قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تمر في 10 نيسان الحالي، الذكرى الاولى لوفاة المعمار العراقي المعروف "رفعة الجادرجي" (1926 -2020). ويتذكر اصدقاؤه ومحبي عمارته انجازاته التصميمية واعماله الثقافية والتنويرية المكتوبة وما اجترح من اعمال تصويريه جعلته ان يكون واحداً من اهم المعماريين المصورين في المنطقة العربية. وارجح بان من مبررات ولع رفعة واهتمامه بالشأن الاخير، هي قناعاته التى لم يكن يخفيها، وكان يكررها دوما وسمعتها، شخصياً، منه مراراً، بانه يعرف تمام المعرفة، من ان مبانيه المنفذة في بلده العراق (هو الذي لطالما شهد ويشهد تغييرات اجتماعية وسياسية وحضرية عميقة وسريعه)، سيتأثر وجودها سلباً جراء تلك الاحداث، وستنالها اجراءات التغيير والتشويهات، وربما الهدم والزوال؛ ولهذا فهو يسعى وراء مهمة تسجيلها فوتوغرافيا وتوثيقها تصويريا، مانحاً تحقيق تلك المهمة، القريبة الى قلبه، ساعات عديدة من العمل الدؤوب واحيانا المضني في تصويرها ورصدها وتوثيقها. ونمتلك اليوم ارشيفا مدهشا لمراحل تصميم وتنفيذ كثير من المباني التى صممها مكتب "الاستشاري العراقي" الذي شارك هو مع "عبد الله احسان كامل" (1919 -1985) واحسان شيرزاد (1925 -2015) وبالتعاون مع آخرين في تأسيسه بمنتصف الخمسينات. جدير بالذكر، ان رفعة الجادرجي لم يقتصر على تصوير تلك المباني لوحدها، وانما شملت هوايته توثيق نماذج من تصاميم زملائه المعماريين وشواهد البيئة المبنية المحلية، بالاضافة الى تصوير وتوثيف وقائع الحياة الاجتماعية والعادات التى تدخل ضمن مفهوم الشأن الانثروبولوجي. وبالتالي فنحن الان ندين له بالفضل لذلك "المتن" التصويري المميز والهام الذي ابدعه هذا المعمار متعدد الاهتمامات والاجتهادات.

ورجوعا الى اشكالية توثيق نماذج العمارة العراقية فوتوغرافياً، واشير بان تلك الاشكالية ظلت على الدوام غير مثيرة للاهتمام من قبل كثر. بل ولم تنل عناية واضحة حتى من المعماريين انفسهم (وخصوصا الرواد الا قلة منهم)، الذين لم يكترثوا بتسجيل مراحل تنفيذ مبانيهم، وكانوا عادة ما يكلفوا احد المصورين الفوتوغرافيين المحترفين لالتقاط صورة توثق المرحلة النهائية للتنفيذ واكمال تشييد المبنى. في حين يبرز جهد رفعة الجادرجي وعمله في هذا المجال، وفي الصيغة الفنية التى ابدع فيها، وفي تعدد اللقطات ومواكبتها لمراحل التنفيذ؛ يبرز ذلك الجهد الابداعي بكونه عملا فريدا لا نظير له وغير مسبوق في الممارسة المعمارية العراقية.

لقد صور رفعة غالبية مبانيه التى صممها، ان لم تكن جميعها. كما اهتم بتصوير مشاريع مكتبه الاستشاري. وجزء هام من تلك المجموعة الفوتوغرافية الخاصة بتصاميم رفعة الجادرجي، تم نشرها مؤخرا، في كتاب باللغة الانكليزية، دعاه مؤلفاه "مارك واسيوطا" (وسيطة؟!) Mark Wasiuta و"اكرم زعتري" Akram Zaatari بـ "رفعة الجادرجي: دليل المباني" (2018) Rifat Chadirji Building Index، الصادربـ (408 صفحة من القطع الكبير)،عن "المؤسسة العربية للصورة" ودار "كاف للكتب" وكلاهما في بيروت. كما دعم النشر والطبع "مؤسسة غراهام" والمركز التوثيقي لاغا خان" بالاضافة الى مؤسسات داعمة اخرى. والكتاب مطبوع في اسبانيا.

يكتب "مارك واسيوطا" (وهو معمار وكاتب واستاذ مساعد بجامعة كولومبيا Columbia University في نيويورك، ويشارك في ادارة وتدريس برنامج الماجستير في الممارسات النقدية والتنسيقية والمفاهيمية بالجامعة)، يكتب تقديمه الكتاب ويعنونه: "الارشيف السيبراني. التفاعل". في حين يكتب اكرم الزعتري (وهو من مواليد لبنان سنة 1966، يعيش ويعمل في بيروت، ومهتم بالصورة الفتوغرافية، كما انه

احد مؤسسي "المؤسسة العربية للصورة"، وهي مؤسسة رائدة يقودها فنانون مكرسة للبحث في الشأن الفوتوغرافي ودراسته في المنطقة)، يكتب في كلمته الافتتاحية للكتاب عن The Fold (وتعني "الطيـّة"، "الثنـية"، واحيانا تأتي بمعنى "تجعـيد")، ويرى في هذة الكلمة عنواناً واسلوباً يوظقه في كيفية التعاطي مع محتويات الكتاب. اذ يستحضر معنى الطيـّة كمفهوم"..يتكون عن طريق تدوير او ثني مادة كالقماش او الورق او حتى الصخور الرسوبية او التربة. والطية، في النتيجة هي الشكل الذي تأخذه المادة بعد ذلك الفعل. انه ايضا الاثر المتبقى على المادة، والتجعد الذي يدلل الى موقع الثني والضغط". ويشرح لنا ايضا مفهوم "اFold" كنوع من انواع "السرد"Narration. وهو يستهل كلمته باقتباس من الجادرجي بكون الصورة، كما يذكر المعمار، تتحدث عن:"..قصة تسكن في ذاكرة كل واحد منا، وتبقى على ملامح الوجه والكلمات التى نتحدث بها".

تكمن الاهمية الكبرى للكتاب ، كما اراها، في محتواه: في مجاميع الصور الفوتوغرافية الملتقطة من قبل رفعة الجاردجي، التى تواكب تنفيذ الاعمل المصممة والمشغولة من قبله. انها صور عديدة تعود الى مجموعة من المباني بلغ عددها في الكتاب المطبوع بـ 76 مشروعاً، وهي توثق لفترات زمنية، تشير الى مراحل تنفيذها واقعيا. وقلما نرى توثيقا وتسجيلا شاملين لنماذج عمارة الحداثة في العراق، بمثل ما انجزه المعمار العراقي الطليعي وبالطريقة التى يقدمها الكتاب. انه كتاب نادر، اراه مهما وجوهريا لا غنى عنه بكونه مرجعا حصيفا في دراسة العمارة العراقية كاحدى تمثلات عمارة الحداثة العربية. . لكني اود ان اشير بان من ضمن كلمات عنوان الكتاب، ترد كلمة <Index>، ومن معاني هذة الكلمة، بالاضافة الى معناها الشائع والمعروف والذي يعني "دليل" او "مؤشر" او فهرس" او "علامة"، فانها تشير ايضا (ووفقا لصاحب قاموس "المورد") الى معنى يدلل الى مايلي: "قائمة بالكتب الممنوعة قرائتها على الكاثوليك من قبل السلطات الكنسية!". ورغم هذا المعني الذي قد يفسر به عنوان الكتاب، الا اني احث قرائي وادعوهم بالضد من منطوق هذا المعنى، الى ضرورة الاطلاع علي الكتاب وادراك محتوياته؛ وان يكون من ضمن مقتنيات كثر من المعماريين وخصوصا مقتنيات المكتبات العربية والعراقية على وجه الخصوص، ولاسيما مكتبات المدارس المعمارية، لجهة الاطلاع ودراسة قيم الحداثة المعمارية المحلية والبحث فيها، والتعرف على نماذجها التصميمية في صيغتها الاصلية من دون "تلوث" لحق بها، ومن دون اضافات غير مسؤولة او تغيير او تشويه تعرضت له لاحقاً.

بالنسبة اليّ، انا القارئ والمتابع لعمارة الحداثة في العراق، اعتير طبعه ونشره من اللحظات المفرحة للعمارة العراقية ولذخيرة متنها السردي. كما ارى في هذا الاصدار احد المنشورات التى تثري معارفي، وتضيف القاً زائداً لذلك النشاط الطليعي والحداثي الذي يفتخر العراق بانه كان موئلاً وموطنا له. ان صدوره يعني، ايضاً، نوعاً من ابداء تحية واستذكار الى المعمارالعراقي الرائد. واذ احيي الجهات العديدة التى عملت على اصدار الكتاب ودعمه، فانا اشيد بصورة خاصة بمبادرة المؤلفيّن الفاضليّن الذيّن اضطلعا في تأليفه ونشره بالصيغة المهنية العالية وبالقيمة الجمالية التى ظهر بها المطبوع. واعتقد ان التذكيربظهوره ونشره، والكتابة عنه الان، ونحن في الذكرة الاولى لرحيل رفعة، بمثابة تحية لذكرى هذا المعمار الحداثي المرموق واحتفاء طيب وتقدير يليق به وبمنجزه المعماري!

معمار وأكاديمي

الصور:

1- صورة غلاف الكتاب.

2- دار هديب الحاج حمود، المنصور، بغداد 1972.

3- مبنى انحصار التبوغ، شارع الجمهورية، بغداد، 1961.

4- دار يعسوب رفيق، 1965.

5- دار رفعة الجادرجي، شارع طه، 1962