تفاجأت الأوساط السياسية المعارضة في سوريا، في الأسابيع القليلة الماضية،بسماح (سلطات الأمن السورية)، للمنظمة الآثورية الديمقراطية، بإقامة احتفالين مفتوحين (علنيين) في مدينة (القامشلي)، الأول بمناسبة ذكرى تأسيس المنظمة(15- تموز) والثاني بمناسبة يوم الشهيد الآشوري(7 آب)، بعد أن كانت قد حرمت من إقامة هذه الاحتفالات في السنوات الأخيرة.المثير في هذا التطور المفاجئ ليست الاحتفالات بحد ذاتها فمثلها كانت تقام في الماضي،وإنما توقيت السماح بها، حيث جاءت في مرحلة تشهد عودة (النظام) في سوريا الى ممارسة سياسة تشديد (القبضة الأمنية) على المجتمع السياسي ومحاصرة الحراك الديمقراطي في البلاد،ومنع الأحزاب المحظورة ومعظم منظمات ولجان حقوق الإنسان والمجتمع المدني من ممارسة أي نشاط سياسي و عقد اجتماعاتها ولقاءاتها المعتادة حتى على أصغر مستوى لها،ويتم استدعاء الناشطين واستجوابهم وتوقيف بعضهم واعتقال البعض الآخر فيما إذا علمت الأجهزة الأمنية بعقد مثل هذه الاجتماعات سراً. لهذا لا يمكن النظر الى هذه الاحتفالات السياسية الآشورية على أنها حدث عابر واعتيادي، أنه تطور لافت ترك، تساؤلات وإشارات استفهام كبيرة، لدى مختلف الأوساط السياسية والثقافية، حول نهج المنظمة الآثورية الديمقراطية، الذي اتسم دوماً بالضبابية والتذبذب، تارة تجد قيادة المنظمة الآثورية بين (أحضان السلطة) أملاً بموقع لها في كورسها(الجبهة الوطنية) أو في (مجلسها الشعب) الغير منتخب، وتارة تجدها تزاحم المعارضة في اعتصاماتها الخجولة وشعاراتها الديمقراطية، خشية من أن تسقط (النظام القائم) وتستلم الحكم في البلاد وتخرج المنظمة الآثورية (من المولد بلا حمص). حتى داخل المنظمة الآثورية ذاتها لم يتردد البعض من الآشوريين في إثارة الشكوك حول مغزى ودوافع هذا (الكرم السياسي)،الذي خصت به (الجهات الأمنية) المنظمة الآثورية من دون باقي قوى والأحزاب السورية المحظورة. وما يزيد ويعزز من هذه الشكوك،أولاً: كونها جاءت بعد أشهر من توقيعها المتأخر على (إعلان دمشق) الذي يضم غالبية قوى المعارضة(عربية وكردية).ثانياً: جاءت في مرحلة يجتاح الشارع الآشوري استياء عام بسبب ما يعصف بالمنظمة الآثورية من أزمة داخلية نالت من مصداقيتها ومن مكانتها في المجتمع، تحوم الشبهات والشكوك حول دور ما لـ(الأجهزة الأمنية) في تفجير هذه الأزمة.
ما حصل للمنظمة الآثورية ليس لغزاً، وهو لا يحتاج الى جهد كبير لتفسيره، فدوافعه مكشوفة لكل متتبع للشأن السياسي السوري ولمن يعرف طبيعة ودور الأجهزة الأمنية في البلاد وإنجازاتها الكثيرة على صعيد شق الأحزاب و تشتيت قوى الحركة السياسية السورية وخلق انقسامات عدائية فيما بينها. إذ، لم يسلم حزباً سورياً واحداً،معارض وغير معارض،قديم وجديد،من الانقسام والتشرذم،بعضها لأكثر من مرة، بفعل دهاء وذكاء الأجهزة الأمنية وخبرتها الطويلة في هذا المجال،مستفيدة من الخلافات التنظيمية والفكرية والسياسية التي تحصل داخل الأحزاب والتنظيمات من حين لآخر، ومن حب البعض للزعامة.لهذا يمكن الجزم بأن هذه (الكرنفالات) السياسية التي أقامتها المنظمة الآثورية وفي هذه المرحلة تحديداً ليست من دون (ثمن سياسي)، من المتوقع أن يكون لها نتائج ومضاعفات سياسية سلبية ليس على مستقبل المنظمة الآثورية فحسب، وإنما على مستقبل الحركة الآشورية السورية عامة، أقله يزعزع ثقة قوى المعارضة الوطنية بالحركة الآشورية وينال من مصداقيتها في الأوساط السياسية. فهذا (الاحتضان الأمني) لـ(القيادة الهجينة) للمنظمة الآثورية، يحمل أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه،فمن جهة يعكس رضا وارتياح (سلطات الأمن السورية)على ما أقدمت عليه بعض العناصر المتنفذة في قيادة المنظمة الآثورية،أبرزهم (مسؤول مكتبها السياسي)- الذي سبق له أن هدد، بالتبرؤ والتخلي عن كل آثوري في حال تم اعتقاله بسبب كتاباته وتصريحاته الناقدة للحكم في سوريا- في شق (المكتب السياسي) وإثارة بلبلة تنظيمية وسياسية واجتماعية داخل المنظمة وفي الشارع الآشوري،كما يعتبر هذا (الكرم الأمني) أو بالأحرى (الصفقة) بمثابة ثناء لهؤلاء المتنفذين على إبعادهم للآثوريين الناشطين في الحراك الديمقراطي المعارض والذين يعملون لأجل توطيد علاقة المنظمة الآثورية مع المعارضة الوطنية التي هي علاقة حديثة العهد وأشبه بـ(زواج المتعة). ومن جهة ثانية أن قبول قيادة المنظمة الآثورية بهذا (الكرم الأمني) يحمل في طياته انقلاباً منها على الخطوة التي قطعتها باتجاه المعارضة وتراجعاً عن (اعلان دمشق) والعودة الى أحضان السلطة من جديد،سعياً من(القيادة الهجينة)، للمنظمة الآثورية التي تشكلت بعد شق المكتب السياسي، لكسب نوع من الغطاء والشرعية السلطوية. فعبر تاريخ الانشقاقات في أحزاب وتنظيمات الحركة السياسية السورية كانت السلطات دوماً تقف الى جانب الجهة الموالية للنظام وترعاها والترويج لها وفرضها كأمر واقع.وقد نبهنا في مقالات سابقة الى مخاطر الأملاءات الأمنية،التي تمارس على المنظمة الآثورية، عبر مجموعات آشورية(سريانية)، من داخل وخارج المنظمة، ترعرعت في أحضان البعث وهي تتحرك بإيحاءات سلطوية، تتقاطع مصالحها مع مصالح الحكم القائم،مستفيدة بشكل أو بآخر من آفة الفساد المستشرية في البلاد،وهي لم تخف معارضتها الشديدة لانضمام المنظمة الآثورية لقوى(اعلان دمشق).حيث كان من المفترض أن يحدث، هذا الانضمام الآشوري الى قوى المعارضة الوطنية، نقلة نوعية في (النهج السياسي) للمنظمة الآثورية وفي مواقفها التي كانت طيلة السنوات الماضية أقرب الى السلطة من المعارضة.لكن على ضوء (الحالة الآشورية) الراهنة وما تعانيه المنظمة الآثورية من عدم الانسجام الآيديولوجي والفكري والسياسي بين أعضائها، الى درجة التناقض والتعارض في الرؤية السياسية والموقف من المعارضة(بشقيها العربي والكردي) ومن النظام،لا يمكن لها أن تحسم خياراتها ما بين السلطة والمعارضة بمجرد توقيعها على (اعلان دمشق) الذي تحمس له البعض في قيادة المنظمة للظهور والبروز الإعلامي ليس أكثر.وهي لم توقع عليه إلا بعد أن فشلت في الوصول الى صيغة من التحالف ووضع اعلان مشترك(اعلان حلب) على غرار (إعلان دمشق)، مع مجموعة من الأحزاب الكردية وأحزاب وقوى ليبرالية سورية أخرى تلك التي بقيت خارج اطار اعلان دمشق.
بالطبع لا يمكن لمنظمة مهزوزة غير متماسكة سياسياً وآيديولوجياً و تنظيمياً،معزولة عن وسطها الاجتماعي والشعبي،لا وطن لها، حيث هي أشبه بالطيور المهاجرة، نصفها خارج سوريا، في المهاجر الأوربية والأمريكية ونصفها الآخر في طريقه للهجرة،أن تكون جدية ليس في توقيعها على (اعلان دمشق) ومعارضتها للنظام فحسب، وإنما في كل الشعارات والقضايا الآشورية والوطنية التي تطرحها وتتحدث عنها، لأنها أعجز من أن تتحمل أعباء النضال من أجل هذه القضايا وتبعات العمل السياسي الجاد والمعارض الهادف الى التغير الديمقراطي في البلاد.
سليمان يوسف يوسف... سوريا
[email protected]