قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

(مردى كه خواب مى فروخت) ومعناها بالعربية (الرجل الذي كان يبيع الأحلام) والتي صدرت ترجمتها العربية بقلم الأستاذ غسان حمدان عن دار الخان بدولة الكويت تحت عنوان (بائع الأحلام)، واحدة من روائع الروايات التي كتبها الكاتب والروائي الإيراني الكبير محمد قاسم زاده. وهي رواية رمزية يتلاعب فيها الكاتب بالفنتازيا بطريقة متقنة. تتحدث عن رجل يعيش في بيت على تلة، منفصلا عن بقية احياء المدينة، يحلم للناس مقابل مبالغ زهيدة تسد حاجته لا أكثر. أي إن قاسم زاده يخبرنا منذ البداية بأن بطله ليس مشعوذاً يسعى وراء المال من خلال الضحك على عقول البسطاء واستغلال توقهم الى معرفة الغيب. لكن مطالب بعض الناس في الأحلام التي يطلبونها وضغطهم في ما يراه بطلنا تفاهات قياساً بما يرى انها مهمته، تضطره الى الهرب الى مدينة أخرى، في حين يأتي أناس من عدة أماكن ويخيمون في سفح التلة، بينما يقول البعض أنه كان يسكن مدينتهم قبل هروبه الى هذه المدينة.
في هذه الرواية يتعامل قاسم زاده مع احدى اهم وأعقد الظواهر التي تهم الإنسان، ألا وهي الأحلام. نعم، الأحلام التي تحدثت عنها الكتب السماوية بإسهاب. الأحلام التي شكلت احدى اهم مجالات فهم الانسان وبواطنه المعقدة الخفية والعاصية على الفهم، لدى علماء النفس وفي مقدمتهم فرويد. الأحلام التي تُعدّ المنطلق الأول والأساس لكل مشروع كبير حققه البشر. كلنا نحلم، وكلنا مرتبطون بميل غريزي عجيب لمعرفة مصيرنا وما يخفيه لنا الغيب، لدرجة أننا نفسر بعض أحلامنا على انها نوع من التنبؤات التي تكشف لنا الغيب، وهو ما أنتج العديد من كتب تفسير الأحلام التي يلجأ اليها البشر يومياً للكشف عن معاني وتفسيرات ما يرونه في احلامهم. اذن نحن أمام نص مبهر يتعامل مع واحدة من أهم وأعقد الظواهر. في هذه الرائعة يسرد قاسم زاده كل ذلك في اشكال سردية رمزية تطال جميع ما يتعلق بالأحلام، وكذلك بسلوك البشر ودواخلهم.
لنأتي قليلا على شخصية بطل الرواية، الذي قلنا عنه في البداية ان اكتفاءه بالقليل من المال، أو حتى مساعدة البعض بالمجان يبعد عنه شبهة الشعوذة والاحتيال من اجل الحصول المال، ولكن هل هذا كل شيء؟ بالطبع كلا، فالبطل في هذه الرواية، همه الأساسي ان يمنح الناس السعادة، ولذلك نجده غاضباً حين يطلبون منه احلاما لا تنسجم مع معاييره حول ما يقدم لهم، إذ انه جاء لكي ينقذهم. أي ان قاسم زاده يلعب في هذه الرواية ببراعة على فكرة المنقذ الذي ينتظره البشر منذ فجر الخليقة وسيظلون يعيشون على امل ان يأتي ليخلصهم. في مقابل كل ذلك يمنح قاسم زاده بطله مرتبة اعلى، وما سكنه اعلى تلك التلة المنعزلة سوى إشارة واضحة على رفعته وعلو مقامه الذي نجد صداه عند الناس الذين ينظرون اليه كأحد الأولياء المطلعين على الغيب.
ما يساعد قاسم زاده على انتاج رواية بهذه الروعة، انه أستاذ في الأساطير والحكايات الشعبية، اذ انه كتب علاوة على العديد من الروايات المتفردة في جمالها، الاساطير الإيرانية في مجلدات من عدة آلاف من الصفحات. كل هذا أنتج مثقفا موسوعيا متمكنا من أدوات السرد الإبداعي الذي تجسد كما أسلفنا في مجموعة روايات متفردة في جمالها وابداعها. من حسن حظي انني تمكنت من قراءة روايته (الرجل الذي كان يبيع الأحلام) ومجموعة أخرى من رواياته بلغتها الأصلية (الفارسية). بقي ان أقول انني لم احصل بعد على الترجمة العربية التي صدرت عن دار الخان والتي قام بترجمتها الأستاذ غسان حمدان. بقراءتي لهذه الرواية بلغتها الأم اجزم بأنها تستحق الترجمة الى العديد من لغات العالم، لكن يبقى عندي تساؤل حول عنوان الترجمة العربية التي صدرت كما قلنا عن دار الخان بالكويت تحت عنوان (بائع الأحلام)، اذ ان قاسم زاده كان بإمكانه ان يضع عنوانا مماثلا لتصبح الرواية في نسختها الفارسية (خواب فروش). وقاسم زاده المثقف الموسوعي، والروائي المتمكن من أدواته السردية، والناقد العارف ببواطن دلالات الكلمات والعبارات والسياقات التي يستخدمها فيها، لم يختر عنوان روايته لتكون (الرجل الذي كان يبيع الأحلام) بدلا عن (بائع الأحلام) هكذا اعتباطاً.


روائي وسياسي كردي من العراق