في كل الدول التي تعتمد تطبيق القوانين الجنائية الخاصة بالتحري عن الجريمة ومعرفة فاعلها وتقديمه للمحاكمة وتجريمه وفرض العقوبة المناسبة، يتم أعتماد تلك النصوص في قوانين تضبط العمل الجنائي وتقيد ممارسته في التحري والقبض والتحقيق والمحاكمة والتنفيذ ضمن أجراءات وقواعد محددة، أذ أن أهم مقتضيات العدالة حماية المجتمع من الجريمة والمجرم ومن خلال ذلك لابد أن تكون هناك أجراءات وقواعد ملزمة تنظم هذه الأجراءات، وتحدد مسارها الإجرائي في التنفيذ العملي، ومما يزيد من أهمية هذه الأجراءات كونها في تماس مباشر ودائم مع حقوق الأشخاص وحرياتهم، بالإضافة الى كون هذه الأجراءات تحدد صلاحيات أختصاص السلطة القضائية وتنظم عملها، وأيضاً كون هذه الأجراءات تنظم طرق الطعن في القرارات والأحكام الصادرة في أدوار التحقيق والمحاكمة، وسميت من قبل بعض الدول بقواعد الأجراءات الجنائية، فيم سميت أيضاً قانون الأجراءات الجزائية، وقانون أصول المحاكمات الجزائية، ومبادئ الاجراءات الجنائية، والمرافعات الجزائية، غير أنها جميعا تدور ضمن دائرة بحث واحدة في رسم معالم الخطوات الجزائية ونظام السير التي يسير على هداه الجهاز التحقيقي والقضائي في التحقيق والمحاكمة.

وتأتي أهمية أصول المحاكمات الجزائية من كونها القواعد القانونية الواجبة الأتباع والمقياس الذي يوازن بين حقوق الفرد في الحرية التي حددها الدستور والقوانين النافذة وبين حق المجتمع.
وإذ يرسم القانون في أول نصوصه كيفية تحريك الدعوى الجزائية، ومراحل التحقيق وأصوله والإجراءات التي يتخذها قضاة التحقيق والإحالة على المحاكم وأنواعها وانتداب المحامين للدفاع عن المتهمين وطرق الطعن والمحاكمة الوجاهية والغيابية، والحكم وأسبابه وكل ما من شأنه يساهم في الدعوى الجزائية، غير ان مسألة انقضاء الدعوى الجزائية او إيقاف الأجراءات القانونية صار محل تساؤل واستفهام من العديد ممن لم يتعرف على نصوص القوانين، مما يستوجب الأمر وتبسيطها لإيصال الفكرة إليهم.


تنقضي الدعوى الجزائية حكما ومنطقيا بوفاة المتهم، ولامجال لمحاكمته عن أية قضية جزائية غير منظورة أو غير محسومة بعد وفاته، أذ تقرر المحكمة حال عرض وثيقة رسمية عليها تثبت وفاة المتهم أو المدان في قضية أخرى وقفا نهائيا للإجراءات.
وأشار قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1973 الى ذلك في نص المادة 304 منه :
(اذا توفي المتهم اثناء التحقيق أو المحاكمة فيصدر القرار بإيقاف الإجراءات إيقافا نهائيا وتوقف الدعوى المدنية تبعا لذلك ويكون للمدعي المدني في هذه الحالة الحق في مراجعة المحكمة المدنية. )
ومن الممكن إن يتوفى المتهم اثناء سير التحقيق أو في دور الإحالة قبل محاكمته، أو بعد إن تقوم المحكمة بإجراءاتها أو بعد صدور قرار الحكم قبل تنفيذه، وفي جميع تلك الصور يشترط إن تكون هناك مسائلة قانونية للمتهم في قضايا لم يتم حسمها أو صدر قرار بات بها من محكمة مختصة، ووفق ما ورد أعلاه يقوم قاضي التحقيق بوقف الأجراءات بحق المتهم اذا توفي في دور التحقيق، كما تقوم المحكمة بإيقاف الأجراءات وقفا نهائيا أذا توفي المتهم في دور المحاكمة.

وتسقط الجريمة بوفاة المحكوم عليه قبل صيرورة الحكم باتا ونهائيا، ويحق لمن تضرر من الجريمة إن يراجع المحاكم المدنية للمطالبة بحقوقه، أما اذا توفى المحكوم بعد صيرورة الحكم باتا ونهائيا فيتم إسقاط العقوبة وما يلحق بها من تدابير، على إن وفاة احد المتهمين مع وجود عدد من المتهمين في قضية أخرى لايؤدي الى وقف الأجراءات وانقضاء الدعوى عن المتبقين منهم، ولاينسحب قرار إيقاف الإجراءات بحق المتوفى الى غيره من المتهمين، ولايمنع هذا القرار من استمرار إجراءات التحقيق أو المحكمة حسب مقتضى الحال.
والعبرة في إيقاف الإجراءات القانونية بحق المتهم أو المدان المتوفى كون هذه الإجراءات تباشر بحق المتهم أو المدان الحي باعتبار أن العقوبة شخصية تقع على الإنسان الحي والموجود فعلا في الحياة، ولايمكن إيقاعها على جثة رجل ميت، وحيث إن قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة حدد في نص المادة 16 سريان قانون أصول المحاكمات الجزائية بالإضافة الى قواعد الإجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية المختصة كجزء لايتجزأ منه ومكملا له على الإجراءات التي تتبعها المحكمة، وبذلك يكون الرجوع الى أحكام الباب السادس الخاص بانقضاء الدعوى الجزائية والتي نصت في المادة 300 منه على انه تنقضي الدعوى الجزائية بوفاة المتهم أو صدور حكم بات بإدانته أو حكم بات بعدم مسؤوليته أو بوقف الإجراءات بحقه وقفا نهائيا أو في الأحوال التي ينص عليها القانون، وكما في نص المادة 304 منه التي نصت على انه اذا توفي المتهم اثناء التحقيق أو المحاكمة فيصدر القرار بإيقاف الإجراءات إيقافا نهائيا وهو ما قضت به المحكمة الجنائية العراقية المختصة في جلستها الأخيرة في قضية الأنفال.

وفي جميع الأحوال توقف الإجراءات القانونية بحق المدان أذا كان متهما بقضايا اخرى لم يتم حسمها بقرار قضائي بات، وتم تنفيذ حكم الاعدام بحقه في قضية سابقة كان قد صدر بحقه حكما قضائيا مكتسبا للدرجة القطعية وأصبح جاهزا للتنفيذ، فيصبح والحال هذا متوفيا لاتصح مقاضاته عن القضايا الأخرى، بأعتباره لم يعد شخصا حيا يمكن محاكمته ومقاضاته، وأصبح جثة بعد تنفيذ الحكم مما يتعذر معه محاكمته أو التحقيق معه، كما لاينسحب الاتهام الى ورثته ( ولاتزر وازرة وزر اخرى )، وعليه فان الدعاوى المتبقية تنقضي بحق المدان الذي تم تنفيذ حكم الاعدام بحقه، ولاتأثير لهذا الإيقاف على شركاء المدان أو الفاعلين الآخرين معه في قضية أخرى الذي اوقفت الإجراءات القانونية بحقه.
ولتبسيط الحالات الخاصة بوفاة المتهم فأن هناك حالة الوفاة قبل تحريك الدعوى الجزائية، حيث يتوفى المتهم قبل ان يباشر المشتكي بتحريك الشكوى الجزائية، وفي مثل هذا الحال، إذا حصلت الوفاة قبل تحريك الدعوى الجزائية فلا يجوز تحريكها ويصدر قاضي التحقيق أمرا بحفظ الأوراق استنادا لأحكام المادة ( 300 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

أما أذا إذا حصلت الوفاة أثناء النظر في القضية التحقيقية، فتقضي محكمة التحقيق بإيقاف الأجراءات إيقافا نهائيا استنادا لأحكام المادة ( 304 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ويمتنع عليها أن تقضي بأية عقوبة وتتوقف عن الاستمرار بمحاكمة أو التحقيق مع المتوفى.
أما في حالة وفاة المتهم بعد صدور حكم غير بات، لم يكتسب الدرجة القطعية بعد، فإذا حدثت الوفاة بعد صدور الحكم وقبل الفصل في الطعن فإن الحكم ينقضي بإيقاف الأجراءات بحق المتوفي وفي هذه الحالة تنقضي الدعوى الجزائية والعقوبة التي قررتها المحكمة.
أما الحالة الأخيرة وهي وفاة المتهم بعد صدور حكم بات مكتسب للدرجة القطعية، وفي هذا الأمر حالتان، الاولى اذا توفي المدان قبل التنفيذ موتا طبيعيا، او اذا تم تنفيذ حكم الاعدام في قضية اخرى صدر بها قرار قضائي وأصبح باتا ومكتسبا للدرجة القطعية، مع وجود قضايا اخرى متهم بها المدان لم يتم حسمها بعد، فإنه يترتب على الوفاة سقوط العقوبة المقضي بها أذا لم يتم تنفيذ العقوبة بالإعدام بحق المدان.