قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تصدر الأحكام فى الدعوى المدنية والتجارية والعمالية ودعاوى الأحوال الشخصية، لتـُنفـّذ ولا قيمة للتقاضى وبذل الجهد والمال إلا لكى ينفذ من يصدر له حكم، حكمه هذا بسرعة ودون عناء، وبغير ذلك يصبح التقاضى بلا أى معنى، كما تصير السلطة القضائية نفسها عاطلة من الأثر الفعال، وهو أمر يجعل المجتمعات كالغابات، لا ينال حقه فيها إلا من كان قوياً قوة مادية تخيف الخصم أو تنتزع الحق بنفسها، أو كانت له صلة بقوى نافذة تساعده فى اقتضاء حقه، وهو ما قد يفتح الباب بل الأبواب إلى تزايد نفوذ هذه القوى، وربما تصارعها مع بعضها البعض؛ فتمّحى الحدود وتنتهى السدود، وتصبح البلد فى فوضى شديدة.
فى المسائل الجنائية يُنفذ قلم التنفيذ بالنيابة العامة الأحكام الحضورية فوراً، بتحرير نماذج تنفيذ تـُرسل إلى السجن مع المتهم، إن كان الحكم صادراً بعقوبة سالبة للحرية، أوباقتضاء الغرامة ممن صدر ضده حكم بالغرامة، أو بتمكين المتهم الذى صدر ضده حكم قابل للإستئناف بتحرير تقرير له بالإستئناف تتحدد له فيه جلسته. أما الأحكام الغيابية، وهى التى تصدر فى غيبة المتهمين، فإن مندوباً من قسم الشرطة يأخذ بشأنها بيانات من قلم التنفيذ، لتتولى الشرطة البحث عن المتهم والقبض عليه لتنفيذ الحكم، أو لتحرير تقرير بالمعارضة يُوجد فى النيابة.
وعندما يحدث التلاعب، وتمارس الشرطة قوة ليست من حقها قانوناً، فإنها تقف (توقف) حدوث التنفيذ على إرادتها، ووفقاً لمصالح الفاسدين منها. وقد بدا لنا ذلك فى أحكام محكمة الجنايات عندما كنت رئيساً لها. ذلك أن الأحكام الغيابية لهذه المحكمة أحكام تهديدية تسقط بمجرد القبض على المتهم، ويتعين من ثم إتباع إجراءات محاكمته من جديد، وفى هذا وجد الفاسدون والعابثون بابا عريضاً لفسادهم وعبثهم؛ إذ يجعلون الحكم سبباً لابتزاز المتهم الموسر الذى صدر عليه حكم فى قضية إحراز أو حيازة جواهر مخدرة مثلاً، فيقتضون منه جُعْلا ثابتا كل شهر كى لا ينفذ عليه الحكم وإلا فهو يعرف النتيجة، وتطول المدة إلى ما يصل إلى خمس سنوات ثم يُقبض عليه فيُعرض على المحكمة للتصرف فى شأنه، وغالباً ما تفرج المحكمة عنه، وتـُتـْرك أمر تحديد جلسة المحاكمة لجهة تفعل ذلك، ومع أن هذه الجهة قضائية إلا أن الواقع الحاصل هو أن ينتهى أمر تحديد جلسات المحاكمة إلى موظفين إداريين تابعين لهذه الجهة القضائية، وقد يتلاعبون لتحديد جلسة بعيدة التاريخ. وفى هذه الجلسة لا يحضر المتهم كذلك فيصدر عليه حكم غيابى، وتبدأ الحلقة من جديد، ويستمر ذلك مرات عديدة إلى أن يبعد تاريخ الواقعة فيخف وقعها أو تتغير ظروف المتهم مما يدعو إلى طلب تخفيف الحكم عليه، أو الأمر بشموله بوقف التنفيذ.
لاحظنا ذلك فى المحكمة التى كنت أشرف برئاستها، وتبين لنا أن أغلب المتهمين الذين يحدث معهم هذا التلاعب والتعابث لهم محال إقامة واضحة ومبيّنة فى الأوراق، ويسهل العثور عليهم فى أيام من صدور الحكم الغيابى، لو أراد من ينفذ من الشرطة التنفيذ الجدّى عليه. وقد دعانا هذا إلى أن تأمر المحكمة بحبس المتهم إحتياطياً ndash; عند القبض عليه، وتحدد بنفسها جلسة لنظر الدعوى، غالباً ما تكون فى دور تال (ومحاكم الجنايات تنعقد عشرة أيام كل شهر فيما يسمى دور الإنعقاد وتكون باقى أيام الشهر الأخرى لتحرير أسباب ما أصدرته من أحكام فى دورها الذى انفض، ولقراءة جنايات الدور المقبل فى الشهر التالى). ونادراً ما كان يبرّأ متهم من هؤلاء، أو يوقف تنفيذ الحكم عليه، لأن الأدلة تكون ثابتة ضده ثبوتاً كافيا، وهو ما كان يدعو المحكمة لحبسه احتياطيا حتى تكسر حلقة التلاعب فى تنفيذ الحكم.
هذا مثال واحد، يبين مدى التلاعب فى تنفيذ الأحكام الجنائية، وغير ذلك كثير.
أما تهريب الجناة إلى الخارج فهو موضوع معروف مشهور، له باب واسع، لكن مفتاحه غالٍ جداً أو عسير للغاية، إذ لا يُهرّب إلى الخارج إلا من كان مطلوبا أو محكوما عليه بالإعدام أو فى قضية ذات خطر كبير، وعقوبتها شديدة للغاية، بقدر ما أثم؛ وهو لهذا على استعداد لشراء رقبته أو حريته بالغالى والثمين، ولا يقدر على فتح الباب إلا من يملك المفتاح، وهو يفتحه بحساب.
فى المسائل المدنية ndash; بشتى أنواعها التجارية والعمالية... إلى آخر ذلك، فإن من صدر الحكم لصالحه يكون من حقه أن يحصل على نسخة الحكم الأصلية، وهذه النسخة تـُذيلّ بالصيغة التنفيذية. هذه الصيغة تضع عبء تنفيذ الحكم على النائب العام ووكلاته وتجعل من حقهم الإستعانة بالقوة الجبرية، كيفما تكون، ليتم التنفيذ. وقد كان تنفيذ الأحكام يتم بصورة تلقائية، فكان صدور الحكم يعنى ضمناَ تمام التنفيذ، ولو تعطل أياما بسبب اشكال لا أسباب جادة له. أما فيما بعد، فقد دخل على التنفيذ عنصران جعلا الحكم أشبه بورقة لا تساوى الحبر الذى كُتبت به؛ مما دفع بعض الناس إلى العزوف عن التقاضى مهما كان حقهم واضحاً وظاهراً. فبعد التقاضى ومشقته التى يصادف منها صاحب الحق الأمرّين فى التعامل مع قلم الكتاب وقلم المحضرين، ثم مشقة التفاهم مع المحامين، ثم استحالة صدور حكم له واضح بيّن، فى أجل قريب أو حتى فى مدى معقول؛ فهو بعد ذلك يلاقى مشاق التنفيذ التى تجعل منه كالسائر فى البادية دون ماء أو السارى فى الليل بغير نور. فقد ظهر من ابتدع فكرة فصل التنفيذ عن الحكم، بقالة أنه توجد منازعتان، أولاهما خاصة باستصدار حكم نهائى وعليه الصيغة التنفيذية، وثانيهما هى منازعة خاصة بالتنفيذ، وهو فصل بين الحكم وتنفيذه لا مسوغ له ولا مبرر إلا تعذيب الناس ووضعهم تحت رحمة السلطة دائماً أبداً، حتى وهو صاحب حق حصل من القضاء على حكم نهائى به.
وبعد أن يتجاوز صاحب الحق كل العقبات والمسيرات القضائية والقانونية، فإنه لا النائب العام ولا وكلائه يسألون عنه أو يساعدونه فى التنفيذ، مع أنهم مكلفون بذلك. بهذا يكون صاحب الحق وحده أمام قلم المحضرين وأجهزة الشرطة. ذلك أن المحضرين الفاسدين يقتضون رشاوى من الناس تتناسب مع قيمة الحكم الذى ينفذونه، فإذا تفاهم صاحب الحق وانتهى معهم على تحديد موعد التنفيذ، كان هناك إبتداع جديد إذ جوزّت (أجازت) الشرطة لنفسها الحق فى بيان مدى ملائمة تنفيذ الحكم على الأمن العام. ولآن مسألة الأمن العام هذه واسعة جداً، بلا تحديد أو تعيين،، فإنه يجوز بمقتضاها لأى مسئول فى جهاز الشرطة ndash; بقرار شفوى غير مسبب ndash; أن يشير بعدم تنفيذ الحكم لخطورة ذلك على الأمن العام.
ولم يقتصر امتناع التنفيذ على الشرطة وحدها، بل تعدّاها إلى غيرها. وأذكر فى ذلك واقعة حدثت لى شخصياً حتى أكون على ثقة مما أكتب وأقول. فقد صدر لى حكم بإفلاس ناشر امتنع عن سداد مبلغ كبير من حقوق التأليف لاضطراب أحواله المالية، لكن وزير العدل الأسبق ومساعد له وقفا (أوقفا) تنفيذ الحكم، ولما وجدا أنى أعترض على ذلك لدى رئيس الجمهورية وفى الصحف المصرية لجأ مساعد وزير العدل الأسبق إلى لواء شرطة ووسّطه لنجلس معا ونحل الموضوع سويا، فلم أر بأساً من ذلك. وعندما تكلم وجدت أنه يرغب فى أن أتنازل عن حقى فى تنفيذ حكم الإفلاس وأن أسلك سبيلاً آخر، يقتضى منى سنوات وسنوات. فرفضت ذلك وصممت على ضرورة تنفيذ الحكم، فقال لى بتبجح وجسارة: أنا لا أستطيع أن أنفذ الحكم فى هذه الظروف. قلت له وأنا أترك المجلس: وهل أنت الذى تنفذ الأحكام وتقف (توقف) تنفيذها؟ إذن فقد أسقطتْ وزراة العدل حكم القانون.
فى الولايات المتحدة. وفى عهد الرئيس كيندى، صدر حكم من محكمة بحق طالب أسود (زنجى) فى الالتحاق بمدرسة ثانوية فى ولاية الاباما. ولكن ناظر المدرسة رفض تنفيذ الحكمْ لأنه لم يكن يرغب فى أن تضم مدرسته غير تلاميذ من البيض، فى ولاية كان فيها التمييز العنصرى موجوداً بشدة. عند ذلك أمر رئيس الجمهورية فتحركت فرقة من الجيش بدباباتها وسياراتها المصفحة، وأحاطت المدرسة وأجبرت الناظر على تنفيذ الحكم، وقبول الطالب الأسود (الزنجى) ضمن طلبة المدرسة. وظلت قوة الجيش تحيط بالمدرسة فترة لاظهار قدرة الدولة على تنفيذ حكم القانون. وكان درساً وعاه الأمريكيون جميعاً، وأدركوا أن حكم المحكمة لابد أن ينفذ، ولو بقوة الجيش.
ذلك هو حكم القانون الذى لا توجد فيه نزوة لحاكم أو رغْبة لموظف! وهذا هو الحل السليم لمشكلة يصادفها ويعانى منْها كثير من الناس؛ فمتى نعرف ذلك ونفعله دون أن ندفع صاحب الحق الذى صدر به حكم أن يلجأ إلى التذلل والإلتماس والرشوة، كأنما هو يستجدى صدقة ولا يطلب حقاً؟

[email protected]

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية