قبل أن يدقوا الباب...
كان الزمن طليقاً..
أهزوجة مرحة.. مدارات رشيقة.. صباحات نضرة فوق الشهب الخضراء.
في غفوته الراعشة .. في الأعماق وعلى الأمتداد البعيد..
النورالبهيء.. النورالساطع.. يكسر الفراغات المتسللة من وراء الأفق..
وأنا في محراب الزمن.. أدون قواميس الشرفات.. أرشف البقايا.. البقايا من ظلال الذكريات المتعاقبة من رسل الأيام القادمة..
وكان الزمن امرأة عذبة..
أنهار نقية مثل الجدائل الشقراء الملتفة على بعضها.. كقطعة موسيقية أوكنغمات عازف في أجمل لحظات تجلياته.. دافقاً كالتحام البرق بالبرق , البرق بالرعد , بالبراكين.
عندما دقوا الباب بقوة..
قرفصت منزوياً في ركن بعيد.. كأعمدة الهياكل القديمة..
وقرفص الزمن على ركبتي.. مستنداًعلى قناديل الليل..
مضى يستجدي بوح الأقدار..
هناك.. توقف عند كوة الباب.. مضطرباً يبكي بحرقة..
أيقن أن الضياع قادم..
عندما دقوا الباب بقوة..
كانت العصافير في خدرها الليلي البارد..
مختبئة وراء العتمة..
شيء من مرارة السكون لفّ أجفانها.. رماها تحت ظلال الغفوة الطويلة..
عندما دقوا الباب بقسوة..
كانت الكائنات في شرنقة الصمت والخلود.. في مملكة الحرية..
يلوّنَ أنفاس الأفق..
اما أنا فقد لبست عباءة الليل وسرحت في مراعيه.. قطعت أعشابه اليابسة وتهت في زوغانه.. في هذيانه.
عندما كسروا الباب..
كنت أقطع أخر عنقود مدمى من جسدي.. أرميها فوق هياكل الشمس.. أمسك الكوابيس الملتفة حول عنقي وأفرشها على وسادتي القاسية.
أتنفس بعمق.. أقرب إلى الحشرجة..
كانت ثيابي ملهلهلة.. ممزقة وقذرة. رياح صفراء جافة هبت علي من مختلف الجهات.. صوت غليظ حاط حول رقبتي ألتف عليها.. راح يشد بقوة..
شل صوتي تماماً..
كان وجهه بلون الفزع..
وكان وجهي بلون الوجع.. ممزقاً.
غدا لوني منسحقاً.. أمتزج بلون الرعد والبرق..
ظهورهم كان مباغتاً..
دخلوا صحن الداردون أستئذان.. أنتشروا كالخنازيرالداشرة في كل ركن من البيت.. قلبوا كل ما يقع تحت أيديهم الخشنة.. عيونهم الذئبية القاسية تقدح الشرر.. تمزق الاوصال.. تسرق لحظات الأمل والفرح.
وعلى الفور رفرف قلبي كعصفور خائف.. راح يبكي داخل صدري.. غيوم موحلة ملفوفة باللون الأسود القاتم.. تحوم حولي.. تبحث عني.. عن مراكب تشيعني.. تحملني من عقب جلدي وتسافربي كقنديل يوشك على إطفاء ومضته الأخيرة..
من النافذة النعسانة المكسرة.. شيعت نظراتي المتعبة نحوأبنتي الصغيرة رانيا.. زوجتي.. أخوتي الصغار.. أمي وأبي.. المكومون على بعضهم كسفينة تائهة.. عيونهم الحزينة مصوبة نحوي بأنكسارويأس.. ينظرن إلي بقلق.. الدموع المدرارة تنهمرمن عيونهم كالمطر.. واجمون حول الريح.. يبكون من الحسرة والألم.. ينتظرن أستقبال المساءات السامقة.. الحزينة.. تتوقد في عيونهم المسافات الزمنية الطويلة القادمة.. وتكبر اللحظات القاسية المملوءة بالشجن وثقل الوطأة.. اصغ لوقع الافتقاد القادم.. وبصري يدورحول صدر المكان.. كالنورس الجافل يبحث عن موطأ قدم.
ظهورهم المباغث.. هذه البلبلة اللولبية تبتعد بأغوراها إلى أقاصي الزمن.. إلى أقاصي القلق.. وكنت في دائرة أبصارهم أحوم بينهم كطائر جريح
كانت ليلتي العاقرة.. مثقلة بالأنشطارات.. والانقسامات المتناثرة.
كروم الوجع معرشة في داخلي طوال الليل وبقية النهار.
أخذوني من فراشي وأنا بين حدين كبيرين..
كل شيء يرتعش داخلي.. يرجف من الخوف والقلق.. كنت محلقاً فوق تيارات اللأوعي التي تتقاذفني وتسرح بي من مكان لمكان وأنا أنظر إلى نفسي لا أعرف ماذا أفعل.. عاجزاً عن تحريك ذاتي.. بينما قلبي يقرع لا أرادياً في صدري بقوة.
كان جسد الليل مفروشاً فوق جسدي.. فوق وسائد الزمن الطويلة.. غارساً همساته المفزعة في ثنايا الجدران.. في ثنايا روحي.
كان الكابوس طويلاً.. مركباً.. لم أفق منه.. كابوس داخل كابوس.. معرش كدالية مفرعة القسمات.
كانوا بلا ملامح.. عندما جاؤوا.. مجرد هيولى سوداء لدنة.
قالوا ألبس ثيابك بسرعة..
لبست بسرعة.. دون أن أسأل أو أستفهم.. كنت تحت أنصال بواريدهم الشتوية الباردة..
وعلى الفور..
حملوني من أبطي ككمشة لحم مهروس.. ساروا بجسدي ومضوا.. كنت تحت قبضتهم الثقيلة خفيفاً كظل.. بل تحولت إلى ظل لا ظل له.. إلى شكل لا شكل له.. مضى ظلي معهم.. يحملني على ساقيه المعوجين ويمشي..
من اللحظات الأولى لاقتلاعي من مكاني.. من جذوري.. تسلق الشوق.. تسلل برفق إلى قلبي كشجرة وأرفة الظلال.. كثيرة الاغصان.. تحولت إلى كتلة ملتهبة داخل روحي.. صارت أبنتي رانيا ملمس الحزن الكبير.. يعذبني ويقزمني قامتي..
ساروا بي..
عبرت بحارمن الغربة والزنازين الضيقة والمظلمة.. لم يكن بين الزنزانة والأخرى فسحة أو فراغ.. كانوا متلاصقين ببعضهم البعض.. وكان كل حارس مصلوباً على باب صغيرأو مدخل.. مكورالجسد.. والروح.. مجوف من الداخل.. له شكل أو ملمح كابوسي كريه.. حاملاًً بيده.. يديه وعينيه.. أنفه وفمه وأسنانه.
تركوني وحيداً في الظلمة الحالكة.. في بهو معتم وكريه.. يتوزع على تجويفات متناثرة.. ومضوا..
لم أكن أعرف إلى أين أذهب.. ألتفت يمنة ويسرى..
صارالفراغ والظلمة أصدقائي.. والوحدة رفيق دربي.. يقتربون مني.. يلتمسوا القرب مني..
بعد أن اتسعت حدقة عيني..
شاهدت..
كانت الزنازين مملوءة بالعظام البشرية المكومة على بعضها.. أيدي وأرجل.. كثيرة.. أقفاص صدرية كبيرو وصغيرة.. جماجم مثل جمجمتي على نفس المقاس والأبعاد.. الطول والعرض والغروية.. ضربات قلبي تزداد داخل قلبي..
رحت من الفزع أبحث عنهم.. كالتائه.. كالمجنون.. ألتفت في كل الاتجاهات إلى أن التقت عيني بعيونهم.. تجاهلوني ولم يعروا وجودي أي أهتمام.. ركضت وراءهم.. قلت لهم أنا الذي تبحثون عنه.. تجاهلوني مرة أخرى.. قالوا لا نعرفك.. من أنت؟.. ومن تكون!. دخلت حجرة مظلمة تماماً يتدلى في وسطها قنديل أحمرغامض.. في وسطها كان يوجد مصطبة.. وراءها رجال متشحين بالسواد.. على وجوههم أقنعة كبيرة.. أكبرمن رؤوسهم وأجسادهم.
ازدادت ضربات قلبي أكثر من قبل.
سبعة درجات كبيرة اوصلتني إليهم.. إلى الغرفة المعتمة.. المفرغة من الهواء والضوء..
للوهلة الأولى شممت رائحة زنخة.. رائحة أجساد نتنة.. لم تغتسل أبداً منذ عشرات الآلآف من السنين.. حتى الحيطان والجدران تفرز روائح كريهة.. تسللت إلى أنفي وخلايا جسدي من فوق وتحت.. أمامي وخلفي.. من حولي.. منذ الوهلة الأولى لدخولي عندهم..
قلت دون إرادة مني:
من أنتم.. وماذا تفعلون هنا؟.. ما هذا المكان!
قالوا:
ـ ألا تشم رائحتنا النتنة.. إنها رائحة قديمة.. موغلة في القدم.. ألم تشمها من قبل.. قلت:
ـ حاسة الشم لدي ضعيفة.. رددوا مع بعضهم كالكورس الموحد:
ـ ستشم بقوة من الأن فصاعداً.. قلت:
ـ لكن أين أنا.. قالوا:
ـ أنت.. نحن.. في الغرفة العائمة.. الغرفة العابرة للزمن والمسافات.. موجودة في أرقى الأماكن.. وتحت لحاف كل الدول والأمم..
أنها غرفة الشهوة المحرمة.. ألم تسمع بها من قبل؟. قلت:
ـ لا.. لا لم أسمع بها من قبل..
ضحكوا بصوت مجلجل وأردفوا بصوت واحد:
ـ إنها غرفة الأستباحة المعرشة على مدار السنين.. غرفة العمليات السرية.. وأضافوا:
التي يدخلها لا يخرج منها سالمأ.. لا يخرج منها كما دخل.. وتابعوا:
يبقى داخلها.. لا يبرحها ما دام في قلبه نقطة دم..
رائحتها تلتصق بجسد القادم إليها طوال السنين.. تلتصق به.. بالأيام المتبقية له على هذه الحياة.
بعد أن قيدوني من رأسي إلى أخمص قدمي..
وفعلوا بي ما فعلوا..
رفعوا أيديهم نحوي.. قربوها من جمجمتي.. لمسوا الصدغ والرأس.. وخلال ثوان قليلة تسللوا إلى داخلي.. لا أعرف كيف غزو قحف الجمجمة.. وكيف عبروا الطرق الوعرة فيها.. لكنهم استقروا داخلي.. أفترشوا ذاكرتي وأخذوا يذرعون داخل داخلي.. داخل دماغي.. بحرية وسعادة فائقة. بعد قليل من الصمت أدخلوا آلاتهم في قحف رأسي.. على الجزء الأسفل من جمجمتي.. ثبتوا كل قطعة في مكانها ومضوا يقيسون رخاوة ذاكرتي وطراوة خلايا جسدي.. كانوا يعدون ويحسبون هندسة أبعادي القادمة بدقة متناهية.. يضعون الاحداثيات لتضاريس دماغي. كنت واقفاً بينهم، صامتاً. أنظرإلى معاولهم وأيديهم كيف تعمل بهمة ونشاط.. داخل تجاويفي..
كنت أرى وأشاهد وأسمع..
كيف.. شكلوا لي ملامح جديدة.. ذاكرة مختلفة.. شهوانية الأبعاد..
عندما خرجت من الغرفة الشهوانية الحمراء.. مدمى.. إلى الممرات المظلمة..
نسيت من أنا.. كنت أمشي داخل نفسي.. داخل جسدي الممزق.. أسيرفي ممراتي الطويلة المتنافرة.. أغوص داخل جمجمتي المتكلسة المصابة بالغثيان.. تحت صمت الرياح وقشعريرة الكون.
أمشي داخل كوابيس الليل..داخل نفسي.. تستوقفني عرافات القيء والفراغ.. تتراءى لي أصوات مفزعة وأشارات غامضة
راحت نظراتي السرابية المتعبة تحدق في الفراغات الرخوة متلمسة الأنزواء والصمت، تتمايل خفية في إخفاء النية والقصد. أتابع كل حركة أو أشارة مهما كانت صغيرة.. من سعل.. من بصق أوصرخ. كان جوفي مكتنزاً بأختزانات غريبة.. أراقب كل شيء.. الأسرة.. شخير النائمين.. صوت الماء والهواء. لم يعد لي هدف إلا الأصغاء لصوت الفراغ والحركات العابرة.
وبلا شعور مني.. رحت أركض وراء ظلي القادم.. الجديد. أصبحت الأخر.. لم أعد أنا الذي كنت.. بل أنا الأخر المختلف.. تعتريني أصوات غريبة.. تغزوني في الليل والنهار.. توقظ مضجعي.. أبقى ما بين النائم والغافي.. لست نائماً كما إنني لست غافياً.. أخاف من رفاقي.. من أصواتهم.. حركاتهم.. أشاراتهم.. لم استطع الجلوس في مكاني لثوان.. أنتقل من فراغ إلى فراغ ومن موضع لموضع.. أقترب من فراشي.. لحظات.. ما أن اتمدد عليه حتى أسارع الهروب من وثني الجاثم حول حلقي.. أذهب إلى الممر الطويل تتلقفني الاصوات العابرة القادمة من الهواء أو الحيطان.. كل الذين معي يريدون النيل مني.. يريدون اركاعي واخضاعي.. أزددت العدوانية داخلي.. أضحيت شرساً قاسياً.. أريد أن أضرب كل من يقترب مني أو يقوم بحركة ملفتة.. في يدي سكين أو مقص أو أية ألة حادة.. أحملها لأقتل أي واحد يقترب مني.. صار الخوف جزء من حساباتي اليومية..
أحس بالذنب يأكل لحمي عندما أتذكر أبنتي الصغيرة رانيا.. الطفلة الوحيدة لي.. كيف كانت تركض ورائي تقول بابا.. بابا.. لم أعرها أهتماماً.. كنت أسرح مع قطعان الليل.
شعري كث وطويل.. لم يغتسل منذ أمد طويل.. ذقني أطول. رائحة جسدي عفنة.. كرائحة المستنقعات.. تفوح منها رائحة الابخرة اللزجة القادمة من تقادم السنين.. فمي دهليزنافر.. أسناني صفراء ضاربة للسواد.. منخورة.. ولثتي ملتهبة مملؤءة بالجيوب المقيحة..
لقد غيرتني الغرفة الشهوانية المفرغة من الهواء..
بقيت طوال الوقت خائفاً فزعاً من نفسي على نفسي.. من المحيطين بي. كل صوت أو همسة أو حركة تقلقني.. تعذبني.. تبعدني عن بوابة السكون.
تستهويني رائحة الفطائس الكريهة.. المسالخ والمزابل.. أقرف من كل لون لا ينذر بللون الشهوة والوجع..
أخاف من كل لون لا ينذر بللون الشهوة والوجع.. جرى تحول خطيرداخل داخلي.. لم أعد أعرف أبعادي.. مكاني.. هندسة بقائي. تبدل كل شيء لدي من اللون الزاهي الجميل إلى الأحمرالمسود الفاحم.. وبلا شعور مني رحت أقيس كل الأشكال والألوان على هذا المقاس.. هذا أحمرفاتح وذاك أحمر غامق والأخر أسود مائل للأحمرار.. وعلى هذا المنوال تحولت وجوه البشرمن الأبيض والأصفر والأسمرإلى لون أحمرداكن. حتى البيوت والشوارع.. السيارات والأشجار.. صار لها لون ممتع يضج بنشيج الدم.
كان اللون الأحمر.. لون الشهوة هو المفضل لدي..
اقضي الليالي الطويلة في مسبح عائم.. مجاريه.. روافده وأبطاله من الدم.. وداخلي.. داخل الرغبة المنفلتة من عقالها.. تسعى لشرب الدم بشهية.. تسعى للقتل.. وشرب ألوان الأحمر الممتع..
بعد أن ثملوا مني.. بعد أن أخذوا شهواتهم مني.. بعد أن شربوا ذاكرتي.. أعادوني إليهم مرة أخرى.. إلى الغرفة الشهوانية المفرخة من الهواء.. قالوا:
ـ ستعود إلى الظل.. إلى أهلك.. ومضوا يقولون:
لقد صرت مثلنا.. نفس الرائحة الكريهة النتنة.. نفس الملامح.. لم يبق منك شيء يستحق البقاء عندنا..
لم تعد تلزمنا..