عبدالعظيم فنجان: قبل أيام من التقائي بالصديق الكبير صادق الصائغ، كنت أسأل الشاعر زعيم نصار، تحت سماء بغداد المكتظة بالدخان والانفجارات: quot; اذا كانت بذرة قصيدة النثر قد غـُرستْ في تربته الصحية على ايدي الستينيين، فمن المفروض أنها الان شجرة، ومن المفروض أنها اعطت ثمارها: يازعيم اين تلك الثمار؟ quot; ليس ثمة استنكار في السؤال، انه استفهام طبيعي، ومشاكس في آن واحد: أين تلك الثمار التي اعنيها، وليست هي تلك المعروضة في سوق الاستهلاك اليومي السهل، والمندرج تحت يافطة quot; تجريب quot; فاقد حرارة الروح والحياة، قبل فقدانه حرارة التجربة.

قد يبدو سؤالي ترفا، في مدينة quot;عجيبة / ضُربتْ بالقنابل / سُحقتْ تحت الاقدام / كما تسحق ساعة معطلةquot;.. لكنها بغداد، وقبل ذلك هي العراقي: صانع الحياة والحضارة، وبعد ذلك هي الثمار التي يريد ان ينوش سلتها سؤالي، وقد وجدت بعضها - الثمار - في هذه القصيدة، التي أجدني في محنة التقديم لها - حسب رغبة الصائغ - فلست مفوّها كبيرا في الادب: تركت الكلام عن الشعر مذ أن فهمته، وأكتفيت بكتابته وفق فهمي البسيط له، نائيا بنفسي كل الناي عن اقول ما لا افعل، ولكنها بغداد أيضا: quot; مدينة مصابة بأحلام الزمن القادم / جسمها ملتهب / وحرارتها عالية / في أعماقها غضب / وجوع / وصرير أسنان quot; وهي أعراض تعتريني، أنا العراقي المصاب حتى اعمق اعماقي بحمى البحث عن الأمان والابتكار معا، فقبل يوم واحد من استلامي - عصر الثلاثاء الماضي - لقصيدة الصائغ انفجرت سيارة مفخخة في ساحة الطيران، قريبا من جدارية فائق حسن، على حشد من العمال، وبالضبط حيث كان الشاعران صلاح حسن ونوري ابورغيف يبيعان البيض المسلوق والصمون ليلا، في مجاعة الحصار، على حشد من الادباء العائدين مشيا من ساحة الاندلس، وهم سكارى بخمر مغشوش احتسوه في نادي اتحاد الادباء شتاء عام 1990، وقبل يوم أيضا كنت عائدا من وزارة الهجرة والمهاجرين، قريب العصر، عندما فجـّر انتحاري نفسه في وسط موكب للعمال العائدين من العمل، وبقيت اثار دمائهم لحد الان تنعم بدفء الشمس على اسفلت جسر الجمهورية وأسيجته، فيما تدوس اطارات العجلات المارة بقايا من احشاء، لم تعد لها ثمة فائدة في ترقيع اجساد القتلى المنسوفين، بدون أي جريرة.. مررت من جانبها انا وحسين الصعلوك، في صباح اليوم التالي، فلم اقطع كلامي المسترسل عن مخطوطة روايته quot; فن تعذيب الحثالة quot; ولم يتوقف هو عن لومي، كوني أصر على ان مفهوم الاجيال الشعرية خاطيء.. ولابد من اجتراح مفهوم اخرلحل الالتباس والتداخل بين المنطقين التاريخي والفني الذين كونا منظومة الاجيال:
quot;هنا بغداد..quot; يقول الصائغ، ليفسّر ما لايُفسّر، ليعطي لعدم اكتراثنا معنى الاكتراث، او المعنى المخفي فيه، كاشفا وجه الحياة المخفية في الازقة والدرابين، تلك التي لن تراها الا العين المدرّبة على التقاط ما هو غائب: المتواري بين الاشياء المنسية، التي لم تنسها - يا للعجب - أقدام الموت وأصابعه الديناميتية، المغروسة في المزابل والخرائب والانقاض، ومع ذلك فكل هذا الحشد المرعب لم يتمكن من صد الرغبة بمواصلة العيش والتناسل والغناء، عند هذا الانسان - العراق، واهب الموت حقه والعيش حقه، وما بينهما ممر سحري، تجري فيه مياه نهرالشعر: مدينة عجيبة، ام حياة عجيبة؟: quot;وبالرغم من أن نسائها / يهمسن لرجالهن بصوت خافت في الليل،خوفا من أن يستيقظ الاطفال / فان الرجال لايسمعون / ويستمرون في التناسلquot;
سخرية حزينة، كما قلت للصائغ، تراوحت بين الحياة والموت، بين التلويح والشرح، أو بين التعبير والتجريد، كما يحلو للمتأدبين أن يقولوا، حشـّد لها الشاعر رموزا ستينية، عبثا حاولت السلطات الفاشية ان تمحوها من الذاكرة: quot;مقهى المعقدينquot; quot;نزل الزعماءquot; quot;شارع المتنبيquot; quot;الحاج حمودي الدوريquot;.. الخ، ليبعثها حية - الرموز - مع شواهد اليوم quot;سوق مريديquot; quot;ابراهيم الجعفريquot;.. الخ، لتصبح بغداد هي اللحظة العراقية المكثفة في تاريخ الزمن، وفي تاريخ العالم، وأقصد به
(مقتطف من مقدمة طويلة ستنشر في وقت لاحق)

هنا بغداد

بقلم صادق الصائغ

الى توني بلير

هذه المدينة عجيبة:
ضُربتْ بالقنابل،
سُحقتْ تحت الأقدام،
كما تُسحقُ ساعة معطلّة،
لكنها
كما لو وُلدتْ للتو:
سُمعتْ، تحت الأنقاض، تتكُ
متحسسة قلبها،
وأوصالها المفقودة..

مدينة عجيبة
في حالة من الحلم والهذيان:
يحفظ أشعارها التاريخ عن ظهر قلب.
بيوتها مهدمة
ومبانيها مهجورة،
لكن اعلامها الملونة
المستسلمة لملامسات ريح نيسان،
المثبتة فوق السطوح والصواري
المخاطة بالخرق البالية،
لكن المصممة بأحاسيس فنية بسيطة
لاتتجاوز حدود اللوعة والخسران،
تخفق تحت الشمس وتلتمع،
ملونة أوجه الفقراء والشوارع

بألوان السماء والملائك.
مدينة مصابة بأحلام الزمن القادم.
جسمها ملتهب
وحرارتها عالية.
في أعماقها غضب
وجوع
وصرير أسنان.

مدينة يفتش عنها التاريخ،
القناصة، العشاق، الشعراء،
الغزاة، البرابرة، ولصوص النفط.
في كل مرة يُظنُ أنها انتهتْ
تُطلق، من اعماق الروح،
صرخة طويلة،
تسري في الأثير مثل موج متكسر:
quot; أموتُ أو لا أموت
أعيش أو لا أعيش
أكون أو لا أكون
تلك هي المسألة quot;

يوم أمس
تلاميذ المدرسة الابتدائية،
الذين لتوهم نجوا من قصف كأنه الجحيم،
خرجوا من صفوفهم الى الزقاق المجاور:
هللوا لضربة جزاء،
شقـّتْ الفضاء مثل صحن طائر.
عبرتْ السطوح والالواح الخشبية.
عبرتْ الحبال المحمّلة بالغسيل،
لتُنزلَ كارثة جديدة
في نافذة الجيران.

وعند مقهى quot; أبو ابراهيم quot;
الشهير بمقهى quot; المُعَقدين quot;
الغاص بعشاق الكتب والشعراء والعاطلين،
اشتبكتْ قصبات بشرية في نقاش صاخب،
وهذه المرة
من أجل قصيدة نثر.
صاحبها المستعد لكل عراك،
أصر على أنها مُفصَلةٌ على مقاس quot; داداوي quot;
فعلـّق آخر
معبأ بميراث عدم الثقة بالفن الحديث
- بعد أن ألقى من يده حمولة الدوشش -:
لهذا هي مصابة بفايروس انفلونزا الطيور،
ناهيك عن انها
تحمل علامة quot;سوق مريديquot;
وبينما اختلف اخرون
حول مسرحية جديدة وُصِفتْ بأنها شعبوية،
وآخرون بأنها خلاصة الفهم السيء لـ
نظرية quot; البوب quot; والفن البصري
بعد الحرب العالمية الثانية،
هبّتْ من الصف المقابل
موجة نقاش حاد،
حول مكوّنات البعد الرابع،
وابراهيم الجعفري،
وفوكاياما،
ونهاية التاريخ..

وليس بعيدا عن
فندق الحاج حمودي الدوري،
الشهير بـquot; نزل العظماء quot;
سيارات مارقة عبرتْ الجسرَ،
بأم عيني رأيتُها تطير،
تنهب الطريق الاسفلتي كأنها نيزك،
وبداخلها عروس
ستفقد بكارتها هذه الليلة،
على صخب موسيقى الفنان الشهير
الكابتن حجي رزوقي،
وهتافات الجمهور الكريم.

وفي دكان الحاج حمودي الدوري،
بالقرب من شارع المتنبي،
غنى راديو قديم بأسنان منخورة،
اغنية عاطفية لزهور حسين،
أطل بعدها مذيع مستجد،
ليعتذر عن خلل في البث،
بسبب انقطاع التيار الكهربائي طبعا،
وعن تغيير بسيط
في موعد نشرة الاخبار،
حسب توقيت غرينتش.

وفي الساعة الثالثة،
وبالضبط بعد توقف الغارة الاخيرة،
غنى بالعربية
ببغاء هندي ذو عرف ممشط،
أمام جمع اطفال تجمهروا حوله،
اغنية quot; محمد بويه محمد quot; لقحطان المدفعي،
تسلق بعدها بغنج وغرور
غصنه الأخضر الاصطناعي،
متباهيا بذيله المقوس الطويل.

مدينة، كما اسلفتُ، عجيبة.
يبحث عنها القناصون والانبياء والقتلة.
الملائك والشعراء والقديسون.
الشرق والغرب.
الشمال والجنوب.
مدينة من اجمل مدن العالم،
تهتز اعماقها يوميا للقصف
دون أن تفقد التوازن.
وبالرغم من أن نسائها
يهمسن لرجالهن بصوت خافت في الليل،
خوفا من أن يستيقظ الاطفال،
فان الرجال لايسمعون،
ويستمرون في التناسل.

مدينة عجيبة.
أهلتُها دائما ثملة،
ونجومها دائما سكرانة.
ومع أنها ضُربتْ بالقنابل،
وسُحقتْ تحت الأقدام،
كما تـُسحقُ ساعة معطلة،
فقد ظلت تتكُ،
وكأنها ولدتْ للتو،
مرسلة من الانقاض،
وعلى اجنحة ضوء منكسر،
شفرة للأجيال القادمة،
وما يفتأ قلبها يخفق ويخفق
متضامنا
مع اشارة بلبل الاذاعة المغرّد،
بكل ما يملك من عزم وقوة،
بكل ما تبقى له من كلمات:
هنا بغداد
هنا بغداد
هنا بغداد.