الحلقة الأولى

جاء في الاية الكريمة (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن, ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها, ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن أو آبائهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخواتهن أو بني أخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أ خواتهن أو نسائهن أو ماملكت أيمانهن، أو التابعين غير أُولي الإربة أو الطِّفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بارجلهن ليلعم ما يخفين زينتهن, وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور 31.
الزينة لغة
جاء في مصباح اللغة (زان الشئ صاحبه زينا من باب سار, وأزانه إزانة: مثله, والأسم الزينة. وزينته: مثله, والزين نقيض الشين) هذا التعريف اللغوي يكاد أن يكون فقيرا, والتعريف بالضد من أضعف التعريفات في تصوري, فإنه لا يغني المتعطش لمعرفة أسرار اللغة وجمالها وخفاياها. جاء في مقياس اللغة: (زين: أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه, فالزين نقيض الشين، يقال زيّنت الشيء تزيينا, وإزينت الأرض وأزّينت وإزدانت: إذا حسّنها عشبها ). هنا التعريف يتقدم بنا خطوة إلى الأمام لمعرفة وفهم معنى الزينة, فهي تدل على الحسن, ولكن هذا الحسن كما هو معلوم أمر نسبي, يختلف من ذوق إلى ذوق, ومن فلسفة إلى فلسفة, ومن دين إلى دين, ومن مزاج إلى مزاج, وعليه, لسنا هنا أمام ثورة في التعريف, وعندما يخبرنا أبن فارس بأن زينة الارض عشبها, فإنما يعطي لنا مثلا تطبيقيا, ولكنّه مثل جزئي بطبيعة الحال, فضلا عن سؤال يفرض نفسه هنا, ترى هل كل تعشيب للأرض زينة؟ فالتعريف اللغوي إذن غامض, ولم يكن من الوضوح ما يمكننا من إستكناه المعنى حيث يشخص دور المتلقي أو السامع أو القاري في تقدير هذه الزينة. فربما ما هو زينة عند شخص ليس زينة عند شخص آخر. جاء في تهذيب الأزهري (الزين نقيض الشين, وسمعت صبيّا من بني عقيل يقول لصبي آخر: وجهي زين ووجهك شين، أراد أنه صبيح الوجه وأن الآخر قبيحه, والتقدير وجهي ذو زين, ووجهك ذو شين, فنعتهما بالمصدر, كما يقال: رجل صوم وعدل أي ذو عدل. قال الليث: زانه الحسن يزينه زينا, وإزدانت الارض بنباتها إزديانا وإزيُّنت أي حسنت وبهجت, قال: والزينة أسم جامع لكل شيء, يُتزيَّن به.
التعريف الجديد كسابقيه, فيه غموض, فشين, فنعتهما بالمصدر, كما يقال: رجل صوم وعدل أي ذو عدل. قال الليث: زانه الحسن يزينه زينا, وإزدانت الارض بنباتها إزديانا وإزيُّنت أي حسنت وبهجت, قال: والزينة أسم جامع لكل شيء, يتزين به.
التعريف الجديد كسابقيه, فيه غموض, فإن الحُسن الذي عرّف به الزين ليس واضحا, هو قيمة بشرية إجتماعية, تختلف من أمة لأخرى, من ثقافة لأخرى, وبالتالي, لسنا أمام تحديد يشفي العلة, هناك إبهام وحيرة.
يقول في المفرادات (الزينة الحقيقية ما لا يشين الإ نسان في شي من أحواله, لا في الدنيا ولا في الآخرة, فأما ما يزينه في حالة دون حالة: فهي من وجه شين. والزينة ثلاث: نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة, وزينة بدنية كالقوة وطول القامة, وزينة خارجية كالمال والجاه ).
هنا ينقلنا الرا غب الاصفهاني إلى عالم آخر, عالم الكلام والفلسفة والذوق الصوفي, والرجل في البداية يعرّف الزينة (الحقيقية) ويرى أنها: ما (لا يشين) الإنسان أخرويا ودنيويا , ولكن في محاولته هذه شي من الغموض, ترى أي سلب يشير إليه في محاولته (ما لا يشين )؟ هناك غموض شديد, أي هل مثلا (عدم الكذب) باعتبار إ ن الكذب في العرف الديني وبعض الاخلاقيات مما يشين؟ ولكن هنا نحن بين يدي سلب (ما لا يشين ) , فهل يصلح هذا السلب لتأسيس معنى؟كيف؟!
محاولته الثانية إيجابية, فهو يعرف الزينة بمصاديق ومفردات واقعية كالعلم والقدرة والمال والبنون والاعتقادات الحسنة. وكل هذا عبارة عن اجتهاد شخصي, فإن الغنى في بعض المدارس الفلسفية والدينية مذمة, يشين الانسان, نقص, كما أن هذا المعتقد حسن أو شين إنما راجع لذات المعتقد كما هو معلوم, فهي محاولة تنضح بالرأي الشخصي, بما يحمل صاحب (المفردات) من ثقافة متكدسة في داخله. يقول الزمخشري في أساس البلاغة (شيء مزين ومُزّيَّن ومتزيِّن. وأزيّنت الأرض بعشبها وآزدانت. وزنته وزيّنته. والكواكب للسماء زينة وزين, وهم يفخرون بالزًّين والزخارف, وأمرآة زيْنة, ونساء زينات. وسمع صبي من العرب يقول لآخر: وجهي زين, ووجهك شين.) محاولة أخرى للتخلص من الغموض ولكن بلا طائل, فالرجل لم يزد سوى أنه ذكر لنا بعض المصاديق التوضيحية, وهي ذاتها محل نظر, لأنها تبقى خاضعة للذوق الشخصي والحضاري والثقافي بكل أ مة وبكل شخص وبكل قبيلة... على أن الزمخشري في موقع آخر يحثنا عن زينة المرأة خاصة فيقول: (الزينة ما تزينت به المرأ ة من حلي أو كحل أو خضاب, فما كان منها ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب, فلا بأس بإبدائه للأجانب, وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والأكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين / أي المذكورين في الاية ا لشريفة /) الكشاف 2 ص 61. ومن الواضح أن الزمخشري عين الزينة الخفية متأثرا بما شاع في وسطه من وجوب تغطية مواقع هذه الزينات, وليس رجوعا إلى معجم لغوي, وهذا موقف صعب قبوله, وسوف نتدارس هذه المحاولات في السطور التالية. هذا الغموض في معنى الزينة إنعكس على تفسير الآية الكريمة, وكان هناك الكثير من التصورات والرؤى والافكار, نتطرق إليها بالتفصيل لاحقا. يقول باحث في كلمات القرآن [ والتحقيق: إن الاصل الواحد في هذه المادة هوحسن في ظاهر , سواء كان في أمر مادي محسوس أو معنوي أو في أثر علاقة وتحميل, وسواء كانت الزينة عرضيّة أو ما يتظاهر من نفس الشيء, ويكون من أجزاء...
فالزينة في المادي كما في: وزينا السماء الدنيا بمصابيح،أنا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب, و حتى إذا أ خذت الأرض زخرفها وأزينت, فأنا جعلنا ما على الارض زينة لها, فخرج على قومه في زينته... والزينة في العنويات كما في ولكنّ الله حبّب لكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم, زُين للناس حب الشهوات, زين لذين كفروا مكرهم, وفي مقام التخيل كما في: وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون, وزيّن لهم الشيطان أعمالهم, والزينة العرضيّة كما في تزيّن السماء بالكواكب والمصابيح, أن الكواكب والمصابيح من السماء ومن أجزائها, والزينة العامّة كما في ولا يبدين زينتهن, ربِّ بما أغويتني ولأزين لهم في الأرض... ).
والباحث المذكور يستعرض بعض مصاديق الزينة, وليس تعريفها, وهي مصاديق حولها كلام كثير, ولذلك ساتناول هذه الايات في الفقرة التالية, كي تكون تمهيدا لبحث الزينة التي هي موضوع قراءتنا.
ثلاثة مقاطع
هناك ثلاثة مقتربات لموضوع الزينة, زينة النساء المؤمنات في الاية الكريمة, وهي:
الأولى: النهي عن (إبداء) الزينة إلاّ ما (ظهر منها ).
الثانية: النهي عن (إبداء) الزينة إلاّ لتلك الاصناف الثمانية.
الثالثة: النهي عن (إبداء) ما خفي من الزينة بضرب الأرجل.
ويبدو كل مقطع له مستحقاته وحيثياته, لأن المقاطع معطوفة بعضها على بعض, وكل مقطع له موضوعه الخاص بما يتعلق بالزينة نفسها , وقبل أن نوغل في القراء ة, نفهم من النص إن هناك زينة ظاهرة في مقابل زينة خفية, وإن الإبداء غير الإظهار, والنقطة الحساسة هي أن القرآن لم يبين ما هي الزينة أصلا, أقصد زينة المرأة, ولا ما هي الزينة الظاهرة, ولا ما هي الزينة الخفية, وهذه نقطة جديرة بالفحص, لسبب مهم, ذلك أن القران بيَّن بشكل واضح زينة السماء, وسماها المصابيح والكواكب, وأفصح عن زينة الارض وذلك بما عليها من عشب وما يستخرج من الحمير والبغال والخيول, فيما لم يفصح عن زينة المرأة رغم أنها محل تكليف, بل تكاليف, أليس في ذلك ما يدعو إلى العجب والتساؤل والحيرة؟ أن أن هناك حكمة عميقة وراء هذا الاهمال؟ فأي معنى للزينة يمكن أن يسعفنا في فهم زينة المرآة الخفية وزينتها الظاهرة؟ إن هذا الغموض هو الذي أرغم المفسرين و الفقهاء بالرجوع إلى الاثر النبوي المزعوم لتفسير الآية, أي لتحديد معنى الزينة هنا, وقد جاءت النصوص مختلفة متباينة بشكل مذهل, فهل قدمنا حلا؟ لا بطبيعة الحال, لقد تفاوت معنى الزينة بين مفسر وآخر, بين فقيه وآخر ليس من التدقيق باللغة, بل من الاختلاف في تلقي المأثور النبوي بين ما يصح عند هذا ولا يصح عند غيره. إن ذلك من دلائل الازمة في فهم القرآن, بل ومن دواعي وضع منهج جديد في فهم القرآن الكريم, كما سنبين إن شاء الله. ولكن ما قيمة كلام المعجم هنا؟ لا أريد أن أوغل في طرح هذه المشكلة, فإن هذه المعاجم دوِّنت بعد نزول القران بأكثر من قرنين من الزمن, فهل نطمئن إليها كامل الاطمئنان وهي التي أعتمدت بكل طاقتها على الشفاهي المشكوك منه وغير المشكوك, وهل نضع في الحسبان ما يلحقه الزمن بكل تعقيداته وملابساته وصروفه على المعنى؟
المقطع الأول
(... ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها ).
يفيد المقطع نهي المرأة المؤمنة أن (تبدي) زينتها إلاٍّ ما ظهر منها, فإذن هناك زينة خفية وزينة ظاهرة, والمطلوب أن نعرف ما هي الزينة الخفية وما هي الزينة الظاهرة.
الإبداء غير الإظهار, الإبداء ظهور في غاية الشدة والوضوع والبيان, ولعل قولنا (بدا) إنما تشير إلى السطوع في الظهور, قال في المفردات (بدا: بدا الشيء بدوا أي ظهر ظهورا بيِّنا ) , اذن هناك ظهور ساطع, بيِّن, صارخ, هذا الظهور هو البدو, وبالتالي, فإن معنى الآية في البداية, إنه لا يصح للمرأة المؤمنة أن تُظهِر إظهارا ساطعا زينتها إلاّ ما ظهر منها, هذا أولا, وثانيا, يجوز لها أن تزيد من زينتها الظاهرة المفترضة وضوحا وسطوعا.
هنا, هنا بالذات, هل نستنتج من ذلك, إن الزينة الخفية للمرأة يجوز إظهارها ولكن لا يجوز إبداؤها , لإن (الابداء) هو (الإظهار الزائد ), البيّن, الشديد الوضوح, وسنلتقي بما يزيد هذه التصور قوة.
جاء في تفسير الطبرسي [ (ولا يبدين زينتهن) أي لا (يُظهرن) مواضع الزينة لغير محرم... ) / 7 ص 217 / ولست في معرض هل النهي عن الزينة أم عن مواضعها, ولكن هل يكفي كلمة (يظهرن) لتفسير الآية؟ لا بطبيعة الحال, لسبب بسيط, ذلك إن كلمة (يظهرن) ليست معادلا موضوعيا لكملة (يبدين), فقد مرّ بنا أن البدو ظهور بيِّن. إن (الظهور) مأخوذ من (البدو), لانه أخف منه, البدو سطوع, ولذلك كان الله (مبدِئا) وليس (مُظهِرا ), لأنه يبدأ الاشياء وليس يُظهرها, يخرجها, فتكون ليست ظاهرة وحسب, بل ظاهرة وزيادة. إن من معاني (الإبداء) هو (تقديم) الشيئ على غيره, وبهذا التقديم يبرز, لا يظهر وحسب, بل يشخص, يسطع.
إن تفسير (الإبداء) في الاية الكريمة بـ (الإظهار) مهزلة لغوية, لأن المعنى يكون عند ذلك (لا يُظْهرْن من زينتهن إلا ما ظهر منها).
بناء على ما سبق, يكون لدينا ما يلي:
1: إن (الإبداء) هو الظهور البيِّن وليس مجرد الظهور.
2: إن المسموح به في الآية الكريمة هو إبداء (ما ظهر) من الزينة, إي مزيد من إظهار (ما ظهر) من الزينة، فهناك بداية ظهور, ولكن هناك أيضا مزيدا من الإظهار, تجلية, تشريق, مع نقاش طويل ومعقّد عن حد الظهور كي يمكن التفريق بينه وبين (الإبداء ) , قد أتعرض له لاحقا.
3: يجوز إظهار المخفي من الزينة, لان الممنوع هو إبداء هذه الزينة المخفية وليس إظهارها.
عقدة جوهرية
المقطع ينطوي على اكثر من عقدة, وفي معرض موضوعنا في هذه السطور هناك عقدة جوهرية في المقطع الأول.
العقدة تكمن في قوله: ( ما ظهر ) , فهو كلام غامض كما هو واضح, وقد أختلفوا فيه أختلافا واسعا وعميقا, ولكن نطرح هنا عدّة احتمالات مهمة كبداية للبحث.
الاحتمال الاول: إنه يشير إلى (ما ظهر) قهرا, كأن يكون الجلباب مثلا, فإنه ظاهر بالقهر, حيث يغطي الثياب ولا ساتر فوقه.
الاحتمال الثاني: أن يشير إلى (ما ظهر) تكوينا كأن يكون الوجه على أكثر من رأي, فيما لو قلنا أن الزينة هنا هي الوجه والكفان كما هي بعض الاراء
الاحتمال الثالث: أن يشير إلى (ماظهر) عرفا واجتماعا, قد أُعتيد عليه في زمن النبي وجاء النص لإمضائه, بل للسماح بمزيد من إظهاره (يبدين ), اللهم إلاّ ما خرج بعد ذلك بدليل من خارج النص بطبيعة الحال.
الاحتمال الرابع: أن يكون (ما ظهر) بحكم الضرورة, كأن يتطلب عمل إمرآة كشفا عن الوجه أو كشفا عن الذرا عين اللهم إلا ما خرج بدليل.
المطلوب أن نستوفي كل هذه المقتربات, وبغير ذلك لا يمكن أن نصل إلى رأي معتبر, يتمتع بالقوة والموضوعية والحيوية.

يتبع
[email protected]