مستقبل العراق بين الوجود والعدم / 19

في خضم الجهود الكبيرة التي يبذلها رئيس الوزراء العراقي الجديد السيد إبراهيم الجعفري لتشكيل الحكومة الجديدة... في هذا الخضم الصعب كثر الكلام حول وزارة الداخلية العراقية، سواء على صعد مستحقها، أو على صعيد تركيبتها، وربما في المستقبل على صعيد مهماتها وصلاحياتها.
ليس من شك هناك تنافس نيابي حزبي حول الوزارة، لأنها وزارة مهمة، حساسة، فاعلة، بل لا نغالي إذا قلنا،أنّ هذه الوزارة لكونها مسؤولة عن الأمن تشكل محور كل الوزارات، فإن كل وزارة لا تستطيع القيام بمهماتها الصغيرة والكبيرة بدون أمن عام، وذلك من اختصاص وزارة الداخلية بالدرجة الأولى.
إن هذه الوزارة حساسة للغاية، مشكلة للغاية... شرف الناس... المال العام... حياة الأطفال والشيوخ والنساء... أسرارنا... أمننا... حياتنا... كل ذلك منوط بمهمات وزارة الداخلية...
أليس كذلك؟
فهل يصلح لمثل هذه المهمات (مزوِّر) شهادة ثانوية (لزوجة) أو صديق أو نظير حزبي أو راشٍ؟
وهل يصح لمثل هذه المهمات (بلطجي) معروف بسوابق مخزية في وقت كان أعزل؟
وهل يصح لمثل هذه المهمات من يملك الملايين من الدولارات ولم نعرف كيفية الحصول على هذا (الرزق) الوفير، حيث كان مثلي ومثل غيري لا يملك شروان نقير قبل سنوات؟
وهل يصح لمثل هذه المهمات قاتل في زمن صدام حسين... معذب... جلاد... مشارك... قامع... متلصص على الناس؟
وهل يصلح لها شخص على علاقة (غامضة) بدولة جارة بحجة عقائدية أو حجة قومية أو حجة وطنية؟
وهل يصلح لها شخص على علاقات بمخابرات دولة جارة حيث صفقات عقار وبيع وشراء بينه وبين عناصر وإطلاعات تلك الدولة الجارة التي ترسل لنا الإرهابيين أو الحشيش؟
وهل يصلح لها شخص لا علم له ولا خبرة ولا تجربة ولا نظرية في موضوعات ومستحقات هذه الوزارة الحساسة؟
وهل يصح لها حزبي؟
وهل تصلح لها شخصية أُستوزرت قبل أيام ولكنها فشلت فشلا ذريعا؟
لا...
هذه الوزارة تحتاج إلى شخصية ناضجة، تحتاج إلى شخصية غير حزبية (من تحزَّب فقد تعصَّب)، وتحتاج إلى شخصية اختصاصية، وتحتاج إلى شخصية مشهود لها بالنزاهة، وتحتاج إلى شخصية هادئة متزنة، وتحتاج إلى شخصية معروفة بالخلق الرفيع، وليس صاحبة تجارب قاسية حتى مع أقرب أصدقائها بالأمس القريب.
شرف الناس...
أمانات الأمة...
المال العالم...
أمن البلد...
كل هذا المطالب وغيرها تقتضي التقصي الكبير في مثل موضوع وزارة الداخلية، ولذا ينبغي على السيد رئيس الوزراء الجديد أن يكون حذرا في هذا المجال، ونحن نعرف عنه دقته الكبيرة في مثل هذه القضايا.
الأخبار تفيد أن هناك صعوبة في الاختيار، وهناك أخبار تفيد أن هناك صراعا حتى داخل دائرة الكتلة الكبيرة في تشخيص الوزير المرتقب، أي أن هناك صراعاً داخل مكونات الكتلة حول المرشح للوزارة، وعليه هناك مشكلة.
كيف الحل؟
هل نختار جزافا؟
هل نختار تحت ضغط دول الجوار؟
هل نختار وفق المحاصصة الحزبية أو الطائفية؟
هل نختار تحت طائلة التهديد؟
هل نختار تبعا لمزاج هذا الشخص أو ذاك لأنه يملك قوة معنوية أو دينية أو مالية؟
لا أعتقد أن رئيس الوزراء الجديد يخضع لكل هذه الاعتبارات، فقد صرح الرجل أنه سوف يختار الرجل المناسب للمكان المناسب، وأن من أولويات المرشح الكفاءة والنزاهة والماضي النظيف.
إذن ما هو الحل؟
مما يعقد الحل أيضا مرور مدة طويلة على تشكيل الحكومة، والناس تنتظر، وقد بدأت فعلا تساؤلات الناس بل تذمرهم إزاء هذا التأخير الذي لم يكن سببه رئيس الوزراء كما يحلو للبعض قوله، بل هناك عوامل كثيرة ومعقدة. ومما يعقد الحل أيضا وجود وزارة داخلية تعبت عليها الحكومة المنتهية مدتها، حيث هناك أدلة قوية على وجود مندسين في هذه الوزارة، وهي القضية التي أُشير إليها بقوة ووضوح في البرلمان، ولم ينكر ذلك وزير الداخلية السيد النقيب بالمرة. بل صدرت بعض الإشارات في ذلك من قبل الحكومة المنتهية مدتها...
إذن ما هو الحل؟
يبدو لي من الصعوبة بمكان الآن، وفي ظل هذه الظروف إختيار شخص بعينه، من الصعوبة جدا، ولا أعتقد أن هناك شخصاً واحداً قادراً على إنجاز مهمات الوزارة في مثل هذه الأجواء المتناقضة المتضاربة المتشنجة.
يبدو لي أن الحل الأقرب للصواب هو أن تدار الوزارة من لجنة برلمانية، فيها من كل الكتل النيابية الكبيرة، الائتلاف والكردستانية والعراقية، من مختلف الأحزاب، والقوميات والمذاهب، على شرط النزاهة في الماضي، والعلمية، والتجربة...
هذه اللجنة تكون رقيبة على بعضها، رقيبة على عملها، رقيبة على آدائها، رقيبة على موظفيها، رقيبة على تحركاتها...
لجنة برلمانية أو لجنة من خارج البرلمان، تشرف عليها الجمعية الوطنية، ترشيحا وعملا ومحاسبة، حيث يُستعرَضْ عَملُها في الجمعية الوطنية بين فترة وأخرى، وتعلن الحقائق على الشعب، وبذلك نخطو خطوة كبيرة إلى الأمام.
لجنة منتخبة، مختارة، مرشحة، وتكون مسئولة دائما أمام ممثلي الشعب، حيث لا احتيال، ولا نصب، ولا عقد صفقات شخصية مع هذه الدولة أو تلك، ولا ظلم لهذا الطائفة أو تلك، ولا تيسير خدمات هذا الحزب أو ذاك.
وفي الحقيقة أن تسيير الوزارة بواسطة لجنة من هذا النوع سوف يخدم العراق كله، بل ذلك من معالم سيادة الشعب العراقي على أدق وأهم مرفق من مرافق الحياة السياسية بل الحياة برمتها.
أن تسيير وزارة الداخلية بواسطة لجنة سوف يقلص إلى حد كبير فرص استغلال هذه الوزارة الحساسة لأهداف طائفية أو حزبية ضيقة، بل سوف يساهم في خلق فرص تعاون كل أبناء العراق في خدمة العراق...
أن تسيير وزارة الداخلية بواسطة لجنة سيكون أضمن وسيلة لتجنب بيع مراكز الشرطة، وبيع أسرار البلد، وتهريب المخدرات، وتهريب الإرهابيين، وتعميم العدالة، وتسهيل مهمات العمل الأمني في كل أرجاء البلد.
ولكن البعض يقول بأن مثل هذه العملية غير ممكنة، الوزير مهم، لابد من وزير، وفي الحقيقة إذا كان الأمر كذلك، فسيكون هناك حديث آخر.
ولكن أليس في وزارة الداخلية الحالية صداميون؟
أليس هناك مندسون؟
أليس هناك الحسيب والقريب والحبيب؟
نعم !
فما العمل إذن مع هذه المفارقات الكبيرة؟
أن من المخاطر التي تهدد مهمات وزارة الداخلية أن تكون مقفلة لحزب أو عشيرة أو طائفة أو جماعة، وبالتالي، يجب عمل أقصى ما يمكن عمله من أجل تجنب مثل هذه المفارقات.
كيف؟
الجواب إن شاء الله في الحلقة القادمة في صفحة إيلاف.