قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



يحفل تاريخ العراق السياسي بشخصيات مؤثرة كان لها دورها الايجابي في رفع سمعة بلادنا الى مصاف الدول المتقدمة الراقية أدبا وعلما وفنّا وخلُقا قويما حتى في المحافل السياسية الماكرة احيانا كثيرة ، اذ بقيت أذكارهم تتردد في اوساطنا الاجتماعية الى الان حنينا ومحبة واعتزازا لنزاهتهم وعقولهم وأياديهم الناصعة النظيفة التي لم تمتدّ الى السرقة والحرام مع انهم ليسوا من رعاة الدين لكن نفوسهم مليئة بالقناعة والرضا وماحباه الله من كفاف يقيم الاوَد ويسدّ الرمق كان كفيلا ان يبعدهم عن أكل اموال اليتامى والفقراء لأنهم ذوو ضمائر حيّة ومن منابت بلاد الرافدين النقيّة المنبت والمحتد التي لم تكن تعرف قبلا الارتشاء وأكل السحت ونهب المال العام كما نعهد الان ، وأورد هنا اسم شخصيتين نزيهتين من رموز العراق الزاهي ؛ الاول في حقبة النظام الملَكي والآخر مطلع العهد الجمهوري ، هذان الشخصيتان اختارا حياة العزوبية قصدا لا لشيء الاّ لانهما آليا على نفسيهما ان يخدما وطنهما ويخلصا له دون ان يشغلهما أعباء الاسرة ومتطلبات العيال وهموم البيت فالعراق هو بيتهما الكبير
العازب الاول هو حسقيل ساسون ( 1860—1932 ) الذي رأس وزارة المالية في العراق لأربع دورات متعاقبة ولم يستنزف أو يهدر دينارا واحدا في غير مكانه ولم يملأ جيبه سحتا حراما ولم يسمح للطامعين -- على قلّتهم في العراق وقتذاك -- ان يهدروا حتى القليل القليل من ثروات البلاد والى الان يتندّر العراقيون حينما يواجهون رجلا حريصا حافظاً للأمانة بقولهم : لاتحسقلها ، اشارة الى الخالد الصيت والذكر حسقيل ساسون مع ان هذا الوزير النقيّ السريرة كان يعاني من مرض عضال أرغمه عدة مرات على السفر خارج البلاد للاستشفاء من جيبه الخاص وهو بأمسّ الحاجة للمزيد من الاموال لسدّ نفقات العلاج الباهضة وفضّل ان يموت غريبا في فرنسا فلا زوجة تنحب عليه بكاءً ولا ذريّة تخلّد اسمه لكنه بقي خالدا في قلوب العراقيين وتلهج بذكرهِ ألسنتهم وصمم طوال حياتهِ على ان لاتطول يده الى المال دون وجه حقّ وتنهب من مال الشعب لتغطية نفقات علاجه
اما العازب الثاني فهو رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم ( 1916—1963 ) الخالي الوفاض الاّ من نزاهته وعفّته عن مسك المال الحرام وحبّه لفقراء بلده فعاش في بيت اخته فردا وحيدا قبل مسكهِ زمام السلطة فلا حضن يبعث فيه الدفء والحنان ولا سكن مستقل يأويه ولا امرأة زوجة صالحة تترقب مجيئه بعد عناء جولاته اليومية وزياراته المتكررة لمحبيه من أهله الفقراء والمعوزين المنتشرين في عموم مصالح البلاد فاتخذ من بناية وزارة الدفاع مقرا دائما له يوصل ليله بنهاره فيها ويؤدي واجباته هناك فلم يستعن بخدم ولاحشم ولا زعيق حمايات تقطع الطرقات ولا موكب يستفزّ العابرين والسابلة سوى مرافق واحد يسايره اينما يحلّ وحيثما يأزف ويأتيه طعامه من شقيقتهِ بإنائين صغيرين احدهما فوق الاخر مما نسميه في العراق " السفرطاس "
ومع ان العراق ومسؤوليه السابقين لم يألفوا سرقة المال العام للدولة وان ثقافة الرشى وخرق الميزانية الخاصة بالبلاد ومما يطلق عليه الكوميشون وانواع التحايل وفتح ثغرات السرقات وشرعنتها للاستحواذ على موارد البلاد المالية فمثل هذه المهازل للإثراء غير المشروع لم يعرفها العراق قبلا ، لكن هاتين الشخصيتين كانتا انموذجين رفيعين في النزاهة الى مداها الاقصى ويشهد على ذلك اعداؤهما قبل اصدقائهما سواء اختلفنا في رؤاهم السياسية ام اتفقنا فهذان العازبان يعتبران مثالين لرفعة النفس وطهارة الجيب ونقاء الضمير
وقد تكون حالتهما الزوجية وكونهما بلا عائلة أو ذريّة سببا اخر في رقيّ نفسيهما الى حدّ الطهارة والعفّة المتزايدة والنأي عن المطامع وأكل الباطل وتلويث اليد بالسحت فما حاجتهما الى المزيد من المال والإرث الزائد والفائض من الثروات اذا خلت حياتهما من البنين ورفيقة العمر ؟؟ ، فالعائل الذي ثقل كاهله بمسؤوليات الاسرة ربما يضعف امام المال من اجل رفع مستوى المعيشة لبنيه وزوجته وإيصالهم الى درجة الاكتفاء والمزيد الفائض خوفا من مقبل لايأمن ، وقديما قيل ان العائل يجنح للقلق والخوف والطمع خوفا على اسرته من العوز ومن أيام صعبة قد تجيء غيلة بالويلات والقحط ، ففي حديث الرسول الكريم (ص) : ان الوِلْدَ محزنة مبخلة ، مأْثمة . فهم مدعاة لِلإثم لأنك قد تنحو نحو مالايرضاه الله لأجل اشباع رغباتهم مثلما هم مبخلة لأنك تقتر على نفسك لتوفّر لهم وتحزن على مااصابهم من سقم وغيره
فهل علينا اليوم ان نفتش على عازبين أكفّاء ليستوزروا ويتقلّدوا المناصب الرفيعة في الدولة كي نقلل من طوفان الفساد العائم بيننا لأننا جرّبنا كل الطرق المتعارف عليها والوسائل القانونية والقوة الصلبة والناعمة دون ان نلحظ مايسرّ الانظار ويريح البال ، فالفساد المالي على أشدّه ، وهل علينا ان نبكي ماضينا النظيف ونُحْيي موتانا الساسة العراقيين بمعجزة إلهية لنعيدهم الى تحمّل وزر أعبائنا وقيادتنا القيادة السليمة
رحماك ربي فقد انتهت عصور إحياء الموتى وأسلافنا لايعودون ، ولنعترف بملء أفواهنا اننا عجزنا ان نكون مثل رجالنا السياسيين الشرفاء الاطهار
نحن -- دون ادنى شك -- شرّ خلف لخير سلف سواء رضينا أم لم نرضَ

[email protected]