قضية السكنات الإجتماعية أزمة قد تفجر الجزائر

تنذر قضية السكنات الاجتماعية الجاري توزيعها منذ أيام بمختلف المحافظات الجزائرية، بتفجير احتقان حقيقي قد تشتد حدته مطلع الخريف القادم في ظلّ تفشي الظلم واللاعدالة، وعلى نقيض من مسؤولين سعوا إلى التهوين، يذهب ساسة وخبراء إلى أنّ هذه السكنات تختصر أزمة جدية ستفجر الجزائر.


الجزائر: من حسين داي والقبة وصولاً إلى قلب العاصمة، ووصولاً إلى بلديات المحافظات الداخلية، باتت الجزائر العميقة تستيقظ يومياً على ثورات المُستبعدين من قوائم المستفيدين، وصعّد هؤلاء الموقف أكثر خلال الأسبوع الأخير عبر حرقهم العجلات المطاطية وإقتحاماتهم لمقار البلديات، في وقت يتوعد سكان جهات أخرى بالنيل من السلطات إن لم يتم نشر أسمائهم ضمن لوائح المستفيدين من هذه السكنات، وهو ما ينذر بصيف جزائري أكثر سخونة.

وأفرز الإعلان عن قوائم المستفيدين من السكنات الاجتماعية في الجزائر، نوبات غضب وسط السكان المحليين الذين أصيبوا بخيبات أمل بعدما أطلقوا العنان لحلم امتلاك شقق، حيث تبيّن أنّ ما وعدت به السلطات مواطنيها، لم يستجب إلى تطلعات الملايين من المحرومين.

ووسط لغط كبير، وجد المعنيون الذين غزوا البلديات، أنفسهم أمام هول مفاجآت جعلتهم يختارون التصعيد كوسيلة لإسماع أصواتهم للمسؤولين، بهذا الصدد، إلتقينا أحمد (46 سنة) وجاره quot;سعيدquot; (52 عاما) اللذان يقطنان كوخين في حي للصفيح، وظلّا يمنيان النفس لسنوات بسكن يؤوي عائلتيهما الكبيرتين، إذ يشدّد الإثنان على أنّ الأمر يتعلق بفضيحة حقيقية تورط فيها الإنتهازيون ومجموعات المصالح، والنتيجة أنّ ميسورين ونجوم كرة يتقاضون المليارات جرى التكرّم عليهم بشقق على طبق، بحسب ما قاله.

وتعليقاً على سيل الإحتجاجات، تؤيد الأرملة زهرة (45 عاماً) ما قاله أحمد، وتشير بسبابتها إلى متنفذين على مستوى الإدارة المحلية باتوا يفعلون ما يحلو لهم دون حسيب أو رقيب والضحية هم مواطنوها المساكين على حد تعبيرها.

على طرف نقيض، يؤكد وزير السكن الجزائري quot;نور الدين موسىquot; أنّ السلطات العليا في بلاده، أوصت لجان الإسكان بالتدقيق في قوائم المستفيدين، حتى تمنح المساكن الاجتماعية لذوي الحاجة الماسة إليها، ولا تترك شاغرة كما لوحظ في السابق، حيث ألّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، شخصيا على توزيع جميع السكنات المستلمة في كنف الإنصاف والشفافية.

وزير الإسكان الجزائري quot;نور الدين موسىquot;

ويطمئن موسى مواطنيه بكون الجزائر تحولت إلى ورشة عملاقة بغرض تحسين إمكانيات الحصول على السكن خصوصا بالنسبة إلى فئة الشباب، ويستدل بتسجيل برنامج إضافي في غضون هذه السنة لإنجاز 50 ألف سكن ترقوي، بالإضافة إلى تسريع إطلاق 400 ألف وحدة سكنية ريفية.

وفيما امتنع مسؤولو الداخلية الجزائرية عن التصريح، بمبرر أنّ الأمر يخص مسؤولي البلديات والدوائر وقطاع السكن بشكل عام، قدّر quot;الطيب زيتونيquot; رئيس بلدية الجزائر الوسطى، أنّ عمليات توزيع السكنات الاجتماعية لا تتم بشكل اعتباطي بل وفقا لمقاييس دقيقة لا يد للمنتخبين فيها، حيث يتولى رؤساء الدوائر تسيير العملية.

بينما ترفض quot;سعيدة بونابquot; رئيسة بلدية القبة الانتقادات التي كالها غاضبون غداة الكشف عن قائمة السكنات، متسائلة كيف لحصة قليلة من السكنات الممنوحة لبلديتها أن تلبي طلبات الآلاف من سكان الجهة.
بالمقابل، يرى كل من quot;موسى تواتيquot; رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية وquot;كريم طابوquot; السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية (حزبان معارضان) أنّ ما يحدث هو نتاج طبيعي للأساليب الملتوية التي جرى توظيفها في توزيع السكنات، وتفشي ما سماها quot;المحاباةquot; وquot;المحسوبيةquot; وquot;المصلحيةquot; ما أنتج quot;لاعدالةquot; في جو يكتنفه غموض قوانين الحماية الاجتماعية.

ولا يستسيغ تواتي استمرار الجهات الرسمية في عدم انصاف مواطنيها، في وقت يُلاحظ الثراء الفاحش لدى بعض الموظفين الاداريين من القائمين على توزيع السكنات، وبرّأ الرجل الذي حلّ ثالثا في رئاسيات 2009، ساحة المنتخبين المحليين جازما أنّهم من دون سلطة ذات بال أمام الوصاية المفروضة من لدن رؤساء الدوائر.

ويلّح تواتي على أنّ مشكل السكنات الاجتماعية يهدد استقرار الجزائر، معتبرا المشكل عميقا وحله أصعب، لأنّ المسألة تتعدى مجرد سكن اجتماعي، حيث تتعلق بعدم وجود عدالة اجتماعية وافتقاد الهيئات التي تحكم الشعب إلى الشرعية، واعتماد من نعتهم quot;المسؤولين غير الشرعيينquot; على القوة الأمنية والقضائية، وينتهي تواتي إلى أنّه ما لم يتم التدارك، فإنّ الانفجار سيكون حتميا مطلع الخريف القادم متكهنا بحدوث الأخطر حينئذ.

بدوره، يبرز quot;عبد الحميد بوداودquot; نقاط ظلّ تقف وراء الوضع الحالي، أبرزها إحصاء 1.5 مليون سكن شاغر، والجزائر بحسب بوداود تتوفر على 1.9 مليون سكن لتسعة ملايين شخص، وفي العام 2010 صارت حظيرة السكنات بواقع 7 ملايين وحدة سكنية لـ36 مليون ساكن.

ويشير بوداود ممثل هيئة خبراء العمران في الجزائر، إلى أنّ أزمة قطاع السكن ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى 23 نيسان/أبريل 1977 تاريخ تسمية أول وزير للعمران في الجزائر، موضحا أنّ الـ25 وزيرا الذين تعاقبوا على إدارة القطاع، وضعوا جلّ همهم في إنجاز كم هائل من السكنات بشكل استعجالي، لكن بمبعدة عن أي استراتيجية.

ويرفض بوداود القائلين بوجود أزمة السكن في الجزائر، حيث تكمن المشكلة برأيه في سوء التسيير فحسب، ويركّز بوداود على التوزيع السيئ للبرامج السكنية وترك مشكلة البنايات غير الشرعية تتفاقم وما ترتب عن ذلك من تباينات تفسّر هذا الاقبال المذهل على السكنات الاجتماعية وعدم تمكن الأخيرة من تلبية طلبات الجميع، ما يقتضي إصلاحا شاملا.

ويستغرب بوداود:quot;كيف لبلد يتوفر على 34 ألف مؤسسة للبناء و48 وحدة عقارية ومثلها من مديريات العمران والبناء أن يصل إلى هكذا حالة، وعليه ينبغي فتح تحقيق حول المليون ونصف وحدة سكنية شاغرة والتفكير بصيغة لإعادة إدراجها في سوق العقارquot;.

وينبغي بحسب بوداود أن يتم إلزام متعاملي قطاع السكن باحترام القوانين، طالما أنّ 1400 متعامل فقط مُصرح بهم من مجموع 34 ألفا، في حين يتمتع سبعة آلاف مهندس بالاعتماد من مجموع 12 ألفا.

ويلقي بوداود باللائمة على الجماعات المحلية وما يسمى بجمعيات المجتمع المدني، إذ يوقن أنّه لو لعب كل طرف دوره لما وصلت الجزائر إلى هذا المستوى من الكارثية، خصوصا عندما يسجل وجود ما يربو عن ثلاثمائة منطقة عمرانية جديدة لا تتوفر على أي عقود تمليك، أو تراخيص بناء أو حتى شهادات مطابقة.