تجرد جسدهاhellip;فغدت جسدا عاريا، ناضجا، بضا، جوهري في جمال التكوين بأبسط أضواء، وظلال، فتبين الصدر، والردفان، والساقان، والقدمان في مغزى روحاني، وقر، فمن خلال خطوط جسدها ذات الدلالة، ونظراتها المتوجه إلى أسفل أيضا ذات الدلالة، فالعينان تشدهان إذ يستعصي الرائي أن يسبر أغوار النور المنطلق منهما، فيهما اختلاجات من النشوة حتى يبدو الشبق في عينيها، كأنها تتوق إلى قبلات الحب، تستدفئ شفتاها به. رفعت ذراعها اليمنى فبان تحت إبطها غير مكتس بأي رداء أسود كما لو أن ذراعها من نور متوهج، يهبط على تضاريس صدرها مائلا على بطنها المنتفخة قليلا، فهزت رأسها، فبلغ شعرها ظهرها،كي يكتسيه شعرا أسودا محاطا بهالته، وكل وجهها ينطق بالقلق وهي شديدة التعلق بجسمها عاجزة أن تجد آخر مثله، وثمة حركة تختلج في الجسد، حركة خالدة، متألقة كنجمة، رؤيا جليلة تموج بالحركة، إذ هي واقفة أمام شجرة المعرفة، وتنقل بصرها صوب ثمارها التي كانت الحياة رهن قدرها، باسطة يديها على نهديها، المنتصبين، يكادان أن ينحنيا بهالتهما إلى أسفل، لثقلهما في رهبة، وخشوع، وقد تجلى على محياها عدم الاهتمام، من يراها؟! لا أحد يراها سوى الملأ الأعلى، الذي تسمع صوته، ولا تراه، انحنت في خشوع، لا ينتقص من كبريائها شئ كأنها تحاكي الجمال الدنيوي الذي ستذهب إليه، في اختلاجاته، وعواطفه، وانفعاله في لحظة الرهبة خشية أن لا تتقبل، وهي تنظر إلى شجرة المعرفة في الوقت الذي تظهر عليها أحيانا المخاوف قد تبدد فرحتها، إلا أنها لمست فرحتها، تكمن في اندثار السيطرة عليها. انحنت وارتكزت على الركبتين نابضة الحيوية، متميزة الجسم، متقن، وحولها كل شئ ينمو، ويزدهر، فكانت جلستها بصلابة أمام شجرة المعرفة المكتسية بالاخضرار، تمثل الروعة والإبهار، وتناغم الألوان تدفئ القلب بمجرد الإحساس أنها تمد يدها التي تبدو تنطلق من ذراعها، نهضت، وتقدمت إلى الشجرة، وقطفت ثمرة منها، وأكلتها. التفتت فتجلت أساريرها، فبدلا أن يتجه بصرها اتجاه الشجرة، كاشفة عن انشغالها بذكرياتها، وحاضرها. كانت تنظر إلى الغدير، تدير رأسها فوق كتفها متطلعة ببصرها إلى أعلى، وتثني ذراعها اليمنى، ليستقر كفها فوق بطنها، وابتكرت إيماءة، لم تلبث أن غدت التعبير المعترف به عن الشوق إلى العالم الآخر، ليأخذها العجب من ذلك التماسك والجلال، اللذين أضفتهما على الجسد، فانتصبت مباشرة أمام الشجرة التي تحتل بؤرة التكوين، ولا تقوم الشجرة بتجميع كافة الخطوط فحسب بل هي بحركتها مذهبة، متوهجة. جسد عاري تغمره السكينة، جمال آسر على وجهها الذي غالبا ما يشكل قسمات من ملامح شخصية مميزة دنيوية في عصرها، يصور تعبير أحيانا يشوبه بعض التكلف متشح بالرصانة، حينئذ ندت عنها شهقة حياء، وقد أدركت عريها، وأدركت مواجهة الضوء فأخفت وجهها بيديها كأنها تأخذها عاقبة غريبة، غير منتظرة، فتنكمش في رهبة ذليلة، مسحوقة القلب ندما وخزيا، أن رب العرش يراها، وهي لا تراه، يسمع شهقتها، وربما ndash; تسمع صوته، الذي يقود خطاها نحو الأرض بوجهها الطلق، النضر، فشعرها الذي يضطرب من هبات نسمات من الغدير اضطرابا متسقا غير مختل تحس فيها حينما ما تلبث أن تسترخي بعده، وتفتر، وهكذا يبقى الجمال العاري، إلى الظهور ويكاد ينطقه فتنة وجمال وكشف تفاصيله، وتتركه على سجيته، تبدو فزعة وراء الشجرة، وتراودها أصوات الشرر الوحشي مروعا، شئ ما يقرع الصنوج، والطبول، بالإيقاع المتناسق، تجعلها خائفة تفكر بتسعة عشر ملاك يحرس الجحيم. فبدت فزعة وراء الشجرة، تحجبها زهور رقيقة عاشقة النسيم ليغشيها، وما كان النسيم يلامسها حتى تساقطت ثمار من الشجرة، التي تمايلت بأكملها، بتوازن، وقد أحست بالاسترخاء، فقد بدت مستعدة لمعاقبة رب العرش، ثم تلا الإيقاعات سكون مطلق وكأن الهدوء التام يضفي عليها سحرا، فصارت سارحة الأفكار لا تبالي شيئا. إذ الأزمان تنتهي إليها ولا مكان يحده، كانت جبهتها مرتفعة مكورة العنق، محاجر العينين مقعرة، والجفون منتفخة، والوجنات ملساء بلا تجاعيد، وتقوس الحواجب، ويوحي جسدها الأملس بصلابة البشرة، أنثى عارية مهيبة برشاقة جسدها الصقيل، تقبض بباقة زهور بكفها، قبلتها بثغرها، ورمتها في الغدير، فانتابتها رجفة ممتعة، منبثقة من إحساسها كما لو أنها لا تنتمي لهذا الفردوس، ودعت نفسها في غمرة الاستغراق في حلم لا ينتهي، ويتجلى وضعها الهادئ المتأمل، انسياب شعرها دقيق مثل دقة أغصان، ورهافة شجرة المعرفة، وهناك صفوف أشجار متلاقية عند نقطة الأفق، فصف الأشجار الذي يحف بالممر والأفق المضيء، كان ذلك يجعل جزءا من النشوة التي تعم في مخدعها،عارية تنبض بالحياة، بجمال جسدها ببسط مساحاته المعبرة باكتنازه، وأضاءت بشرته الملساء متوازية الإيقاع، وهي في شبابها وجمالها فحسب في ذروة المتعة المؤججة، التي تشيع السكينة في جسدها المختار، فخفضت رأسها، وأسدلت جفنيها، كما لو كانت في حلم بينما أسلمت نفسها على سجيتها منتشية في غبطة واسترخاء، فشاع فيها خدر الرضا عن النفس، فحركة الدم تظهر في عروقها الزرقاء التي تتبدى هي الأخرى، فهذه هي النعومة المتناهية. لم يمض الوقت فتستغرق في استرخاء تحت الشجرة في ظلالها، فتستلقي على ظهرها مستغرقة في انسياب، وقد استدارت بحيث اتجه رأسها وقدماها في اتجاهين متضادين أمام الغدير الذي تتزاحم فيه أشجار النخيل والزيتون، فجأة نهضت إلى ينبوع الغدير بمياهه الصافية، فاستحمت على عادتها، انصب الرذاذ المتطاير على وجهها، ثم انزوت جانبا مشيحة بوجهها، ثم تناولت قليلا من الماء بكفيها، الذي استحمت به، ونثرته على الشجرة، وحل في قلبها الرعب، ولم تنطق بكلمة، حينما اقتحم أحد خلوتها، تسمعه ولا تراه، وهو يسمعها ويراها، فراحت تتوجع، وكان التوجع لغتها الوحيدة، وجسدها العاري يتألق في عيني المقتحم، وثمة ضوء على جسدها البديع الرائع، الذي كان ينساب أيضا، ينساب، ويتوهج، يفضي الحيوية على فرجات أغصان الشجر، وتعكسها على الغدير متألقا، وومضات من الضياء على مياهه، وكادت تجمد في مكانها، وقد احتدمت في نفسها أنها مطرودة من الفردوس، فدلفت إلى أجمة، وتمددت على العشب، فأبصرها المقتحم في هذا الوضع، وعزم على وطئها،، وضمها إليه محاولا أن يغشاها، فافتضح أمره، وهي تحاول أن تقاوم، ولكن من الذي يستطيع أن يغلبه على أمره، فإذا هو يظفر بها، حتى نال منها، أما العارية فقد أحمر خدها خجلا، وعادت إلى الغدير لتستحم، وتساقطت من عينيها قطرات ذهبية حمراء.
- آخر تحديث :








التعليقات