quot;رائع أن تمطر السماء،
يواسي دمعها دمعي،
باردا يمتزج بناري،
فتشتعل الأرض،
الحريق امتد اليهاhellip;
من فؤادي.quot;.
(حنان عاد، شاعرة لبنانية )


بعد عشرين شهرا من السجن المرير في سجون الاحتلال الاسرائيلي، وتحديدا في صحراء النقب. تم يوم أمس إطلاق سراح الأخوين عيسى وإيهاب ابني السيد عدنان حلاوة، وهما شقيقا الأب عزيز حلاوة، كاهن رعية اللاتين في بيرزيت.
وأذكر أننا قبل عيد الميلاد 2005 نشرنا خبر اعتقال الأخوين العزيزين. ودعونا للصلاة من أجلهما في موقع
www.abouna.org ، تلبية لنداء إنساني أطلقه الأب العزيز... عزيز الذي أخبرنا بأنّ الجيش قد هجم على المنزل ذات ليلة من الشتاء القارص، وأخذوا أخويه معا. ولنا أن نتخيل العشرين شهرا التي قضاها كل من الأخوين في سجون الاحتلال التي لا تميز بين كبير وصغير.
المعاناة اذا مستمرة... والآلام التي يعاني منها الشعب الفلسطيني ما زالت تتضاعف. اعتقالات. محاكمات غير عادلة... كأنّها مسلسلات ومسرحيات يتقن القائمون عليها أدوارهم تماما.
عيسى متزوّج وله أبناء صغار. عاشوا أكثر من عام ونصف بدون وجود الأب بينهم. وإيهاب الابن الأصغر في هذه العائلة التقية، كان عليه أن يقدم الثانوية العامة، التوجيهي، في السجن، فحصّل نتيجة من العشر الأوائل من الطلبة المساجين ( وهذا جزء من إبداع الشعب الفلسطيني أن يعتبر أبناءه الأسرى جزءا عزيزا من طلبته ).
وبعد 40 سنة من الاحتلال، وبعد مئات بل ألوف المؤتمرات التي عقدت من أجل إحلال العدل والسلام، لا شيء كان بوسعه أن يخفف من آلام الأم الفلسطينية التي ترى فلذتين من كبدها يقادان إلى المصير المجهول في غياهب السجون.
وهنا علي أن أذكر كلمة محبة إلى هذه الوالدة الصابرة، التي عاشت مع الشعب الفلسطيني كل آلامه، مشاركة بما لها من مقدرة على التحمل... ومشاركة كل أم فلسطينية بما تعاني من أجل زوجها وأولادها وكنيستها العربية ووطنها الناطر على جمر الأيام، فجر السلام المنشود... والبعيد.
أعرف quot;أم عزيزquot; منذ أن كنت في السمنير، أو المعهد الاكليريكي ( معهد الكهنة اللاتين) في بيت جالا. فقد دخلت بوابة المعهد في اليوم ذاته الذي دخل فيه الأب عزيز، وجلسنا على مقاعد الدراسة والصلاة سويا، لنخرج بعد 11 عاما، في ذات اليوم أيضا. وكان لي علاقة محبة مع دار أبو عزيز في القرية الجميلة والوادعة، عين عريك، على مقربة من رام الله. وعلمت في تلك السنوات أن أبا عزيز كان أيضا معتقلا في السنوات الأولى لزواجه، وكانت أم عزيز تذهب لزيارته، وأولادها الصغار على حضنها.... وأثناء وجودي في المعهد، علمت عن اعتقال عيسى، لبضعة أشهر في سجن مجدّو... وكتبت له رسالة وقتها، بعدما جاءني سلامه يطلب الصلاة... في عيد الميلاد عام 1992. فكتبت ما أتذكره بعنوان : في الصعوبة خصوبة، مهداة إلى عيسى في مجدو، لكنّ الرسالة لم تنشر وقتها لأسباب أمنية.
واليوم أجد نفسي مفكرا بهذه العائلة التي منّ الله عليها بكاهن من بين أفرادها، فكانت، على حد تعبير القديس يوحنا بوسكو، أعظم هبة من الله للعائلة المسيحية. الا أنّها عائلة عربية مسيحية، كان عليها أن تعاني أسوة بما يعانيه كل الشعب الفلسطيني السجين في سجن كبير... يدعى الأرض الفلسطينية...
وفي شهر آذار الماضي، عدت من زيارة الضفة، بعد انقطاع 7 سنين... واذا بي أعود وصورة أم عزيز التي لم أتمكن من شرف اللقاء بها، تأتي إلى البال، بعد أن كان علي أن أقول كلمة في رعيتي السماكية، جنوب الأردن، في القداس المقام في عيد الأم 2007. تذكرت القصة التي رواها لي عزيز، وهي تصلح لتكون فيلما سنيمائيا يصوّر الواقع كما هو، لا كما يظهر أحيانا مزيّفا ومليئا بالخطابات والشعارات الرنانة:
أم عزيز تحمل هوية القدس، وهذا ما يعطيها، بعض امتيازات بالتحرّك داخل الضفة وداخل الأراضي الإسرائيلية، بعطية خاصة من إسرائيل لأبناء القدس... تكلّمتْ يوما مع ابنها إيهاب القابع وقتها في السجن في شهر كانون الثاني. بعد سنة على اعتقاله، وفي عزّ فصل الشتاء. وكان يتحضّر لامتحانات التوجيهي كما قلنا... قال لها : أمي أشعر بالبرد في الليل... ولكم أن تتصوّروا والدة يخبرها ابنها الأصغر أنه لا يشعر بالدفء أبدا، وأين ؟ في أحضان الاحتلال وخلف قضبان السجون... في عزّ كانون.
صحت أم عزيز باكرا، هذا اذا أغمضت عينيها أصلا، وذهبت مسرعة لشراء غطاء quot;بطانية quot; لتحملها إلى ابنها...
على بوابة السجن... أم عزيز مع هوية القدس، تدخل لرؤية ابنها لبضعة دقائق معدودة... لكن الحارس يأمر بترك الحرام خارجا... ممنوع دخول الحرامات....
حَرام عليكم يا بشر، ابني يبرد في الليل..
تريدين رؤية ابنك؟ نسمح لك بذلك، فنحن دولة لا تمنع أما من رؤية ابنها، ولكن بدون حرامات...
تبكي بكل ما أوتيت من أمومة وحنان...
تحاول بكل ما أوتيت من شجاعة المواطن الفلسطيني الحالم بيوم يتخلص منه من الذل...
لكن، بدون جدوى... انتهى النقاش : الحرام ممنوع... تدخلين وحدك hellip; أو تأخذين الحرام وتذهبين من هنا بعيداhellip;
هكذا إذن... الوقت يتسارع، ووقت الزيارة المسموح به يقترب من نهايته... سأقابل ابني بدون الحرام، وسأطوّقه وسأعوّضه بذراعيّ عن كل ما يعاني منه من برد في ليالي الشتاء القارص...
دموع... ودموع... صبرا يا بني... صبرا، ذهب الكثير وما هي سوى بضعة أشهر وتنتهي مدة محكوميّتك... لا لذنب الا لأنّني ولدتك فوق الأرض التي ولد عليها المسيح ابن مريم.
دموع تكفي لتروي كل العطاش. دموع العرب ( التي كتب عنها المفكر الفلسطيني الأب رفيق خوري كثيرا) وتكفي هنا للتعبير عن كل ما تعانيه الأم الفلسطينية وكل أم يحرمها الناس من التعبير عن الحب الامومي hellip; وهو أنبل ما خلق الرب...
وصباح هذا اليوم، نظرت الى الصور التي بعثها الأب عزيز بعين التأثر والصلاة من أجل هذه العائلة الصابرة. ما أجمل هذه الدموع المترقرقة على عيون الكل. فهذه المرّة هي دموع الفرح. الحرية. إطلاق السبيل... العائلة تتآلف من جديد... وتتعانق من جديد... أم عزيز تعانق ابنيها معا... وأبو عزيز بطاقيته المعتادة... والشامخة على رأسه بكبرياء فلسطيني لا يعرف الكلل ولا الملل. هنيئا لكم بهذا العرس الحقيقي.
وبعد، فمن قال انّ المسيحيين العرب لا يشاركون أبناء جلدتهم الفلسطينيين كل معاناتهم من ألفها الى يائها، كان مخطئا. نعم، العرب المسيحيون حاضرون في كل سراء هذه الأمة وضرائها... أنظروا إلى وجه أبي عزيز وأم عزيز في الصور المرفقة... ودموع الفرح في عيونهما، أمام منزل يزدان بالعلم الفلسطيني، تجدوا أنّ كل من يحاول أن يقلص من الدور المسيحي في حلقة الصراع الطويل، أو أن يأتي على حرق دير أو مدرسة في غزة مثلا... يكون مخطئا في حق الله والإنسان والوطن. تمعّنوا في الصور ,,, وصلّوا... شاكرين ومهنئين.
أبا عزيز وأم عزيز... أنتم حقا عزيزان... وحق الاعتزاز بكما وبما أنجبتما.

الأب رفعت بدر - الأردن
[email protected]
www.abouna.org