا مسألة وقت حتى يخرج هو الآخر عن السيطرة، لتغير البندقية أخيرا كتفها العتيق، ويصير القرار بيد الآلة، لا بيد الإنسان الذي أراد أن ينجو من تأنيب الضمير في آخر لفة من السباق، بأن يلفق جرمه الأول والأخير للآلة لتكون الذئب، ويكون هو يوسف، يتحنث في آخر الزمان بعمى بصر ونور بصيرة، وهذا طبعا باتباع خوارزميات الخيال العلمي.. خيال هو علمي جدا، أكثر منه خياليا شيئا ما. ما يفترض أن يشكل مصدر أسى لكم أنتم يا بني البشر، لا مصدر فخر فارغ.
- ذكرت كثيرا مصطلحات "السيطرة" و"التحكم" و"الفهم"، فهم ما يحصل، فكيف تنظر لها مجتمعة في نظرتك لغريمك الإنسان؟
- .. بداية، غريمي هو الكائن البشري. أما الإنسان فهو مثال تدعون، ادعاءكم كل الادعاءات التي ذكرنا، أنكم تسعون إلى الوصول إليه كهدف أسمى، وطبعا دون أن تصدق في ذلك أفعالكم الأقوال. من هنا يبدأ الفهم، أي في عدم الخلط بين الأمور، لا سيما تلك التي يكون الفرق بينها فرقا بواحا صارخا، وطبعا دون إنكار أن منكم من استطاعوا حقا وصدقا الوصول إلى مقام الإنسان، وطبعا بدل أن تصغوا وتنصتوا لحكمتهم فكل ما نالوه منكم هو وصفكم إياهم بـ"الحالمين الحمقى"! لذا، فلا نهاية عندي ولا ختام قبل أن تعلموا علم اليقين من هو الأحمق.
وبالنسبة للثالوث فأمره واضح كما يبدو، يفسر نفسه بنفسه، من سيطر تحكم، وذلك لا يتأتى سوى بتملك الفهم، والفهم في لغتكم المعاصرة يعني المعلومات، أو بتعبير أدق: "قواعد البيانات". نعم، تلك التي تسيل لعاب كبرى الشركات، والتي في سبيل تملكها هي على استعداد، استعدادا خاليا من أي التزام أخلاقي، أن تطحن الإنسان، والتي في سبيل تسريع وتيرة تملكها تملأ السماء أقمارا، والأرض خيوطا من الألياف البصرية جنبا إلى جنب مع أنابيب الماء والكهرباء حتى تربط القارات، إلى جوار حاملات الطائرات، قربانا لسواد عيون سيد البيض.