بيريز في الدوحة والجزيرة

تناقلت وسائل اعلام العرب والعجم اخبار الزيارة (التاريخية) التي قام بها رجل (السلام ) بيريز الى العاصمة القطرية الدوحة ولقائه بأميرها وزيارته لعلبة الكبريت اعني فضائية (الجزيرة) على حد تعبير الرئيس المصري حسني المبارك الذي سبق وان زارها ايضا وبعدما تجول في اركانها الاربعة صُدم لصغر حجم بنايتها مما جعله يطلق وصفه الساخر عليها قائلا ( معقولة كل دي الشوشرة من علبة الكبريت دي) .و خلافا للرئيس المصري فان رئيس الوزراء الاسبق بيريز لم يدل باي تصريح عن الجزيرة واكتفى بزيارتها والتي هي في حد ذاتها ابلغ تصريح.

التفسير المنطقي لزيارة المسؤول الاسرائيلي الكبير لعلبة الكبريت_وماهي كذلك بل هي اكبر مصنع لتفخيخ الاخبار وتفجيرها_ ولقطر هو انها تأتي في اطار مشروع التطبيع الذي انطلق منذ اتفاقيات كامب ديفيد ولا يمكن لاي مسؤول قطري او جزيراوي ان يزعم خلاف ذلك. وقد يتسائل القارئ اللبيب عن الجديد في ذلك فقطر ليست الدولة ولا النظام العربي الوحيد الذي باشر التطبيع مع اسرائيل سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي التجاري، ومعروف ان الدوحة تحتضن المكتب التجاري الاسرائيلي والعلم الاسرائيلي يرفرف خفاقا في سمائها كما يرفرف في سماء الاردن ومصر ومن هنا فلا يوجد اي مبرر للومها على استضافتها للسيد بيريز المسوؤل الاول والمباشر عن عملية (عناقيد الغضب) التي راح ضحيتها العشرات من الابرياء في لبنان عام 1996 .

شخصيا لا الوم القطريين ابدا على هذه الاستضافة لان النظام القطري الجديد كان واضحا في سياسته المتعلقة بفلسطين. وللانصاف اقول ان رجال العهد الجديد في قطر هم الاقرب من كل حكام المنطقة للواقعية السياسية حيث اثبتوا انهم براغماتيون وليسوا من رواد فن الخطابة او لغة الشعارات والمزايدات مما يجعلني احترم مواقفهم السياسية واتفهم تحركهم نحو التطبيع فهم ينطلقون من الواقع العربي المشرذم لتحقيق مايمكن تحقيقه للشعب الفلسطيني وان كانت سياساتهم احيانا تستفز بعض العرب من اصحاب العقلية التقليدية التي لاتزال تحلم بمحو اسرائيل من الخارطة واقامة بدلا عنها دولة فلسطينية من البحر الى النهر!

كل هذا اتفهمه ولكن ما لا استطيع فهمه هو موقف فضائية (الجزيرة) من زيارة السيد بيريز وفتحها لابوابها امامه حيث دخلها دخول الفاتحيين والترحاب المنقطع النظير الذي قوبل به علما انه مرشح لمنصب رئيس الدولة الاسرائيلة التي تحتل فلسطين والتي تهتف (الجزيرة) باسمها ليل نهار؟. وسر عدم فهمي لموقف (الجزيرة) هذا هو اصرارها على جعل الخبر الفلسطيني خبرها الاول في اشارة واضحة لتبنيها للقضية الفلسطينية كقضية مركزية على الطريقة الاسلاموية القومية التي تروج لها خطابات القوميين والاسلاميين والذين تزخر بهم (الجزيرة) كمعدي برامج او مقدمين او محللين سياسيين وهلم جرا . بالنسبة اليَّ لو ان بيريز زار قناة (النيل) الاخبارية لتفهمت ذلك ولو انه فعل الشئ ذاته وزار التلفزيون الاردني لقبلت ذلك لكن ان يزور قناة رأس مالها الصراخ القومي والاسلاموي المتطرف في الدفاع عن الحق العربي والاسلامي المغتصب كما تزعم في فلسطين على يد الاسرائليين واستقباله بهذه الطريقة فهذا ما لا استطيع حقا فهمه.

دعوني التمس (للجزيرة) عذرا وابرر فعلتها هذه بالقول انها قناة عربية والتقاليد العربية تقتضي ايواء الضيف واكرامه ومن هنا فتحت له ابوابها على الطريقة اليعربية في الضيافة ولكن لو قبلنا هذا التبرير فاما كان لـ(لجزيرة) ان تفعل ذلك سرا يعني (من دون حس ولا نفس) كما يقول العراقيون وكما تفعل معظم العواصم العربية التي يزورها يوميا العديد من المسؤولين الاسرائليين خلسة وذلك مداراة لعواطف الفلسطينيين وبقية العرب الذين يكتون يوميا بنيران الاحتلال الاسرائيلي؟ سؤال يرد في الذهن.

ودعوني اضيف تبريرا آخرا لما فعلته (الجزيرة) فاقول بما انها قناة ممولة من الحكومة القطرية برأس مال سنوي قدره خمسة وخمسون مليون دولار كما هو الشائع وبما ان موقف الحكومة القطرية بات معروفا وواضحا من الصراع الفلسطيني الاسرائلي فمن هنا يكون موقف (الجزيرة) امتدادا لموقف من يمولها. لكن هذا التبرير يواجه باعتراض مفاده اذا كان موقف(الجزيرة) هو امتداد لموقف الحكومة القطرية التي تمولها فلماذا لاتنتهج نفس السياسة التي تنتهجها الحكومة القطرية وهي سياسة واقعية تقوم على الاعتراف باسرائيل وبنفس الوقت بالعمل على دعم الفلسطينيين في اقامة دولتهم على اراضي عام 1967؟ فالمتتبع لخطاب (الجزيرة) يجده ابعد مايكون عن السياسة القطرية فكيف يمكن تفسير ذلك؟ والامر ذاته يتكرر في الشأن العراقي فموقف الحكومة القطرية من الاوضاع في العراق جلي فهي ضد اثارة النعرات الطائفية والعرقية ومع وحدة العراق شعبا وارضا ومع استقرار هذا البلد العربي المهم لكن سياسة (الجزيرة) تجاهه تختلف كليا فهي ومنذ اليوم الاول لسقوط نظام صدام تعمل جاهدة على تشويه الحقائق وفبركة الاخبار وتأجيج الفتنة الطائفية وتجلى ذلك بوضوح في ازمة الفلوجة يوم بعثت باحد عتاتها الى هناك لتغطية الاخبار فما كان منه وهو المعروف بطائفيته المقيتة الا قلب الحقائق في محاولة لتثوير الشارع العربي ضد الحكومة العراقية، وكذلك تعيينها لبعض العراقيين المعروفين بطائفيتهم وعنصريتهم، ومازال العراقيون والعرب يتذكرون الدموع التي ذرفتها حسناوات الجزيرة على نظام صدام وهنَّ يشاهدن عملية اسقاط صنم الطاغية ، والى غير ذلك من المواقف المتشنجة لهذه القناة تجاه عملية التغيير الديمقراطي في العراق والتي لاتتماشا بحسب الظاهر والمعلن مع سياسة مموليها في الحكومة القطرية.

اتسائل ماذا سيكون موقف (الجزيرة) لو ان السيد بيريز زار الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية او زار بغداد عاصمة العراق ؟ فهل ستمر (الجزيرة) على هذه الزيارة مرور الكرام ام انها _كعادتها_ ستقلب ظهر المجن لحكام الرياض ولحكام بغداد الجدد فتزبد وتعربد على خيانه الرياض وبغداد لقضية العرب المركزية. ؟ علما ان هاتين العاصمتان لم تهرولا تجاه التطبيع ولم تبخلا باي جهد في سبيل الدفاع عن فلسطين ولعل الحروب التي خاضها العرب ضد اسرائيل تؤكد الدور الكبير الذي لعبته كل من الرياض وبغداد.

الرياض التي حولت ولاول مرة في تاريخ المنطقة النفط الى سلاح في المعركة وذلك في حرب ال 73 ايام المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز وبغداد التي لا تزال جثث شهداءها موزعة منذ عام 1948 في فلسطين والجولان والاردن دون ان يسمع العراقيون من العرب حمدا او شكرا بل اكثر من ذلك ان شرارالعرب هبوا بقضهم وقضيضهم تجاه العراق واستباحوا حرمة الدم العراقي قتلا وذبحا وتفخيخا بدعوى محاربة الكفار الامريكان، ولا ادري لماذا تقصد قطعان الارهاب العراق لقتل الامريكان وهم _اي الامريكان_ يتواجدون في معظم الدول العربية وبعض قواعدهم على مرمى حجر من قناة (الجزيرة) وغيرها .

فلماذا لا تجيش (الجزيرة) جيوشها ضد هذه القواعد؟ ولماذا لا تدعو (المجاهدين) العرب الى التوجه لضرب قاعدة السليلية مثلا؟ فهل امريكان السليلية غير امريكان العراق؟ هذا والجميع يعلم ان السليلية تمثل قاعدة الاسناد الاولى للجيش الامريكي في العراق ومحل تواجد قيادة الجيش الامريكي الوسطى فيها. علما انني لست مع ضرب الامريكيين سواء كانوا في العراق او في قطر او في اي بلد اخر لسبب جوهري وهو ان وجودهم ارحم بكثير من وجود حاكم مستبد كصدام يستبيح جاره الصغير ليلتهمه ويتفنن بحفر المقابر الجماعية لابناء شعبه او وجود تنظيم ارهابي يحكم المنطقة كالقاعدة وهذا مايدركه حكام قطر على وجه التحديد ولهذا رضوا بتواجد ابناء العم سام على اراضيهم الامر الذي لاتزال (الجزيرة) تكابر فيه. ترى هل غابت كل هذه الحقائق عن ذهن وحيد الدهر بتصريحاته وفريد العصر بفتاويه او قل بلاويه الشيخ القرضاوي الذي مافتأت (الجزيرة) تستضيفه ليترحم على الطغاة وليعلن بكل وقاحة ومن دون ادنى حياء ان الطاغية صدام مات (شهيداً) او ليفتي لنا وعلى طريقته الحنقبازية في الافتاء ان تفجير مسرح في الدوحة حرام لكن تفجير مدرسة او مستشفى او فرن للخبر في بغداد هو عين الجهاد؟ يالها من مفارقة غريبة وياله من دجل ما بعده دجل.

اخيرا رب ضارة نافعة كما يقول العرب، فقد تكون من الناحية المعنوية زيارة السيد بيريز للدوحة مضرة بالنسبة للمفاوض الفلسطيني وخرق لمواقعه الدفاعية الخلفية وزيادة في الضغط عليه الا انها _اي الزيارة_ نافعة ايضا لانها اعطت المواطن العربي المنوم بتهريج (الجزيرة) دليلا على ازدواجية هذه القناة التي لم تعد كلمة ازدواجية تفي بحقها. ولكم ان تتصوروا معي الحالة لو ان بيريز بطل مجزرة قانا زار قناة (العربية) فماذا سيكون موقف ضرتها (الجزيرة) غير الشماته وتقليب ظهر المجن لقناة (العربية) التي تثبت يوما بعد اخر انها اكثر مصداقية من الاخريات. وفي اعتقادي ان مصداقية (العربية) تأتي من مصداقية القائمين عليها وفي طليعتهم زميلنا الليبرالي (عبد الرحمن الراشد) الذي اعطى برئاسته (للعربية) ومن قبل ذلك (للشرق الاوسط) مثالا جميلا للاعلام الليبرالي على انه اعلام اكثر موضوعية ومصداقية من الاعلام القومي او الاسلاموي المؤدلج والذي حول فلسطين الى شعارات وخطب نارية ومزايدات فزاد الامر على المواطن العربي التباسا وهو الملتبس اصلا منذ ولادته في اوطان تحكمها الديكتاتوريات المتعفنة والمتلبس ايضا بالجريمة في نظر هذه الديكتاتوريات وذلك لانه ينشد الحرية والديمقراطية.
almossawy@hotmail. co. uk